الفعاليات واللقاءات
ندوات ومؤتمرات وورش عمل تتناول التحولات الكبرى — طاقيةً كانت أم جيوسياسية أم ديموغرافية أم رقمية.
الفعاليات الماضية
السياسة الصناعية الخضراء والاقتصاد السياسي للتحوّل الطاقي في شمال أفريقيا
تواجه بلدان شمال أفريقيا مجموعةً من التحدّيات المتشابكة: تسارُع الأزمات المناخية والإيكولوجية؛ وتصاعُد الضغوط على منظومات المياه والغذاء والطاقة؛ والحاجة إلى صياغة استراتيجيات تنموية قابلة للحياة داخل اقتصاد عالمي يزداد تجزُّؤًا. وفي هذا السياق، برزت السياسة الصناعية الخضراء بوصفها ضرورةً وفرصةً استراتيجية في الوقت ذاته.
جمعت الورشة في طنجة أكثر من ثلاثين مشاركاً — أكاديميين وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني من مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا — لاستقصاء المواضع التي يمكن أن يكون فيها التحوّل الطاقي الراهن مواتيًا لتنمية شاملة، وتلك التي يهدّد فيها بإعادة إنتاج أنماط قديمة من الاستخراج والتبعية والاندماج غير المتكافئ في الاقتصاد العالمي.
البرنامج التفصيلي
السياسة الصناعية الخضراء والاقتصاد السياسي للتحوّل الطاقي في شمال أفريقيا
إنّ بناء قدرات صناعية محلية في القطاعات المرتبطة بالطاقات المتجدّدة، والتنقّل الكهربائي، والمعادن الحرجة، والأسمدة، والهيدروجين، والصناعات منخفضة الكربون، من شأنه أن يعزّز المناعة أمام الصدمات الخارجية، ويخلق فرص عمل، ويحفّز الارتقاء التكنولوجي، ويحسّن الاندماج في سلاسل القيمة العالمية الناشئة.
غير أنّ النجاح ليس مضمونًا سلفًا: فالمنافسة العالمية شديدة، والطريق محفوف بمقايضات صعبة وبقرارات دقيقة تتعلّق بتسلسل الأولويات، خصوصًا في سياقات يتّسم فيها الهامش المالي بالضيق، والقدرات الإدارية بالتفاوت، والتبعية للتمويل والأسواق الخارجية بالقوة.
تسعى ورشة العمل هذه إلى تفكيك الاقتصاد السياسي للتصنيع الأخضر في شمال أفريقيا، وإلى التفكير في ما يمكن استخلاصه من تجارب التنمية السابقة، وفي سُبل الاستعداد لبيئة عالمية أكثر اضطرابًا وغموضًا، تتّسم بالتجزّؤ الجيوسياسي وتعمّق القيود المناخية.
بمشاركة رئيس مؤسسات المجتمع المفتوح (OSF)، والضيوف المدعوين، والمشاركين.
لا يُعدّ التحوّل الطاقي مسارًا تقنيًا أو بيئيًا فحسب، بل هو مسار سياسي في جوهره. فعبر شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأوسع، تعيد الاستراتيجيات الصناعية الخضراء تشكيل الدول ونماذج التنمية وموازين القوى بين الفاعلين المحلّيين والدوليين. وهي بذلك تُنتج اقتصادات سياسية جديدة للتنمية، تتميّز بتحوّلات في تدخّل الدولة والسياسة الصناعية وأنماط الحُكم.
في بلدان عديدة، يُعيد التحوّل صياغة دور الدولة؛ إذ توسّع الحكومات وظائفها كمخطِّط ومنظِّم ومستثمر ومنسِّق للتحوّل الصناعي، وغالبًا عبر بنى مركزية لصنع القرار. وإذا كان ذلك قد يعزّز قدرة الدولة والتخطيط بعيد المدى، فإنه يطرح في المقابل أسئلة حول المساءلة والمشاركة وتمركز السلطة. وتتبلور في المنطقة ثلاثة مسارات عريضة: دولٌ إراديّة تسعى إلى قيادة التحوّل بفعالية؛ ودولٌ محافظة تهدف أساسًا إلى صيانة الترتيبات القائمة؛ ومجموعةٌ ثالثة تتّسم بتجزّؤ السياسات أو بإنكار الواقع.
- ما أنواع الاقتصادات السياسية التي تتشكّل عبر مشاريع التحوّل الأخضر؟
- كيف تؤثّر سياسات التحوّل الأخضر في العقود الاجتماعية وفي توقّعات الرأي العام بشأن التنمية والرفاه؟
- هل تستطيع السياسة الصناعية الخضراء أن تساعد البلدان المصدِّرة للطاقة على تجاوز نماذج التنمية الريعية؟
- هل تُنتج القطاعات الخضراء الجديدة تحوّلًا إنتاجيًا حقيقيًا، أم مجرّد أشكال جديدة من توزيع الريع وتراكم النخب؟
- كيف يشكّل التمويل المناخي، وتمويل التنمية، والصناديق السيادية، ورأس المال الخاص، الاستراتيجيات الوطنية للتحوّل؟
- آمال بوبكر — أستاذة على مسار التثبيت (Tenure Track)، جامعة إكس–مرسيليا
- داوود الأنصاري — مؤسِّس معهد شاهين (عُمان)
- كولين باورز — مدير البحوث، نوريا (فرنسا)
- فرناندو سانتياغو رودريغيز — مسؤول السياسة الصناعية، منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)
يُطلق التحوّل الأخضر أوسع عملية لإعادة تنظيم شبكات الإنتاج العالمية منذ صعود العولمة في تسعينيات القرن الماضي. فالسيارات الكهربائية، والبطاريات، وتقنيات الطاقات المتجدّدة، والمعادن الحرجة، والهيدروجين، والمنتجات الصناعية منخفضة الكربون، تخلق فرصًا جديدة للبلدان الساعية إلى الارتقاء داخل سلاسل القيمة العالمية. وبالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تمثّل هذه اللحظة فرصةً قد تكون تاريخية، بحكم القرب من الأسواق الأوروبية، والإمكانات المتنامية في الطاقات المتجدّدة، والقدرات التصنيعية الراسخة في قطاعات مثل صناعتي السيارات والأسمدة، والجاذبية لدى مستثمرين رئيسيين في الصين والخليج.
غير أنّ الاندماج في سلاسل القيمة الخضراء لا يؤدّي تلقائيًا إلى تنمية صناعية. فالاقتصاد العالمي يزداد تجزُّؤًا، بينما تعتمد القوى الكبرى سياساتٍ صناعية ودعمًا حكوميًا ومتطلّبات محتوى محلي وقيودًا تجارية لتأمين الصناعات الاستراتيجية. وتنذر تدابيرُ مثل آلية تعديل الحدود الكربونية (CBAM) التابعة للاتحاد الأوروبي بتكريس أشكال من الحمائية الخضراء وبإقامة حواجز جديدة أمام البلدان النامية.
- ما الذي يميّز الارتقاء الصناعي الناجح عن مجرّد المشاركة في سلاسل القيمة العالمية؟
- هل تمثّل آلية تعديل الحدود الكربونية (CBAM) تهديدًا للصناعة في شمال أفريقيا بالأساس، أم حافزًا للتحديث الصناعي؟
- هل تستطيع بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحويل وفرة الطاقات المتجدّدة إلى ميزة تنافسية في صناعات مثل الحديد والصلب والأسمدة والكيمياء والهيدروجين؟
- هل يمثّل الحضور المتزايد للشركات الصينية في السيارات الكهربائية والبطاريات وتقنيات الطاقات المتجدّدة فرصةً جديدة لنقل التكنولوجيا والتعلّم الصناعي؟
- هل يمكن لبلدان شمال أفريقيا أن تستثمر التنافس بين الصين وأوروبا ومستثمري الخليج لتعزيز موقعها التفاوضي؟
- كيف سيبدو النجاح بعد عشر سنوات: صادرات أكثر، أم منظومات صناعية أعمق، أم قدرات تكنولوجية، أم استقلالية استراتيجية أوسع؟
- نورا أبو شادي — أستاذة اقتصاد مشاركة، جامعة القاهرة، منتدى البحوث الاقتصادية (ERF)
- ألفونسو مدينيّا — رئيس قسم العمل المناخي والتحوّل الأخضر، المركز الأوروبي لإدارة سياسات التنمية (ECDPM)
- روبرتو كاردينالي — أستاذ مشارك، كوليدج لندن الجامعي (UCL)
- بايفورد تسانغ — زميل أول، المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) · مشاركة عن بُعد
يعيد الزخم العالمي نحو إزالة الكربون تشكيلَ العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية على ضفّتي المتوسط. فبينما تسعى أوروبا إلى تأمين إمدادات الطاقة النظيفة وتقليص تبعيتها للوقود الأحفوري، تتموضع بلدان شمال أفريقيا كمنتجين رئيسيين للهيدروجين الأخضر والكهرباء المتجدّدة وغيرها من المُدخلات الاستراتيجية للتحوّل الأخضر. وبالنسبة إلى حكومات المنطقة، تَعِد هذه القطاعات الناشئة بالاستثمار وعائدات التصدير ومداخيل العملة الصعبة وفرص الارتقاء الصناعي.
