حين تكشف الحرب في الشرق الأوسط، وراء كل حبة قمح, منظومةً معولمةً من الغاز والأسمدة والشحن والعملات الصعبة، لم تعد تملك تونس حيالها أيّ رافعة من روافع التحكّم.
لم تُحدث الأزمة الجيوسياسية التي اندلعت في الشرق الأوسط سنة 2026 صدمةً نفطيةً فحسب، بل كشفت كذلك عن هشاشةٍ أقلّ وضوحاً لكنها أشدّ تفجّراً على الأرجح: التبعية الغذائية والزراعية للاقتصادات المستوردة في جنوب المتوسط.
ففي تونس، أدّى الإغلاق المؤقت لمضيق هرمز، واضطراب الملاحة البحرية، والتوترات حول الغاز الطبيعي، وارتفاع التكاليف اللوجستية، إلى إثارة مخاوف فورية في أسواق الأسمدة والحبوب والمدخلات الزراعية.
ويُذكّر هذا الوضع بحقيقةٍ كثيراً ما يُستهان بها: لم تعد الزراعة الحديثة مسألة أرضٍ ومطرٍ وحسب، بل باتت رهينةً لسلاسل صناعيةٍ معولمةٍ بالغة التعقيد.
فالقمح يعتمد على الغاز. والمردوديّة تعتمد على الأسمدة الآزوتية. والأسمدة الفوسفاطية تعتمد على الكبريت المستورد. أمّا التكاليف الزراعية فهي رهينة النفط والنقل البحري والعملات الصعبة والتوترات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، تعمل الحرب في الشرق الأوسط بوصفها كاشفاً صارخاً لمواطن الهشاشة البنيوية في تونس.
إذ يظل البلد شديد الاعتماد على واردات الحبوب. ويعتمد بكثافةٍ على المدخلات الزراعية الدولية. ويقوم نموذجه الغذائي على منظومة دعمٍ باهظة الكلفة على الميزانية. وتبقى زراعته ضعيفة الإنتاجية وعُرضةً للصدمات المناخية.
والأهمّ من ذلك بُنيوياً، أنّ الأزمة الراهنة تكشف عن تناقضٍ جوهري: لا تزال تونس تتحدّث عن الاكتفاء الذاتي الغذائي في حين أنّ منظومتها الزراعية مندمجةٌ اندماجاً عميقاً في سلاسل عالميةٍ لا تملك حيالها أيّ تحكّمٍ يُذكر.
ولذلك لم يعد السؤال يقتصر على إنتاج المزيد من القمح.
بل غدا أكثر استراتيجيةً بكثير: كيف يمكن تأمين منظومةٍ غذائيةٍ تعتمد في آنٍ واحد على الغاز والنفط والأسمدة والأسواق العالمية والشحن البحري والتوازنات الجيوسياسية الدولية؟
عودة الجيوسياسة الغذائية
على مدى عقودٍ عديدة، قامت العولمة الزراعية على فرضيةٍ ضمنية مفادها أنّ سلاسل التزويد ستظلّ مستقرةً في مجملها، وأنّ الأزمات الجيوسياسية لن تكون سوى اضطراباتٍ عابرة.
فقد كان كبار فاعلي التجارة العالمية للحبوب يعتبرون الحروب والعقوبات والتوترات البحرية حالاتٍ شاذّةً مآلها الانحسار السريع. غير أنّ هذه الرؤية انهارت تدريجياً خلال السنوات الأخيرة. فجائحة كوفيد-19، ثم الحرب في أوكرانيا، فالتوترات في الشرق الأوسط، غيّرت تغييراً عميقاً إدراك المخاطر في الأسواق الزراعية الدولية. وبات فاعلو التداول العالمي ينظرون اليوم إلى الانقطاعات اللوجستية وقيود التصدير والعقوبات المالية والنزاعات الإقليمية، لا بوصفها حوادث طارئة، بل بوصفها مكوّناتٍ دائمةً من مكوّنات اشتغال الاقتصاد العالمي.