غير أنّ هذه الجغرافيا الخضراء الجديدة تطرح كذلك أسئلة جوهرية حول الموارد والاستدامة والتنمية. فهل يُنشئ التحوّل الأخضر شروط نموّ مستدام وشامل، أم أنّه يعيد إنتاج أنماط الاستخراج والتبعية القائمة؟ تستكشف هذه الجلسة هذه التوتّرات من منظور مشاريع الطاقات المتجدّدة، متسائلةً عمّا يقتضيه تحوّلٌ أخضر عادل بالفعل في شمال أفريقيا.
- ما هي التكاليف البيئية والاجتماعية للاستثمارات الخضراء؟
- كيف ستُوزَّع الموارد المائية الشحيحة والأراضي والطاقة المتجدّدة بين الاحتياجات المحلية والإنتاج الموجّه للتصدير؟
- تاريخيًا، اندرجت شمال أفريقيا في الأسواق العالمية عبر المحروقات والفوسفاط والصادرات الزراعية. فما الجديد فعلًا في الهيدروجين الأخضر؟
- ما الذي يحدث عندما تتقاطع مشاريع الهيدروجين الكبرى مع شحّ المياه والاحتياجات الزراعية وسُبل عيش السكان المحليين؟
- هل يمكن حقًّا الفصل بين التحوّل الطاقي وسياسات المياه في بلدان تُعدّ من الأكثر إجهادًا مائيًا في العالم؟
- ما الجماعات المحلية المرشّحة لتحقيق أكبر المكاسب، وتلك المعرّضة لأكبر الخسائر؟ وما الشروط التي تتيح لاستثمارات الهيدروجين أن تسهم في الارتقاء الصناعي بدلًا من الاكتفاء بتصدير الطاقة؟
- ياسمين زرهلول — باحثة غير مقيمة، مركز كارنيغي للشرق الأوسط (المغرب)
- محمد يونس — باحث في سياسات الطاقة والبيئة (مصر)
- إنصاف بنزاكي — مسؤولة حملات، غرينبيس (المغرب)
- إيمان الشريف — عضوة حركة «مينافيم» (MENAFEM) للعدالة الاقتصادية والتنموية والبيئية (تونس)
تتناول هذه الجلسة السُبل التي تتيح لاقتصادات شمال أفريقيا تمويل طموحاتها في مجالي التكيّف المناخي والتصنيع الأخضر، في لحظة تخضع فيها المالية العمومية لضغوط شديدة، وتبقى فيها كلفة الاقتراض مرتفعة، وتتعمّق فيها مظاهر الهشاشة الاقتصادية. فحكومات المنطقة مُطالَبة بتحقيق استقرار اقتصاداتها، وحماية سكّانها من صدمات تتواتر باطّراد، وتنفيذ أجندات إصلاحية، والاستثمار في المستقبل، وكل ذلك في ظلّ هامش مالي محدود.
فمؤسسات التنمية الأوروبية، والصناديق السيادية الخليجية، والاستثمارات الصينية منخفضة الكربون، وآليات التمويل المناخي، والشراكات مع القطاع الخاص، تلعب جميعها أدوارًا متزايدة الأهمية في تشكيل التحوّل الأخضر بالمنطقة. ويقتضي تعظيم المردود المحلي للاستثمار تحديدًا استراتيجيًا للأولويات، وأطُرًا سياسية ذات مصداقية، ورؤيةً واضحة للأهداف التنموية.
- ما نماذج التمويل الناشئة في التحوّل الأخضر بشمال أفريقيا، ومن هم الفاعلون الذين يقودونها؟
- كيف يعيد رأس المال الخليجي تشكيل المسارات التنموية عبر الاستثمار في التصنيع الأخضر والطاقات المتجدّدة والبنية التحتية الاستراتيجية؟
- ما الدور الذي ينبغي أن يؤدّيه التمويل المناخي، وبنوك التنمية، والصناديق السيادية، ورأس المال الخاص في تمويل التصنيع الأخضر؟
- كيف يمكن لاستراتيجيات التمويل أن توازن بين التنافسية الاقتصادية والإدماج الاجتماعي والمناعة؟
- ما أنواع الترتيبات التمويلية اللازمة لضمان أن تعزّز التحوّلات الخضراء القدرات المحلية، بدلًا من تعميق أعباء المديونية وتوسيع الفوارق؟
- برتا أرغيتا — مسؤولة أولى للسياسات والمناصرة – العدالة المناخية، الشبكة الأوروبية للمديونية والتنمية (EURODAD)
- محمد وائل أمينو — أستاذ منتسب، النمو الأخضر، جامعة محمد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية (UM6P)
- مهران حقيريان — مدير البحوث والبرامج، مؤسسة Bourse & Bazaar
- رابح عرزقي — مدير البحوث، مركز CERDI، المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) · مشاركة عن بُعد
دروس الماضي. تُدرج هذه الجلسة الطموحات الصناعية الخضراء الراهنة في المسار التاريخي الأوسع للسياسة الصناعية في العالم العربي. وتتفحّص الأسس المؤسسية والسياسية للتحوّل الصناعي الناجح، بما في ذلك قدرة الدولة، والتخطيط بعيد المدى، وآليات التنسيق، والتعلّم التكنولوجي، وفعالية الإدارة، وتنمية الرأسمال البشري، وتنظيم العلاقات بين الفاعلين العموميين والخواص.
آفاق المستقبل. من المرجّح أن تؤثّر النزاعات في الشرق الأوسط، واختلالات سلاسل التوريد العالمية، والأمْننة المتزايدة لسياسات الطاقة في أوروبا وآسيا، في تدفّقات الاستثمار والأولويات الصناعية ومسارات التحوّل في شمال أفريقيا والخليج. وفي الوقت نفسه، قد تعيد التحوّلات المحتملة في الطلب العالمي على النفط تشكيلَ استراتيجيات الاستثمار الخليجية وإعادةَ تعريف أشكال الترابط الإقليمي.
- ما أهمّ الدروس المستخلصة من تجارب التصنيع السابقة في العالم العربي؟
- لماذا واجهت سياسات صناعية عديدة في المنطقة صعوبة في تحقيق نموّ مستدام للإنتاجية وارتقاء تكنولوجي وتحوّل بنيوي؟
- ما أشكال قدرة الدولة المطلوبة لتنفيذ استراتيجيات صناعية خضراء طموحة؟
- كيف يمكن للحكومات أن توازن بين التخطيط بعيد المدى والمرونة في بيئة تكنولوجية وجيوسياسية سريعة التغيّر؟
- هل ستُسرّع هواجسُ أمن الطاقة مسارات إزالة الكربون أم ستُبطئها؟
- كيف يعيد التجزّؤ الجيوسياسي تشكيل مسارات التحوّل الطاقي العالمي، وما معنى ذلك بالنسبة إلى المستقبل الصناعي لشمال أفريقيا؟
- سعاد الذوادي — المعهد التونسي للتنافسية والدراسات الكمّية (ITCEQ) (تونس)
- نبيل جدلان — أستاذ الاقتصاد، جامعة عبد المالك السعدي، طنجة (المغرب)
- رضوان رؤوف — أستاذ، جامعة محمد الخامس بالرباط (المغرب)
- الطيب أمكرود — خبير في الطاقة (المغرب)
- جواد الخرّاز — خبير في الطاقة (المغرب)
تتناول هذه الجلسة العمومية المشتركة، التي تنظّمها شبكة السياسات من أجل التحوّلات بالتعاون مع مبادرة «رحلة» للنمو الاقتصادي الأخضر (Rihla Initiative for Green Economic Growth)، الكيفية التي تعيد بها البيئة الدولية المتغيّرة تشكيلَ التمويل المناخي واستراتيجيات التحوّل الأخضر. وتركّز على وجه الخصوص على الدور المتنامي لرأس المال الخليجي في البنية التحتية الخضراء، والتنمية الصناعية، والطاقات المتجدّدة، والمنظومات الغذائية، والتحوّل الحضري في بلدان الجنوب العالمي. كما تستكشف كيف يغيّر الحضور الصيني في التقنيات الخضراء والتصنيع والبنية التحتية وسلاسل التوريد الاقتصادَ السياسي للتحوّلات.
- حمزة المدب — مركز كارنيغي للشرق الأوسط وشبكة السياسات من أجل التحوّلات
- داوود الأنصاري — مبادرة «رحلة» (Rihla Initiative)
- ليديا البوعزاتي — مبادرة «رحلة» (Rihla Initiative)
- نورا أبو شادي — جامعة القاهرة، منتدى البحوث الاقتصادية (ERF)
- ماتياس لارسن — كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE) · مشاركة عن بُعد
- إسكندر أرزيني — مبادرة «إعمال» للمناخ والتنمية · مشاركة عن بُعد
محضر الأعمال
السياسة الصناعية الخضراء والاقتصاد السياسي للتحوّل الطاقي في شمال أفريقيا
انعقدت ورشة طنجة وجمعت أكثر من ثلاثين مشاركاً — أكاديميين وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني من مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا — حول فرضية انطلاق واحدة: نماذج التنمية السائدة لا تجتاز أزمة عابرة، بل تواجه تحدياً جوهرياً في ظل بيئة دولية سريعة التحول. وبدلاً من النظر إلى الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة بوصفها صدمات مؤقتة، رأى المشاركون أنها تنذر بتحول بنيوي أعمق في الاقتصاد السياسي العالمي.