ويكتسي هذا التحوّل أهميةً خاصة بالنسبة إلى البلدان المستوردة الصافية للمواد الغذائية مثل تونس. فأسعار المنتجات الزراعية العالمية لم تعد تتوقّف على المحاصيل والظروف المناخية وحدها، بل غدت مرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بالتوترات الجيوسياسية وكلفة الشحن البحري والتأمينات وأسعار الطاقة واستقرار المسالك التجارية الدولية. ويجسّد القمح هذا التحوّل أتمّ تجسيد. ففي سبعينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تمثّل قرابة نصف الصادرات العالمية للقمح. أمّا اليوم، فقد غدت روسيا المُصدّر الأول عالمياً بقرابة رُبع السوق الدولية. وهكذا أصبح البحر الأسود فضاءً محورياً للأمن الغذائي العالمي. وقد بيّنت الحرب في أوكرانيا إلى أيّ حدٍّ يمكن للبلدان المعتمدة على واردات الحبوب أن تغدو هشّةً إزاء اضطرابٍ جيوسياسيٍّ إقليمي.
من واردات تونس من القمح اللّيّن مصدرها منطقة البحر الأسود (روسيا، أوكرانيا، رومانيا، بلغاريا). وأيّ اضطرابٍ إقليميّ يُنتج فوراً موجةَ صدمةٍ على المستوى الوطني.
وتونس من بين تلك الاقتصادات الأشدّ تعرّضاً للمخاطر. فنموذجها الغذائي يقوم تاريخياً على عقدٍ اجتماعيٍّ محوره توفّر الخبز بأسعارٍ زهيدة. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، يتوقّف الاستقرار الاجتماعي للبلاد إلى حدٍّ بعيد على قدرة الدولة على ضمان الوصول إلى منتجات الحبوب المدعومة. غير أنّ هذا النموذج يزداد صعوبةً في الحفاظ عليه في ظلّ ارتفاع التكاليف الدولية وضعف الميزانية وتباطؤ الاقتصاد. وحتى في مواسم الفلاحة الجيّدة، تظلّ تونس مستوردةً بكثافة. وتشير التقديرات المتداولة في النقاشات إلى أنّ المحصول الجيّد قد يتراوح بين 16 و20 مليون قنطار، في حين يناهز الاستهلاك الوطني نحو 37 مليون قنطار. ومن ثمّ يبقى العجز البنيوي ضخماً.
ولا تقتصر هذه التبعية على القمح المخصّص للاستهلاك البشري. فثمّة جزءٌ متزايد من الواردات يُوجَّه كذلك إلى تغذية المواشي. وقد أدّى تطوّر العادات الغذائية والتصنيع التدريجي لتربية الماشية إلى تعزيز الحاجة إلى الحبوب المستوردة. غير أنّ هذه الديناميكية تصطدم اليوم بالإفقار المتزايد للطبقات الوسطى والشعبية. وتُبرز تحاليل عديدة أنّ ارتفاع كلفة المعيشة يدفع كثيراً من الأسر إلى الحدّ من استهلاكها للبروتينات الحيوانية لصالح منتجات الحبوب المدعومة. وهكذا تعزّز الهشاشة الاقتصادية، آلياً، التبعية للحبوب. فيغدو الخبز في آنٍ واحد مُمتصّاً للصدمات الاجتماعية ومصدراً للهشاشة الميزانياتية.
النقطة العمياء الكبرى: الأسمدة وجيوسياسة المدخلات
من أبرز الدروس المستفادة من الأزمة الراهنة أنّ السيادة الغذائية لم يعد بالإمكان التفكير فيها انطلاقاً من حجم إنتاج الحبوب وحده.
فالزراعة الحديثة باتت رهينةً لسلسلةٍ صناعيةٍ معولمةٍ بالغة التعقيد، تُشكّل الأسمدةُ على الأرجح أكثر عناصرها استراتيجية. فاليوريا، وهي السماد الآزوتي الأكثر استخداماً في العالم، تعتمد اعتماداً مباشراً على الغاز الطبيعي. إذ يرتبط نحو 46 % من تركيبتها بالآزوت المُستخلَص من الغاز. ويعني هذا أنّ أيّ ارتفاعٍ في سعر الغاز أو أيّ اضطرابٍ في التدفّقات الطاقية الدولية ينعكس فوراً على التكاليف الزراعية.
وتُجسّد أزمة مضيق هرمز هذه الهشاشة المنظومية أتمّ تجسيد. فثمّة جزءٌ بالغ الأهمية من الصادرات العالمية لليوريا يَعبُر هذه المنطقة الاستراتيجية. وقد أثارت التوترات العسكرية فوراً مخاوف بشأن توفّر الأسمدة على المستوى العالمي. وتتجاوز التبعات نطاق الشرق الأوسط بكثير. فحين تغدو الأسمدة أغلى أو أقلّ توفّراً، يُقلّص الفلاحون كميات استعمالها. ويؤثّر هذا التقليص بدوره على المردوديّة الزراعية العالمية، ثم ينتقل في نهاية المطاف إلى أسعار المواد الغذائية الدولية. وقد بدأت بلدانٌ عديدة تشعر بهذه الآثار غير المباشرة. فالهند مثلاً اضطرّت إلى تقليص جزءٍ من إنتاجها للأسمدة بسبب التوترات الطاقية والغازية، وهو ما قد يؤثّر على المحاصيل المقبلة ويفرض ضغطاً إضافياً على الأسواق العالمية.
وتجد تونس نفسها معرّضةً لهذا الوضع بصفةٍ خاصة. فزراعتها تعتمد اعتماداً كبيراً على المدخلات المستوردة، في حين تظلّ هذه التبعية غائبةً في الغالب عن النقاش العمومي. صحيحٌ أنّ البلاد تُنتج الفوسفاط، لكنّ ذلك لا يعني أنّها صاحبة سيادةٍ على مجمل سلسلة الأسمدة. فإنتاج الأسمدة الفوسفاطية يستلزم على وجه الخصوص الكبريت، وهو مادةٌ مستوردةٌ في معظمها وكثيراً ما ترتبط بمسالك بحريةٍ هشّة. ومن ثمّ، فإنّ بلداً يملك مواردَ منجميةً استراتيجية قد يظلّ مع ذلك شديد التبعية للسلاسل العالمية من أجل تحويلها وتثمينها.
وتكشف هذه الحقيقة عن حدود الخطاب التقليدي حول الاكتفاء الذاتي الغذائي. فلم يعد بالإمكان تعريف السيادة الغذائية بالقدرة على إنتاج القمح محلياً وحدها. بل ينبغي أن تشمل مجمل السلسلة الزراعية: الأسمدة والطاقة والنقل والتخزين واللوجستيك والوصول إلى العملات الصعبة. وفي الحالة التونسية، تغدو هذه المسألة أشدّ حساسيةً لأنّ إنتاج الفوسفاط تراجع تراجعاً حاداً منذ سنة 2010، فتقلّصت بذلك القدرات الصناعية الوطنية وعائدات التصدير في آنٍ واحد. وهكذا تجد تونس نفسها في وضعٍ مفارق: فهي تملك موارد استراتيجيةً معيّنة لكنها تظلّ تابعةً للسلاسل العالمية من أجل تثمينها.
الإنتاجية الزراعية، المناخ والحدود البنيوية
تُسلّط الأزمة الراهنة الضوء كذلك على نقاط الضعف البنيوية في الزراعة التونسية. فالمسألة المحورية لا تتعلّق بالواردات وحدها، بل بالإنتاجية أيضاً.
فمردوديّة الحبوب في شمال أفريقيا تظلّ ضعيفةً نسبياً مقارنةً بالمعايير الدولية. وتُحدّد الأرقام المتداولة مردوديّة تونس في نحو 14 قنطاراً للهكتار، مقابل نحو 17 في المغرب و10 في الجزائر، في حين تحقّق مصر نتائج أعلى بكثير بفضل زراعةٍ تعتمد بقوّة على الريّ. وتظلّ هذه المستويات غير كافيةٍ لتقليص التبعية التونسية للحبوب تقليصاً ملموساً.