فقد أدى تضافر تسارع تغيّر المناخ، والتنافس التكنولوجي، والتشرذم الجيوسياسي، وتبدّل أنماط العولمة، وعودة السياسات الصناعية، إلى نشوء سياق لم تعد فيه كثير من الفرضيات التي قامت عليها استراتيجيات التنمية طوال العقود الثلاثة الماضية كافية.
فالسؤال الحاسم ليس ما إذا كانت شمال أفريقيا ستشارك في التحول الأخضر العالمي، بل ما إذا كانت ستفعل ذلك بوصفها منتِجة للمعرفة والتكنولوجيا والقدرات الصناعية، لا بوصفها في المقام الأول مورِّدة للطاقة والمواد الأولية.
المحتويات
- تحديد الإطار: لماذا يُعاد النظر في نماذج التنمية؟
- التحول الأخضر بوصفه تحولاً اقتصادياً بنيوياً
- بناء القدرات الإنتاجية: الهدف المحوري للسياسة الصناعية الخضراء
- إعادة تصور الدولة التنموية: القدرة والتنسيق والتعلم المؤسسي
- التعامل مع عالم مجزّأ: الفاعلية والاندماج الاستراتيجي
- حكم رأس المال: التمويل والاستثمار والاقتصاد السياسي للتحول
- الملكية السياسية والعدالة الاجتماعية وحوكمة التحول
- خاتمة: نحو اقتصاد سياسي جديد للتنمية الخضراء
تحديد الإطار: لماذا يُعاد النظر في نماذج التنمية؟
ساد اتفاق واسع خلال المناقشات على أن الحقبة التي كانت تُفهم فيها التنمية أساساً من خلال تحرير الأسواق، والاستقرار الاقتصادي الكلي، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، قد بلغت حدودها. فبينما ساهمت هذه السياسات في تحقيق النمو في سياقات كثيرة، فإنها كثيراً ما فشلت في تحقيق التحول الإنتاجي والارتقاء التكنولوجي والقدرة على الصمود التي تتطلبها التنمية طويلة الأمد. وبدلاً من ذلك، ظلت اقتصادات نامية كثيرة حبيسة أنشطة منخفضة القيمة المضافة، شديدة الاعتماد على صادرات المواد الأولية أو على التمويل الخارجي، وعرضةً لأسواق دولية متزايدة التقلب.
وتتزامن إعادة التقييم هذه مع تحولات عميقة في سلوك الاقتصادات المتقدمة نفسها. فعودة السياسات الصناعية بقوة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وعدد من البلدان متوسطة الدخل تمثل خروجاً ملموساً عن التوصيات التي طالما دعت إليها المؤسسات المالية الدولية. فقد عاد تدخّل الدولة، الذي طُرح طويلاً بوصفه عقبة أمام كفاءة الأسواق، إلى صميم الاستراتيجية الاقتصادية عبر استثمارات واسعة النطاق، ودعم موجَّه، وتدابير تجارية استراتيجية، وسياسات تكنولوجية تهدف إلى تعزيز القدرات الإنتاجية الوطنية.
فالسؤال لم يعد ما إذا كان ينبغي للحكومات أن تتدخل في التحول الاقتصادي، بل كيف يمكن للدول أن تبني القدرة المؤسسية اللازمة للتدخل بفعالية.
إطار 1 — ما الذي تغيّر في البيئة الدولية
- عودة معلَنة للسياسات الصناعية في الاقتصادات المتقدمة وعدد من البلدان متوسطة الدخل.
- سلاسل توريد تتشكل أكثر فأكثر وفق اعتبارات الأمن القومي والسيادة التكنولوجية والتحالفات الجيوسياسية.
- انتشار منطق «التوطين لدى الحلفاء» (friend-shoring) و«التوطين القريب» (near-shoring) و«تقليل المخاطر» (de-risking): عولمة أكثر انتقائية.
- سياسة مناخية أصبحت أداةً للتنافس الصناعي.
- تنمية تُفهم أكثر فأكثر بوصفها عملية بناء للقدرات الإنتاجية، لا مجرّد تصحيح لإخفاقات السوق.
وشدد المشاركون كذلك على أن التنمية لا يمكن فهمها حصراً من خلال المؤشرات الاقتصادية الكلية كنمو الناتج المحلي الإجمالي. فالتنمية المستدامة تقتضي تحسينات في الإنتاجية، وجودة التشغيل، والقدرات التكنولوجية، وفعالية المؤسسات. وفي هذا الصدد، ساءلت الورشة المفاهيم الضيقة للنجاح الاقتصادي التي تتجاهل قضايا الإدماج الاجتماعي والتفاوتات الترابية والشرعية السياسية.
وبالنسبة لبلدان شمال أفريقيا، يخلق هذا المشهد المتغير فرصاً وقيوداً في الوقت نفسه. فالقرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية، والإمكانات الوفيرة للطاقة المتجددة، والرصيد الديمغرافي المتنامي، توفر مزايا نسبية مهمة. لكن المشاركين حذروا من أن هذه الأصول وحدها لن تولّد تنمية مستدامة ما لم تقترن باستراتيجيات صناعية مدروسة قادرة على تنمية القدرات الإنتاجية المحلية والتعلم التكنولوجي وخلق القيمة على المستوى المحلي.
التحول الأخضر بوصفه تحولاً اقتصادياً بنيوياً
كان من أبرز محاور الورشة رفضُ الفهم الضيق للتحول الأخضر بوصفه أجندة بيئية أو تكنولوجية في المقام الأول. فقد رأى المشاركون، في جميع الجلسات تقريباً، أن إزالة الكربون ينبغي أن تُفهم بدلاً من ذلك بوصفها عملية تحول اقتصادي بنيوي قادرة على إعادة تشكيل الأنظمة الإنتاجية والتنظيم الصناعي ومسارات التنمية.
ويكتسب هذا التمييز أهميته لأن كثيراً من النقاش الدولي المعاصر لا يزال يؤطّر التحول الأخضر من زاوية خفض الانبعاثات ونشر الطاقة المتجددة والتمويل المناخي. فالسؤال الحاسم ليس فقط كيف تخفّض البلدان انبعاثاتها الكربونية، بل ما إذا كان هذا التحول يساهم في بناء اقتصادات أكثر إنتاجية وتنوعاً وقدرةً على الصمود.
وطوال المناقشات، قُدّمت تقنيات الطاقة المتجددة بوصفها أدوات لدعم التحول الصناعي أكثر من كونها أهدافاً نهائية في ذاتها. فموارد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وإنتاج الهيدروجين الأخضر، وصناعة البطاريات، والمعادن الحرجة، تتيح جميعها فرصاً اقتصادية مهمة، لكن هذه الفرص ليست تنموية بالضرورة. فقد تصدّر البلدان الكهرباء المتجددة أو الهيدروجين أو المواد الأولية دون أن تغيّر جوهرياً البنية العميقة لاقتصاداتها.
فمجرد الانخراط في سلاسل القيمة الخضراء الناشئة لا يضمن تحقّق تنمية صناعية. فالتحول لا يصبح تحويلياً بحق إلا حين يولّد تعلماً محلياً وارتقاءً تكنولوجياً وقدرات إنتاجية جديدة.
وكان من الشواغل المتكررة طوال الورشة ما وصفه عدد من المتحدثين بـ«الاستخراجية الخضراء». فوفق هذا السيناريو، تزوّد بلدان شمال أفريقيا الأسواق الخارجية بالكهرباء المتجددة أو الهيدروجين أو المواد الأولية الحرجة، بينما تستورد التكنولوجيا والآلات والخدمات عالية القيمة المرتبطة بهذه القطاعات. وحتى إن انخفضت الانبعاثات الكربونية، فإن تقسيم العمل الدولي القائم يبقى دون تغيير يُذكر.
| البُعد | مسار «الاستخراجية الخضراء» | مسار «التحول الإنتاجي» |
|---|---|---|
| الاندماج العالمي | تصدير الطاقة والمواد الأولية | ارتقاء تدريجي نحو الهندسة والتصميم والتصنيع المتقدم |
| التكنولوجيا | استيراد الآلات والخدمات | تعلّم محلي وبحث وتطوير وقدرات استيعابية |
| النسيج الإنتاجي | مشاريع معزولة وروابط محلية ضعيفة | شبكات موردين ومؤسسات صغيرة ومتوسطة ومنظومات صناعية |
| التشغيل | فرص عمل محدودة ومؤقتة في الغالب | تشغيل مؤهَّل وتكوين وكفاءات هندسية |
| المحصّلة | خفض للانبعاثات دون تغيير بنيوي | تنويع ومناعة وفاعلية أوسع |
ويقتضي تجنّب هذه النتيجة تركيزاً متعمداً على خلق القيمة محلياً. ورأى المشاركون أن الاستراتيجيات الصناعية ينبغي أن تهدف إلى تعزيز شبكات الموردين المحليين، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع نقل التكنولوجيا، وتطوير القدرات الهندسية، وتوسيع أنشطة البحث والتطوير. وبذلك يعتمد التحول الإنتاجي بدرجة أقل على حجم الاستثمارات المستقطَبة، وبدرجة أكبر على جودة الروابط الإنتاجية المتولدة داخل الاقتصاد الوطني.
ولعل الأهم أن المشاركين رأوا أن التحول الأخضر يفتح نافذة فرصة تاريخية نادرة. فإعادة الهيكلة المتزامنة لأنظمة الطاقة العالمية والإنتاج الصناعي وسلاسل القيمة الدولية تفتح إمكانيات جديدة للتصنيع المتأخر. لكن هذه الفرص لن تبقى متاحة إلى الأبد.
بناء القدرات الإنتاجية: الهدف المحوري للسياسة الصناعية الخضراء
إذا كان ثمة مفهوم واحد ظل حاضراً باستمرار في نقاشات الورشة، فهو مفهوم القدرات. فرغم أن المتحدثين تناولوا الموضوع من زوايا تخصصية مختلفة — الاقتصاد، والعلوم السياسية، ودراسات التنمية، والتمويل، وسياسة الطاقة — فإنهم عادوا مراراً إلى الطرح نفسه: الهدف النهائي للسياسة الصناعية ليس مجرد زيادة الاستثمار أو توسيع الإنتاج أو تحسين الصادرات، بل بناء القدرات الإنتاجية التي تقوم عليها التنمية طويلة الأمد.
إطار 2 — ما تشمله «القدرات الإنتاجية»
- المهارات التقنية التي تحتاجها الشركات والكفاءات الهندسية للعاملين.
- المعرفة التكنولوجية المتراكمة داخل مؤسسات البحث.
- القدرات التدبيرية للمقاولات والكفاءة الإدارية للأجهزة العمومية.
- الخبرة المالية اللازمة لتعبئة الاستثمار طويل الأمد.
- كثافة الروابط بين الشركات والجامعات والمعاهد التقنية والإدارات.
فالتكنولوجيا يمكن شراؤها، والشركات الأجنبية يمكن أن تنشئ وحدات إنتاجية. لكن القدرات الإنتاجية نفسها تنبثق من عمليات تعلّم محلية بالضرورة.
وهذا الفهم يضع التعلم في صميم السياسة الصناعية. فبدلاً من تقديم التنمية بوصفها تنفيذاً لمخطط محدد سلفاً، وصفها المشاركون مراراً بأنها عملية تكيفية تكتسب من خلالها الحكومات والشركات معرفة عملية بشكل تدريجي. وبالتالي، فإن السياسات الصناعية الناجحة ليست تلك التي تتجنب الأخطاء كلياً، بل تلك القادرة على التعلم من التجريب، وتحديد المبادرات الناجحة، وتصحيح الإخفاقات قبل أن تصبح بنيوية.
وقد ساءل عدد من المتحدثين صراحةً الفرضية القائلة بأن قوى السوق وحدها تولّد هذا التعلم. فالشركات كثيراً ما تقصّر في الاستثمار في التدريب لأن العاملين المهرة قد يغادرونها لاحقاً. والمستثمرون الخاصون كثيراً ما يتجنبون أنشطة البحث التي تتجاوز فوائدها الشركة الواحدة. والجامعات قد تبقى منفصلة عن الحاجات الصناعية ما لم تُبذل جهود متعمدة لتعزيز التعاون. وهذه المشكلات التنسيقية تبرر دوراً فاعلاً للمؤسسات العمومية — لا لتحل محل الأسواق، بل لتيسّر التعلم الجماعي الذي تعتمد عليه الصناعات التنافسية.
ورفضت الورشة كذلك الفرضية الشائعة بأن الاستثمار الأجنبي المباشر يولّد تلقائياً ارتقاءً تكنولوجياً محلياً. فنقل التكنولوجيا ليس عملية سلبية تنتقل فيها المعرفة تلقائياً مع تدفقات رأس المال، بل يعتمد على القدرات الاستيعابية للشركات والمؤسسات الوطنية. والبلدان القادرة على تكوين المهندسين، ودعم البحث التطبيقي، وتشجيع تطوير الموردين، وتعزيز التعاون بين المستثمرين الأجانب والمقاولات المحلية، هي الأقدر على تحويل الاستثمار الخارجي إلى قدرات إنتاجية دائمة.
وأكدت الورشة أيضاً أن تراكم القدرات عملية تراكمية بطبيعتها ومرتبطة بالمسار التاريخي. فالبلدان نادراً ما تنتقل مباشرة من استخراج الموارد إلى الريادة التكنولوجية، بل يتقدم الارتقاء الصناعي عبر مراحل متتالية من التعلم. وبذلك يصبح الصبر فضيلة استراتيجية.
إعادة تصور الدولة التنموية: القدرة والتنسيق والتعلم المؤسسي
قلّةٌ من المفاهيم نالت في الورشة قدراً من الاهتمام يماثل ما ناله مفهوم قدرة الدولة. فمع أن المناقشات تناولت مراراً السياسة الصناعية والتحول الأخضر والتحول الاقتصادي، أكد المشاركون تكراراً أن أياً من هذه الأهداف لا يمكن تحقيقه دون مؤسسات عمومية قادرة. لكن الفهم الذي تبلور من النقاشات يختلف اختلافاً كبيراً عن التصورات التقليدية: فبدلاً من الدعوة إلى العودة إلى إنتاج تقوده الدولة أو إلى تخطيط مركزي، صاغ المشاركون رؤية أكثر دقة للدولة التنموية، تتمحور حول التنسيق والتعلم المؤسسي والحوكمة الاستراتيجية.
ولذلك وصف المشاركون الدولة باستمرار بوصفها جهة تنسيق لا جهة تنظيم فحسب. فالتحول البنيوي يقتضي استثمارات تمتد عبر قطاعات ومؤسسات متعددة في آن واحد: فمشاريع الطاقة المتجددة تعتمد على الشبكات الكهربائية والموانئ والخدمات اللوجستية والتدريب المهني والجامعات والأنظمة المالية ومؤسسات البحث، ولا يمكن تطوير أي من هذه العناصر بمعزل عن غيره.
ورأى عدد من المتحدثين أن الاستراتيجيات الصناعية كثيراً ما تفشل لأنها تظل منفصلة عن التعليم والبحث والبنية التحتية والتنظيم المالي والتنمية الترابية. وبالتالي، ينبغي أن تُفهم السياسة الصناعية ليس بوصفها تدخلاً قطاعياً، بل بوصفها إطاراً ناظماً يربط عدة مؤسسات عمومية حول أهداف تنموية مشتركة.
إحدى الخصائص المميِّزة للدول التنموية الناجحة تتمثل في قدرتها على الحفاظ على استمرارية استراتيجية مع بقائها مرنة بما يكفي للتكيف مع الظروف المتغيرة.
فقد لاحظ المشاركون مراراً أن التحول الصناعي يتكشف على مدى عقود، بينما تعمل الأنظمة السياسية غالباً وفق دورات انتخابية أقصر بكثير. فالحكومات تتغير، والأولويات السياسية تتبدل، والإصلاحات الإدارية تُطلق ثم تُهجَر. وهذه الانقطاعات تقوّض الاستثمار طويل الأمد، وتضعف المصداقية المؤسسية، وتثبّط التعلم التكنولوجي.
وأبرز عدد من المشاركين أيضاً أهمية ما يمكن تسميته «الاستقلالية المتجذرة». فالحكومات تحتاج إلى استقلالية كافية لتحقيق أهداف تنموية طويلة الأمد، لكنها يجب أن تبقى على صلة وثيقة بالفاعلين الإنتاجيين لتفهم تطور الظروف التكنولوجية والسوقية. فالحوار المستمر بين السلطات العمومية والشركات الخاصة وجمعيات الأعمال والجامعات والمجتمع المدني يمكّن الحكومات من رصد القيود الناشئة مع تجنّب العزلة البيروقراطية المفرطة.
وأضافت الورشة كذلك بُعداً سياسياً أوسع إلى قدرة الدولة. فالسياسات الصناعية تخلق حتماً فائزين وخاسرين، وتعيد توزيع الموارد، وتؤثر في أنماط التشغيل. وبالتالي، فإن قدرة الدولة لا تنفصل عن القدرة السياسية: أي القدرة على توليد توافق حول أهداف التنمية الوطنية طويلة الأمد، مع تدبير التوترات الاجتماعية الناتجة عن التغيير البنيوي.