غير أنّ المشكلة تتجاوز الإنتاجية وحدها بكثير. فالزراعة التونسية باتت تواجه ضغطاً مناخياً متصاعداً. فندرة المياه، والجفاف المتكرّر، وعدم انتظام التساقطات، أمورٌ تُضعِف الدورات الزراعية وتجعل المردوديّة أشدّ تقلّباً. وهكذا يُحوّل التغيّر المناخي تدريجياً الأمنَ الغذائي إلى مسألةٍ استراتيجية. فمواسم الحصاد الجيّدة تغدو أقلّ قابليةً للتوقّع، في حين تتزايد الحاجة إلى الريّ في الوقت الذي تتراجع فيه الموارد المائية.
ويعزّز هذا التطوّر التبعية للواردات أكثر فأكثر. فتونس تدخل تدريجياً منطقةَ هشاشةٍ منظوميةٍ يغدو فيها المناخ والطاقة والأسمدة والمالية العمومية مترابطةً فيما بينها. فالمحصول السيّئ يؤدّي إلى مزيدٍ من الواردات؛ ومزيد الواردات يستلزم مزيداً من العملات الصعبة؛ غير أنّ العملات الصعبة تتوقّف هي نفسها على السياحة والصادرات والاستقرار الماكرو-اقتصادي. وهكذا يغدو الأمن الغذائي مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بالمسألة النقدية والميزانياتية.
ويُعدّ هذا التداخل أساسياً لأنّه يُظهر أنّ الأزمة الزراعية التونسية لم يعد بالإمكان معالجتها بوصفها مسألةً قطاعيةً بسيطة. فهي تُحيل اليوم إلى بنية النموذج الاقتصادي الوطني نفسها، وإلى قدرة الدولة على إدارة التبعيات الحرجة في بيئةٍ عالميةٍ غدت أشدّ تقلّباً.
صندوق الدعم: عامل استقرارٍ اجتماعي أم مأزقٌ ميزانياتي؟
تُشكّل منظومة الدعم الغذائي التونسية أحد الأركان التاريخية للعقد الاجتماعي الوطني.
فصندوق الدعم، الذي أُحدِث إبّان الحرب العالمية الثانية، كان يهدف في الأصل إلى تثبيت الأسعار في سياقٍ من النقص والريبة. ومع مرور الوقت، غدت هذه الآلية عنصراً محورياً من عناصر التنظيم الاقتصادي والاجتماعي التونسي. فهي تتيح إبقاء أسعار الخبز والدقيق والعجائن، بل والوقود، منخفضةً اصطناعياً. وعلى مدى عقودٍ عديدة، أسهمت هذه المنظومة في الحفاظ على قدرٍ من الاستقرار الاجتماعي.
غير أنّ هذا النموذج غدا تدريجياً باهظ الكلفة. فقد أدّى ارتفاع الأسعار الدولية للطاقة والمواد الأوّلية إلى زيادةٍ كبيرة في الضغط الميزانياتي. وباتت الدولة التونسية مضطرّةً اليوم إلى استيعاب الدعم الطاقي والغذائي في آنٍ واحد، في سياقٍ من النموّ الضعيف والمديونية المرتفعة. وتزداد المشكلة تفاقماً ببنية المنظومة ذاتها: فالدعم يستفيد منه عموم السكان على نطاقٍ واسع، بمن فيهم الأسر الميسورة، في حين أنّ إلغاءه المفاجئ قد يُفضي إلى انفجارٍ اجتماعي.
ويضع هذا التناقض الدولة في مأزقٍ سياسيٍّ دائم. فقد بيّنت التجارب الماضية أنّ إصلاحات الدعم تُشكّل دوماً لحظات توتّرٍ شديد. فالخبز يتّخذ في تونس بُعداً رمزياً بالغ الأهمية. إذ يمثّل في آنٍ واحد مادةً غذائيةً أساسية وعلامةً تاريخيةً على العقد الاجتماعي. ومن ثمّ، فإنّ أيّ إصلاحٍ للأسعار يمسّ مباشرةً الشرعية السياسية.