التعامل مع عالم مجزّأ: الفاعلية والجيوسياسة والاندماج الاستراتيجي
حرص المشاركون على التعامل مع البيئة الدولية ليس بوصفها قيداً خارجياً ثابتاً، بل بوصفها فضاءً سياسياً دينامياً تحتفظ الدول داخله بهامش مناورة معتبر. وقد رُفضت التفسيرات الحتمية للعولمة لصالح التأكيد على الفاعلية، أي قدرة الحكومات على تشكيل مساراتها التنموية الخاصة رغم تزايد الغموض الجيوسياسي.
ويختلف السياق الدولي الذي وُصف طوال الورشة اختلافاً جوهرياً عن ذاك الذي شكّل نقاشات التنمية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين. فبدلاً من التقدم نحو مزيد من الاندماج الاقتصادي في ظل نظام ليبرالي مستقر نسبياً، يتسم الاقتصاد العالمي أكثر فأكثر بالتنافس الجيوسياسي والمنافسة التكنولوجية والتشرذم الاستراتيجي.
ورأى المشاركون أن هذه التحولات لا ينبغي تفسيرها بوصفها مصادر لعدم الاستقرار فقط. فمع أنها تولّد مخاطر جديدة بلا شك، فإنها توسّع أيضاً الخيارات الاستراتيجية المتاحة للبلدان متوسطة الدخل. فبينما تتنافس القوى الكبرى على تأمين المعادن الحرجة وإمدادات الطاقة المتجددة والشراكات الصناعية والريادة التكنولوجية، قد تجد البلدان القادرة على صياغة استراتيجيات متماسكة نفسها في موقع تفاوضي أقوى مما كان عليه الحال في مراحل العولمة السابقة.
إطار 3 — المزايا البنيوية لشمال أفريقيا
- القرب من الأسواق الأوروبية: كلفة نقل أقل وجاذبية لاستراتيجيات «التوطين القريب».
- موارد وفيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح: قطب محتمل للكهرباء المتجددة والهيدروجين الأخضر.
- قاعدة صناعية قائمة: السيارات والمعدات الكهربائية والأسمدة والكيماويات.
- موقع جيوسياسي محوري بين أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء والخليج، يتيح تنويع الشراكات.
فالجغرافيا تخلق الفرص، والمؤسسات هي التي تحدد ما إذا كانت هذه الفرص ستتحقق.
ويعيد هذا المنظور تشكيل مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية تشكيلاً جذرياً. فطوال الورشة، لم تُقدَّم الاستقلالية الاستراتيجية قط بوصفها انعزالاً اقتصادياً أو اكتفاءً ذاتياً وطنياً، بل فُهمت بوصفها القدرة على اتخاذ خيارات سياسية ذات معنى داخل عالم مترابط. فالبلدان التي تتمتع بهياكل إنتاجية متنوعة ومؤسسات عمومية قادرة وقدرات تكنولوجية قوية تنعم بحرية أكبر في التفاوض مع الشركاء الخارجيين، لأنها أقل اعتماداً على مصدر واحد للتمويل أو التكنولوجيا أو الطلب التصديري.
ودفعت هذه المناقشات المشاركين أيضاً إلى إعادة النظر في طبيعة التعاون الدولي نفسه. فأوروبا تبقى شريكاً اقتصادياً أساسياً بحكم حجم سوقها وقدراتها التكنولوجية ونفوذها التنظيمي؛ لكن الصين ودول الخليج والمنظمات الإقليمية الأفريقية والمؤسسات الإنمائية المتعددة الأطراف تقدم أيضاً أشكالاً متميزة من التعاون. والتحدي ليس الاختيار بين تكتلات جيوسياسية متنافسة، بل الجمع بين شراكات مختلفة على نحو يعظّم العوائد التنموية المحلية.
وهذا يقتضي من الحكومات تحديد أولويات صناعية واضحة قبل الانخراط مع الشركاء الدوليين. وسواء تعلق الأمر باستثمارات الطاقة المتجددة أو مشاريع الهيدروجين أو تمويل البنية التحتية أو الشراكات التكنولوجية، ينبغي للدول أن تقيّم المقترحات الخارجية بحسب مساهمتها في تراكم القدرات المحلية والتعلم التكنولوجي والتنويع الإنتاجي.
حكم رأس المال: التمويل والاستثمار والاقتصاد السياسي للتحول الأخضر
بينما ركزت النقاشات حول التمويل المناخي غالباً على تعبئة أحجام أكبر من الاستثمار، طرحت الورشة منظوراً تحليلياً مختلفاً جوهرياً. فقد رأى المشاركون باستمرار أن السؤال المركزي ليس ما إذا كانت الموارد المالية الكافية متوفرة على المستوى العالمي، بل كيف يُحكَم رأس المال ويُخصَّص ويندرج في عمليات أوسع للتحول الإنتاجي.
وينطلق هذا المنظور من مفارقة صارخة. فبلدان شمال أفريقيا تمتلك بعضاً من أكثر موارد الطاقة المتجددة ملاءمةً في العالم، فضلاً عن فرص صناعية متزايدة الجاذبية. ومع ذلك، فهي تواجه كلفة اقتراض أعلى بكثير من الاقتصادات المتقدمة. فالعائق الرئيسي أمام التصنيع الأخضر ليس بالضرورة كلفة التقنيات المتجددة، بل كلفة رأس المال نفسه: فعدم الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتصوّرات المخاطر السيادية، وتقلب أسعار الصرف، وضعف تطور الأنظمة المالية المحلية، كثيراً ما تُبطل المزايا التنافسية التي تخلقها وفرة الموارد المتجددة.
وتناول محورٌ رئيسي من النقاش مزايا آليات التمويل المختلط (blended finance). وقد أقرّ المشاركون بإمكاناته، محذّرين في الوقت نفسه من إغراء التعامل مع تعبئة رأس المال الخاص بوصفها هدفاً في ذاته. فالضمانات العمومية والتمويل الميسّر يقلّصان بلا شك مخاطر الاستثمار، لكن المعيار النهائي يجب أن يبقى الأثر التنموي لا الرافعة المالية وحدها.
فالسؤال المركزي ليس حجم رأس المال الخاص الذي يُستقطب، بل ما إذا كان الاستثمار يساهم في الارتقاء التكنولوجي والتنويع الصناعي وتراكم القدرات.
كما ساءل عدد من المتحدثين المقاربة السائدة للتمويل المناخي القائمة على المشاريع. فإنتاج الكهرباء يتطلب شبكات نقل، وإنتاج الهيدروجين الأخضر يعتمد على تدبير المياه والموانئ وخدمات الهندسة ومؤسسات البحث والتدريب المتخصص، وتعتمد التنافسية الصناعية على الخدمات اللوجستية وأنظمة الاعتماد وشبكات الموردين والخدمات المالية. وتمويل مشاريع معزولة دون دعم موازٍ لهذه المنظومات الأوسع يحدّ من الأثر التنموي للاستثمار.
وشدد المشاركون مراراً على أهمية رأس المال الصبور. فالاستثمارات في البحث والتعليم وتطوير الموردين والبنية التحتية الصناعية تتطلب غالباً عقوداً قبل أن تتحقق فوائدها الكاملة، في حين تعمل الأسواق المالية قصيرة الأجل وفق آفاق أقصر بكثير. ولذلك تبقى المؤسسات المالية العمومية — بنوك التنمية، وصناديق الاستثمار الوطنية، والمؤسسات المتعددة الأطراف — لا غنى عنها.
كما تناولت الورشة الأهمية المتزايدة لصناديق الثروة السيادية، وخاصة تلك المنتمية إلى دول الخليج، التي تستثمر أكثر فأكثر في الطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والصناعة والبنية التحتية في مختلف بلدان شمال أفريقيا. واعتبر المشاركون هذه التطورات فرصاً مهمة، مؤكدين في الوقت نفسه أن الشراكات المالية ينبغي أن تُقيَّم ليس فقط على أساس رأس المال الذي توفره، بل أيضاً على أساس مساهمتها في القدرات التكنولوجية المحلية وتطوير الموردين المحليين والتنويع الصناعي.
وتعلّق موضوع متكرر آخر بالأنظمة المالية المحلية نفسها. فقد لاحظ المشاركون أن القطاعات البنكية في معظم أنحاء شمال أفريقيا لا تزال تفضّل الأنشطة منخفضة المخاطر نسبياً، بينما يظل رأس المال المخاطر وأسواق الأسهم وتمويل الابتكار ضعيفة التطور. ولعل أكثر ما قدمته الورشة أصالةً هو توسيعها مفهوم قدرة الدولة نحو ما يمكن تسميته القدرة المالية للدولة: فالسياسة الصناعية تعتمد في نهاية المطاف على قدرة الدولة على حكم التمويل بقدر ما تعتمد على قدرتها على تنظيم الإنتاج.
فالأنظمة المالية ليست محايدة أبداً؛ فهي تؤثر في القطاعات التي تتوسع، والتقنيات التي تنتشر، والشركات التي تصمد، والمناطق التي تتلقى الاستثمار. وبذلك يصبح حكم التمويل غير قابل للفصل عن حكم التنمية نفسها.
الملكية السياسية والعدالة الاجتماعية وحوكمة التحول
إلى جانب النقاشات حول السياسة الصناعية والتمويل والتغير التكنولوجي، عادت الورشة باستمرار إلى سؤال سياسي أوسع: في ظل أي شروط يمكن للتحول البنيوي أن يكتسب شرعية اجتماعية واستدامة سياسية؟ وأكد المشاركون مراراً أن نجاح التحول الأخضر سيتوقف في نهاية المطاف بدرجة أقل على الجدوى التكنولوجية، وبدرجة أكبر على قدرة المجتمعات على بناء تحالفات سياسية قادرة على إدامة التغيير طويل الأمد.
وقد طُرح هذا المنظور منذ الجلسة الافتتاحية، حيث شارك ممثلون عن مؤسسات المجتمع المفتوح (OSF) تأملاً في تطور تفكير المنظمة نفسها. فبدلاً من تقديم الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والعمل المناخي بوصفها أجندات منفصلة، رأوا أن هذه التحديات باتت متشابكة أكثر فأكثر. فالمؤسسات الديمقراطية لا يمكنها أن تصمد إذا تعايشت مع انعدام أمن اقتصادي مستمر، وتراجع في الحركية الاجتماعية، وآفاق محدودة للأجيال الشابة.
وقد اتضحت أهمية هذا البُعد السياسي بشكل خاص في حالة شمال أفريقيا. فقد لاحظ عدد من المشاركين أن المنطقة شهدت موجات متتالية من الإصلاحات المشجَّعة من الخارج، من برامج التكيّف الهيكلي وتحرير الأسواق إلى مبادرات الانتقال الديمقراطي. ومع أن كثيراً من هذه الإصلاحات سعت إلى أهداف مشروعة، فإنها كثيراً ما بقيت منقوصة التنفيذ أو غير متجذرة بما يكفي في المؤسسات السياسية الوطنية — فأضعفت الترتيباتِ القائمة دون أن تولّد بدائل مقبولة على نطاق واسع.
فالتحول ينبغي ألا يُطرح بوصفه امتثالاً للالتزامات المناخية الدولية، بل بوصفه استراتيجية تنموية وطنية قادرة على خلق فرص العمل، وتعزيز القطاعات الإنتاجية، وتحسين الخدمات العمومية، وتوسيع الفرص الاقتصادية.
ورفض المشاركون باستمرار فكرة أن العمل المناخي والعدالة الاجتماعية أولويتان متنافستان. بل رأوا، على العكس، أن الجدوى السياسية لإزالة الكربون تتوقف بالضبط على قدرتها على تحسين مستويات العيش مع تقليص المخاطر البيئية. وينبغي أن يتعزز كلٌّ من خلق فرص العمل والتنمية الترابية والارتقاء التكنولوجي والاستدامة البيئية بالآخر، بدلاً من أن يقوّض أحدها الآخر.
وأكد المشاركون أن النساء والشباب والفئات المهمَّشة تاريخياً يجب أن يُدمَجوا في الفرص الصناعية الجديدة إذا كان للتحول أن يولّد شرعية دائمة. فالتعليم التقني، والتدريب المهني، وبرامج ريادة الأعمال، وتحسين النفاذ إلى التشغيل المؤهَّل، تساهم جميعها في ذلك، وكذلك المشاورات الجادة مع المجتمعات المحلية المرشحة للتأثر بمشاريع الاستثمار.
وقد كانت الجهود المبذولة في هذا المجال غير كافية في كثير من الأحيان في شمال أفريقيا. فنظراً لاستهلاكها الكبير للأراضي والمياه، أدّى كثير من محطات الطاقة الشمسية وحقول طاقة الرياح الكبرى في المنطقة إلى اضطرابات عميقة في سبل العيش وأشكال الحياة الجماعية. وبما أن هذه المشاريع نادراً ما ولّدت فرص عمل على نطاق واسع، فإن أثرها الصافي على المستوى المحلي سلبي بوضوح في حالات كثيرة. وقد أكد المشاركون مراراً أن هذا الوضع يجب أن يتغير: فأي تحول صناعي ناجح، فضلاً عن أن يكون أخضر، يجب أن يكون متجذراً في العدالة الاجتماعية.
ولعل أصالة الورشة على المستوى السياسي تتجلى أكثر ما تتجلى في العلاقة بين الفاعلية والملكية. فقد وُصفت الفاعلية بوصفها قدرة البلدان على تحديد أولوياتها الخاصة داخل نظام دولي متزايد التشرذم؛ وتمدّ الملكية السياسية هذا المنطق إلى المستوى الوطني. فالدول لا يمكنها أن تمارس فاعلية ذات معنى على المستوى الدولي إلا إذا كانت استراتيجيات التنمية متجذرة في الوقت نفسه في توافق وطني واسع. وبالتالي، تصبح الملكية الوطنية الأساس السياسي الذي تقوم عليه في نهاية المطاف القوة التفاوضية الدولية.
خاتمة: نحو اقتصاد سياسي جديد للتنمية الخضراء
| المجال | الأولوية التي حدّدتها الورشة |
|---|---|
| السياسة الصناعية | الانتقال من حماية القطاعات إلى تراكم القدرات |
| قدرة الدولة | تنسيق بين المؤسسات، واستمرارية استراتيجية، واستقلالية متجذرة |
| التكنولوجيا | قدرات استيعابية، وبحث تطبيقي، وروابط جامعة–صناعة |
| التمويل | رأس مال صبور، وتمويل منظومات لا مشاريع معزولة |
| الشراكات الخارجية | تنويع وتقييم بحسب المساهمة في القدرات المحلية |
| المياه والأراضي والمجتمعات | مقايضات صريحة، ومشاورات جادة، وعوائد محلية قابلة للقياس |
| الشرعية | تحالفات تنموية واسعة وتجذّر في العدالة الاجتماعية |
تناولت جلسات الورشة نطاقاً واسعاً من المواضيع: السياسة الصناعية، والحوكمة، وسلاسل القيمة العالمية، والتمويل المناخي، والقدرات التكنولوجية، والتشرذم الجيوسياسي، والإدماج الاجتماعي. ومع ذلك، فإن هذه المواضيع، إذا قُرئت مجتمعةً، تكشف عن إطار تحليلي متماسك على نحو لافت. فبدلاً من تقديم مجموعة من التوصيات المتفرقة، بلورت المناقشات تدريجياً رؤية أوسع للتنمية تتلاءم مع التحولات العميقة التي تعيد اليوم تشكيل الاقتصاد السياسي العالمي.
ويقع في صميم هذا الإطار الناشئ تحول مفاهيمي جوهري. فقيمة هذا التحول لا تكمن في استبدال الوقود الأحفوري بتقنيات أنظف، بل في كونه يخلق فرصة لإعادة تنظيم الأنظمة الإنتاجية، وتعزيز القدرات المحلية، وإعادة تحديد مسارات التنمية طويلة الأمد.
وبالنسبة لشمال أفريقيا، فإن الفرص التي يتيحها التحول الأخضر الجاري حقيقية، لكن المخاطر حقيقية أيضاً. فالمنطقة تملك موارد متجددة كبيرة، وخبرة صناعية متنامية، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً يربط أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. لكن هذه المزايا لن تولّد تنمية مستدامة إلا إذا اقترنت باستثمارات في المعرفة والمؤسسات والقدرات الإنتاجية.
وبدلاً من تقديم مخطط قابل للتطبيق في كل بلد، تدعو الورشة إلى طريقة مختلفة للتفكير في التحول نفسه. فالتنمية تُفهم بوصفها عملية تعلّم مفتوحة توسّع من خلالها المجتمعات تدريجياً قدرتها على تشكيل مستقبلها الخاص. وتكتسب السياسة الصناعية الخضراء قيمتها بالضبط لأنها تهيّئ الشروط المؤسسية التي يمكن أن يتحقق هذا التعلم في ظلها.
فالتحول لا يتعلق فقط بالانتقال نحو مصادر طاقة أنظف، بل يتعلق ببناء اقتصادات أكثر إنتاجية، وأقدر على الصمود، وأكثر إدماجاً، وأكثر قدرة على ممارسة الفاعلية داخل نظام دولي متزايد التشرذم.
السيادة تحت الضغط: الطاقة والأمن الاقتصادي ومستقبل تونس
انطلقت ورشة العمل التي نظّمتها شبكة السياسات من أجل التحولات (PNT) في باريس يوم 19 ماي 2026 من صدمة جيوسياسية خارجية — الحرب في الشرق الأوسط، والتوترات حول مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة والمستلزمات — لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل لا تزال تونس تملك القدرات الاقتصادية والمؤسساتية والسياسية التي تتيح لها امتصاص صدمات ممتدة دون أن تنزلق إلى مسار من التكيّف الفوضوي؟
والدرس الرئيسي الذي خلصت إليه النقاشات أنّ الأزمة الراهنة لا تخلق مَواطن الهشاشة التونسية؛ بل تكشفها، وتسرّعها، وتربط بينها.