وأمام هذه الصعوبة، كثيراً ما يتّخذ التعديل أشكالاً غير مباشرة. فالدولة تتجنّب أحياناً الزيادات المباشرة في الأسعار لكنّها تترك المجال لظهور نقصٍ في التموين أو انقطاعاتٍ في التزويد أو تدنٍّ في الجودة. وتغدو آلية التعديل الصامت هذه أكثر تواتراً فأكثر. وقد تُسرّع الأزمة الراهنة هذه الديناميكية. فارتفاعٌ مستدام في الأسعار العالمية للقمح والنفط والأسمدة من شأنه أن يفرض ضغطاً هائلاً على المالية العمومية التونسية، وأن يجعل الحفاظ على المنظومة الحالية أصعب فأصعب.
الزراعة، السيادة وأزمة الدولة
تكشف الأزمة الغذائية التونسية في نهاية المطاف عن أزمةٍ أعمق بكثير: أزمة الدولة الاستراتيجية.
فمنذ عقودٍ عديدة، تتأرجح السياسات الزراعية التونسية بين التدخّل العمومي والانفتاح على الأسواق العالمية والتدبير الاجتماعي للأسعار. غير أنّ هذه البنية تبدو اليوم متزايدة التنافر. فتونس تستورد الحبوب بكثافة في حين تُبقي على أسعارٍ مُدارة. وهي تُنتج الفوسفاط لكنّها تعتمد على الواردات لبعض المدخلات الاستراتيجية. وهي تسعى إلى الحفاظ على السلم الاجتماعي في الوقت الذي تواجه فيه قيوداً ميزانياتيةً متصاعدة.
ويُضعِف هذا التناقض الدائم قدرات الدولة على التخطيط. والمشكلة تتجاوز الزراعة بكثير. فهي تمسّ القدرة الإجمالية للبلاد على إدارة تبعياتها الاستراتيجية في بيئةٍ جيوسياسيةٍ متقلّبة. فالمسألة الغذائية باتت اليوم غير منفصلةٍ عن المسألة الطاقية. فالأسمدة تعتمد على الغاز. والنقل يعتمد على النفط. والواردات تعتمد على العملات الصعبة. والعملات الصعبة تعتمد هي نفسها على الصادرات والسياحة والاستقرار الماكرو-اقتصادي.
ويُحوّل هذا الترابط الأمنَ الغذائي إلى مسألة أمنٍ قومي. فلم يعد بإمكان تونس أن تعالج بصفةٍ منفصلة الزراعةَ والطاقة والتجارة الخارجية والسياسة الاجتماعية. والحرب في الشرق الأوسط تُبيّن السبب على وجه الدقّة. فالصدمة الجيوسياسية الإقليمية باتت قادرةً على أن تُنتج في آنٍ واحد ارتفاعاً في أسعار الطاقة، واضطراباً في الأسمدة، وتضخّماً غذائياً، وضغطاً ميزانياتياً. وهذه الديناميكية التراكمية بالغة الخطورة على الاقتصادات الشديدة الاعتماد على الواردات.
إعادة التفكير في السيادة الغذائية: من الاكتفاء الذاتي المستحيل إلى الصمود الاستراتيجي
أمام هذا الوضع، يظلّ النقاش التونسي كثيراً ما يكون أسير ثنائيةٍ مبسّطةٍ بين التبعية والاكتفاء الذاتي.
غير أنّ الاكتفاء الذاتي الكامل من الحبوب يبدو متعذّراً بنيوياً في ظلّ الظروف المناخية والمائية الراهنة. والسؤال الاستراتيجي الحقيقي يكمن في مكانٍ آخر: فهو يتمثّل في بناء صمودٍ غذائي.