البرنامج التفصيلي
تحلّل هذه الجلسة الأولى قنوات انتقال أزمة الشرق الأوسط إلى الاقتصاد التونسي. وتتناول الآثار المتضافرة لارتفاع أسعار النفط، وغلاء المستلزمات، والتضخّم المستورَد، والضغط على ميزان المدفوعات، والتفاقم المحتمل للاختلالات في الموازنة. والهدف هو فهم كيف يمكن لصدمة جيوسياسية خارجية أن تتحوّل سريعاً إلى صدمة اقتصادية كلية داخلية.
تقدّم هذه المداخلة قراءة اقتصادية كلية لأثر الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد التونسي. وتحلّل آثار ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية على ميزانية الدولة، والميزان التجاري، والتضخّم، واحتياطي العملة، والنمو. كما تسعى المداخلة إلى تحديد مناطق الهشاشة الآنية: الضغط على الدعم، وتمويل العجز، وكلفة استيراد الطاقة، والتوترات على المؤسسات العمومية، ومخاطر الانتقال الاجتماعي للصدمة التضخّمية.
تنطلق هذه المداخلة من ملاحظة مفادها أنّ تونس لا تزال غير مهيّأة بالقدر الكافي لامتصاص صدمة خارجية ممتدة. وتتناول الفجوة بين الفرضيات الرسمية للموازنة والآفاق الاقتصادية الكلية الأكثر تحفّظاً التي وضعتها المؤسسات الدولية، لا سيّما في ما يتعلّق بالنمو، والتضخّم، والعجز، والمديونية.
وتطرح المداخلة سؤال التمويل المحوري: كيف يمكن مواجهة ارتفاع ممتدّ في أسعار الطاقة والحبوب والمستلزمات الزراعية في سياق تتقلّص فيه الهوامش المالية؟ وتُبرز المداخلة المخاطر المرتبطة بهبوط اقتصادي مؤلم: عجزٌ أكبر ممّا هو متوقّع، ولجوءٌ متزايد إلى الاقتراض، وتوترات على الدَّيْن، وضغط على الدينار، والحاجة المرجّحة إلى خيارات غير شعبية.
تتناول هذه الجلسة الثانية بنية التبعية الطاقوية التونسية والكلفة الاستراتيجية للتأخّر المتراكم في الانتقال الطاقوي. فلا تزال تونس شديدة الاعتماد على استيراد المحروقات والغاز الطبيعي، لا سيّما في إنتاجها الكهربائي. وتُعرّضها هذه التبعية لتقلّب الأسعار، والتوترات الإقليمية، والإكراهات الجيوسياسية المرتبطة بمسالك التزوّد.
كما تتناول الجلسة موقع تونس في المعادلة الطاقوية المتوسطية: دور الغاز الجزائري، وعبوره نحو إيطاليا، وحدود تثمين أنبوب TransMed، وخطر الالتفاف عليه بمشاريع بديلة مثل GALSI، وتنويع مصادر التزوّد النفطي، وتأخّر الطاقات المتجدّدة.
تحلّل هذه المداخلة الانسدادات البنيوية التي تكبح اعتماد الطاقات المتجدّدة في تونس. فبينما تتوفّر البلاد على إمكانات شمسية وريحية هائلة، تظلّ حصة المتجدّدات محدودة وتتقدّم المشاريع ببطء. وتتناول المداخلة العوائق التنظيمية والمؤسساتية والمالية والتقنية التي تؤخّر الانتقال: الإجراءات الإدارية، والربط بالشبكة، ودور الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG)، وحالة عدم اليقين لدى المستثمرين، وحوكمة القطاع، وغياب رؤية صناعية واضحة.
وتُبيّن المداخلة أنّ تطوير المتجدّدات لا يندرج فقط ضمن خيار بيئي، بل يشكّل ضرورة اقتصادية واستراتيجية. فتقليص التبعية للغاز المستورَد، وتأمين الإنتاج الكهربائي، وخفض الفاتورة الطاقوية، وخلق فرص العمل، وهيكلة سلاسل قيمة محلّية، كلّها أهداف تضع الانتقال الطاقوي في صميم النقاش الوطني.
تحلّل هذه الجلسة الثالثة العلاقة بين الصدمة الطاقوية والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. فارتفاع أسعار النفط واضطراب سلسلة البتروكيماويات العالمية يمكن أن يرفعا كلفة الأسمدة، واليوريا، والأمونيا، والبلاستيك، وكلفة النقل. وتؤثّر هذه الديناميات مباشرة في الزراعة، والصناعات الغذائية، والتوزيع، وأسعار الاستهلاك.
كما تتناول الجلسة دور منظومة الدعم. فهي تظلّ موازِناً اجتماعياً جوهرياً، لكنها تشكّل في الوقت ذاته قيداً مالياً كبيراً. والسؤال المحوري إذن هو سؤال الخيارات: كيف يمكن حماية الأسر الهشّة دون تفاقم العجز بلا حدود؟ وهل يمكن إصلاح الدعم دون إثارة أزمة اجتماعية؟ وكيف يمكن المواءمة بين سياسة الأسعار، والأمن الغذائي، واستدامة الموازنة؟
تحلّل هذه المداخلة آثار الأزمة الطاقوية والبتروكيماوية على الأمن الغذائي التونسي، وعلى نطاق أوسع في شمال أفريقيا. وتُبيّن كيف يمكن لارتفاع أسعار اليوريا، والأمونيا، والأسمدة، والمحروقات، والنقل أن يؤثّر في المردودية الزراعية، ويرفع كلفة الإنتاج المحلّي، ويزيد التبعية للواردات الغذائية.
وتطرح المداخلة سؤال الأمن الغذائي بوصفه رهاناً استراتيجياً: هل تستطيع تونس مواصلة التعامل مع المستلزمات الزراعية كمجرّد سلع تجارية؟ وما آليات الاستباق والتخزين ودعم الفلاحين وتنويع مصادر التزوّد التي ينبغي إرساؤها للحدّ من آثار الصدمات الخارجية؟ وما أثر هذه الأزمة على الكبريت، المُدخَل الرئيسي للصناعة الكيميائية ومعالجة الفوسفاط في تونس؟
تتناول هذه المداخلة سياسة الأسعار وإصلاح منظومة التعويض في تونس. وتحلّل الدور التاريخي لمنظومة الدعم بوصفها أداةً للاستقرار الاجتماعي، ولكن أيضاً مصدراً للجمود في الموازنة. وفي سياق ارتفاع الأسعار الدولية للطاقة والحبوب والمستلزمات، يغدو سؤال التعويض محورياً: فالحفاظ على الدعم يكلّف أكثر فأكثر، لكن تقليصه فجأة قد يغذّي التضخّم ويثير توترات اجتماعية.
وتتناول المداخلة الشروط السياسية والاجتماعية لإصلاح ممكن: استهداف المساعدات، والتعويض المباشر، والإصلاح التدريجي، وشفافية الأسعار، وحماية الأسر الهشّة، وإعادة بناء آليات الحوار الاجتماعي. كما تناقش مخاطر إصلاح يُدار دون ثقة، ودون وساطة، ودون سردية سياسية واضحة.
تُخصَّص هذه الجلسة الأخيرة لسيناريوهات الخروج من الأزمة وللإصلاحات الممكنة. وتهدف إلى ربط التحاليل الاقتصادية والطاقوية والغذائية والاجتماعية التي طُوّرت على مدار اليوم في حوار واحد، بغية تحديد هوامش المناورة المتاحة.
يدور النقاش حول سيناريوهات المديَيْن القصير والمتوسط: سيناريو متفائل لاستقرار تدريجي، وسيناريو وسيط لتوترات ممتدّة، وسيناريو متشائم لتفاقم متزامن للإكراهات الطاقوية والمالية والغذائية والاجتماعية. كما تتناول الجلسة سؤال صندوق النقد الدولي: هل ينبغي لتونس أن تعود إلى اتفاق مالي؟ وهل يمكنها الاستغناء عنه؟ وبأيّ شروط يمكن أن يكون الدعم الخارجي محتمَلاً سياسياً واجتماعياً؟
يناقش المشاركون الإصلاحات ذات الأولوية: تسريع الانتقال الطاقوي، وإصلاح الدعم، وتكوين مخزونات استراتيجية، وتنويع مصادر التزوّد، وحماية المستلزمات الزراعية الحرجة، وتحديث التكرير، وتثمين الدور الطاقوي المتوسطي لتونس، وبناء مقاربة متكاملة للأمن الاقتصادي.