ويستلزم هذا النهج إزاحة النقاش. فالسيادة الغذائية لا تعني إنتاج كلّ ما يُستهلك محلياً، بل تعني تأمين قدرات التزويد بصفةٍ مستدامة، والحدّ من التبعيات الحرجة، وتعزيز القدرات الوطنية على إدارة الأزمات. وتفترض هذه الاستراتيجية تحوّلاتٍ عميقةً عدّة: تدبيراً أفضل للمخزونات الاستراتيجية، وتنويعاً للمزوّدين والمسالك التجارية، فضلاً عن تفكيرٍ أوسع بكثير في المدخلات الزراعية الحرجة.
مرّر المؤشّر فوق عمودٍ لاستكشاف روافعه.
سيكون على تونس على الأرجح أن تُطوّر استراتيجياتٍ إقليميةً وصناعيةً بشأن الأسمدة والكبريت وبعض السلاسل اللوجستية. ويمكن للتعاون المغاربي أن يضطلع نظرياً بدورٍ في هذا الأفق، وإن كانت العراقيل السياسية الإقليمية تجعل هذا الخيار صعب المنال على المدى القصير. وتغدو المسألة الطاقية كذلك محورية. فجزءٌ من الهشاشة الزراعية التونسية ينبع مباشرةً من تبعيتها للمحروقات المستوردة. ومن ثمّ، فإنّ التحوّل الطاقي قد يغدو هو أيضاً استراتيجيةً زراعية.
فتطوير الطاقة الشمسية في المستثمرات الفلاحية، وتحسين النجاعة الطاقية، بل وإنتاج النشادر (الأمونياك) الأخضر، أمورٌ من شأنها أن تُقلّص تدريجياً بعض التبعيات البنيوية. غير أنّ هذه التحوّلات تتطلّب وقتاً واستثماراتٍ ورؤيةً صناعيةً حقيقية. وأخيراً، تظلّ المسألة الاجتماعية أساسية. فالأمن الغذائي لا يمكن التفكير فيه بدلالة الكميات وحدها، بل يتوقّف كذلك على القدرة الشرائية. فالسكان الذين لم يعودوا قادرين على الوصول إلى البروتينات ويرتدّون إلى منتجات الحبوب المدعومة، إنّما يكشفون عن إفقارٍ بنيوي.
ومن ثمّ، فإنّ الأزمة الغذائية التونسية ليست أزمةً زراعيةً وحسب. بل هي كذلك أزمةٌ اجتماعيةٌ وميزانياتيةٌ وسياسية.
خاتمة — من الهشاشة الزراعية إلى الاستراتيجيا الوطنية
كشفت الحرب في الشرق الأوسط عن حقيقةٍ جوهرية: لقد بات الأمن الغذائي التونسي يتوقّف على الجيوسياسة العالمية بقدر ما يتوقّف على المحاصيل الوطنية.
فالقمح والأسمدة والغاز والنفط والنقل البحري والعملات الصعبة، تُشكّل اليوم منظومةً مترابطةً ترابطاً عميقاً.
وفي هذه المنظومة، تبدو تونس هشّةً بصفةٍ خاصة.
غير أنّ هذه الهشاشة يمكن أن تغدو كذلك نقطة انطلاقٍ استراتيجية.
فهي تُحتّم تجاوز المقاربات القطاعية.
إذ لم يعد بالإمكان التفكير في الزراعة بمعزلٍ عن الطاقة والصناعة والتجارة الخارجية والمالية العمومية.
وعندئذٍ تغدو المسألة المحورية هي مسألة إعادة بناء دولةٍ استراتيجية قادرةٍ على المواءمة بين الأمن الغذائي والتحوّل الطاقي والسياسة الصناعية والعدالة الاجتماعية.
فالتحدّي التونسي الحقيقي ليس على الأرجح بلوغ اكتفاءٍ ذاتيٍّ مستحيل.
بل هو بناء قدرةٍ وطنيةٍ على الصمود في عالمٍ غدت فيه الصدمات الجيوسياسية والمناخية والطاقية دائمة.
وبعبارةٍ أخرى، لم يعد الأمر يتعلّق بإنتاج المزيد وحسب.
بل يتعلّق بالبقاء استراتيجياً في اقتصادٍ عالميٍّ متزايد التقلّب.
© 2026 Policy Network For Transitions. Tous droits réservés.