وليس الهدف من هذه الجلسة إنتاج قائمة تكنوقراطية من التوصيات، بل طرح شروط نقاش استراتيجي: كيف يمكن تحويل الهشاشة الطاقوية والمالية إلى منطلق لسياسة سيادة اقتصادية؟ وكيف يمكن تفادي أن تترجَم الأزمة فحسب إلى تكيّفات اجتماعية باهظة؟ وكيف يمكن المواءمة بين الأمن الطاقوي والأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي ضمن إطار فعل واحد؟
محضر الأعمال
السيادة تحت الضغط — الطاقة والأمن الاقتصادي ومستقبل تونس
انطلقت ورشة العمل التي نظّمتها شبكة السياسات من أجل التحولات (PNT) في باريس يوم 19 ماي 2026 من صدمة جيوسياسية خارجية — الحرب في الشرق الأوسط، والتوترات حول مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة والمستلزمات — لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل لا تزال تونس تملك القدرات الاقتصادية والمؤسساتية والسياسية التي تتيح لها امتصاص صدمات ممتدة دون أن تنزلق إلى مسار من التكيّف الفوضوي؟
الدرس الرئيسي الذي خلصت إليه النقاشات أنّ الأزمة الراهنة لا تخلق مَواطن الهشاشة التونسية؛ بل تكشفها، وتسرّعها، وتربط بينها. فالتبعية الطاقوية تزيد الضغط على الموازنة؛ والضغط على الموازنة يعمّق تبعية المنظومة المصرفية لتمويل الدولة؛ وارتفاع أسعار الطاقة وانقطاع التزوّد بالمستلزمات الزراعية التي تعبر مضيق هرمز ينتشران نحو الأسعار الغذائية والقدرة الشرائية؛ وتأخّر الانتقال الطاقوي يطيل أمد التبعية الخارجية؛ وإضعاف آليات الوساطة الاجتماعية يزيد صعوبة أيّ إصلاح للأسعار أو للدعم.
وهكذا اقترحت ورشة العمل قراءةَ الأزمة التونسية لا بوصفها تجاوراً لمشكلات قطاعية، بل بوصفها تسلسلاً منظوميّاً تغدو فيه الطاقة والزراعة والنقد والمالية العمومية والاستقرار الاجتماعي متشابكةً ومترابطة.
تدخل تونس مرحلة تتقلّص فيها هوامش المناورة في آنٍ واحد على عدّة جبهات: نمو ضعيف، واستثمار عمومي وخاص متعطّل، وتبعية طاقوية تتجاوز الثلثين عند تحييد الإتاوة الغازية الجزائرية، وحصة ضئيلة للمتجدّدات، وتبعية غذائية كبيرة، وهشاشة مصرفية، وتوسّع نقدي سريع، وصعوبة متنامية في تمويل الدولة دون مزاحمة الاقتصاد المنتِج.
لم يعد بإمكان تونس الاكتفاء بإدارة تفاعلية للأزمات. بل عليها أن تبني عقيدة سيادة اقتصادية تواكب بين الأمن الطاقوي، والأمن الغذائي، وإصلاح الدعم، وإعادة الرسملة الاستراتيجية للدولة، وإنعاش الاستثمار المنتِج، واستعادة آليات الثقة.
والسؤال المحوري إذن ليس فقط ما إذا كان على تونس أن تعود إلى صندوق النقد الدولي أم لا؛ بل سؤال أيّ مشروع اقتصادي واجتماعي يمكن أن يجعل دعماً خارجياً مفيداً سياسياً، وفعّالاً اقتصادياً، ومحتمَلاً اجتماعياً.
المحتويات
- تسييس مَواطن الهشاشة: الإطار التحليلي لشبكة PNT
- اقتصاد مُنهَك حتى قبل الصدمة الجيوسياسية
- الصدمة الشرق-أوسطية بوصفها مضاعِفاً لمَواطن الهشاشة
- التبعية الطاقوية: الكلفة الاستراتيجية للاانتقال
- الأمن الغذائي: من الحبوب إلى المستلزمات
- منظومة التعويض: بين الموازِن الاجتماعي والقفل المالي
- ثلاثة سيناريوهات للسنوات المقبلة
- نحو عقيدة للسيادة الاقتصادية
تسييس مَواطن الهشاشة: الإطار التحليلي لشبكة PNT
منذ الافتتاح، ذكّر المنظّمون بأنّ الهدف ليس تجاورَ تشخيصاتٍ متخصّصة في الطاقة أو المالية العمومية أو الزراعة، بل فهمَ كيف تتمفصل هذه الأبعاد ضمن منظومة واحدة من مَواطن الهشاشة.
وتبدو الحالة التونسية في هذا الصدد كاشفةً على نحو خاص. فتونس تجمع تبعيةً طاقويةً عالية، وانتقالاً طاقوياً غير مكتمل، وتبعيةً غذائيةً كبيرة، ومنظومة تعويض عسيرة الإصلاح، ونمواً ضعيفاً، وجهازاً إنتاجياً ناقص الاستثمار، ومؤسسات مُنهَكة. وهي بذلك تشكّل مختبراً للتوترات التي ستواجهها دول كثيرة في الجنوب ضمن سياق من التشظّي الجيوسياسي، والانتقال الطاقوي العالمي، وتكاثر الصدمات.
إنّ أسعار الطاقة، والدعم، والمستلزمات الزراعية، واحتياطي العملة، والإحصاءات النقدية، وقدرات التخزين ليست مجرّد متغيّرات تقنية. بل هي المواضع الملموسة التي تتقرّر فيها السيادة المادية للدول.
وتسييس هذه الرهانات لا يعني أدلجتها. بل يعني إبرازَ خيارات السلطة، والآثار التوزيعية، والإكراهات المؤسساتية التي تحدّد إدارتها.
اقتصاد مُنهَك حتى قبل الصدمة الجيوسياسية
إطار 1 — مؤشّرات الإنذار الاقتصادية الكلية
- تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الأول من 2026 وفق التحاليل المعروضة خلال الورشة.
- الناتج المحلي الإجمالي للفرد دون مستواه قبل جائحة كوفيد.
- نسبة النشاط حوالي 45 %، من بين الأدنى في أفريقيا.
- ارتفاع قوي في الكتلة النقدية وفي السيولة النقدية.
- تباطؤ الائتمان الموجّه للاقتصاد فيما يتزايد تمويل الدولة.
- تراجع الاستثمار العمومي وشبه توقّف للاستثمار الخاص.
أبرزت النقاشات أنّ تونس لا تواجه الصدمة الشرق-أوسطية من موقع صمود، بل انطلاقاً من اقتصاد مُنهَك أصلاً بعمق.
فالنمو المُعلَن رسمياً مقارنةً بالسنة السابقة يحجب واقعاً أكثر تدهوراً. فوفق التحاليل المعروضة خلال الورشة، يكون الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي التونسي قد تراجع بنحو 0.3 % في الربع الأول من 2026، فيما تستفيد المقارنات السنوية أساساً من أثر قاعدةٍ مرتبط بضعف النشاط في 2025.
ويظلّ الناتج المحلي الإجمالي للفرد دون مستواه قبل أزمة كوفيد-19. ويترجم هذا الركود الممتدّ أزمةً ظرفيةً بقدر أقلّ ممّا يترجم استنفاداً تدريجياً لنموذج النمو التونسي.
وتجسّد وضعية سوق العمل هذا التدهور الصامت. فقد ألحّ المتدخّلون على أنّ نسبة البطالة لم تعد كافية لوصف الحالة الفعلية للاقتصاد. إذ بات المشكل المركزي يكمن في انهيار نسبة النشاط.
ووفق الأرقام التي نوقشت خلال الورشة، تكون نسبة النشاط التونسية قد هوت إلى حوالي 45 %، وهي من بين الأدنى في أفريقيا وأقلّ بكثير من المعدّل العالمي. ويترجم هذا التراجع انعدامَ خلق فرص العمل بقدر ما يترجم الخروجَ الصامت لشريحة متنامية من السكان من سوق العمل.
ويشكّل الاستثمار مؤشّر إنذار رئيسياً ثانياً. فقد التقى المشاركون عند ملاحظة بلدٍ لم يعد يستثمر بما يكفي. فالاستثمار العمومي المُدرَج في الموازنات منقوص التنفيذ إلى حدّ بعيد، فيما يبدو الاستثمار الخاص شبه متوقّف.
بل إنّ البنوك التونسية نفسها تشير إلى غياب مشاريع استثمارية بنيوية حقيقية. ولا تزال واردات تجهيزات الإنتاج منكمشة منذ سنوات عدّة، وتبدو حالات التعافي النادرة المرصودة مرتبطةً بمشتريات ظرفية أكثر منها بدينامية إنتاجية حقيقية.
لكنّ جوهر التشخيص المعروض خلال الورشة يتعلّق بالبنية النقدية والمالية للاقتصاد التونسي.
تُظهر أرقام ECOWEEK والبنك المركزي توسّعاً قوياً في الكتلة النقدية. فوفق نشرة ECOWEEK رقم 19-26، تتقدّم الكتلة النقدية M3 بنسبة 10.5 % مقارنةً بالسنة السابقة في الربع الأول من 2026، فيما لا يرتفع الائتمان الموجّه للاقتصاد إلا بنسبة 3.1 %. وتتقدّم الأوراق والقطع النقدية بنسبة 17.8 %، لتبلغ 27.3 مليار دينار، أي 18.3 % من M3. وتبلغ نسبة السيولة النقدية إلى الناتج المحلي الإجمالي 15.1 %، مقابل 11.7 % في 2021، في حين لا يتقدّم الائتمان الموجّه للاقتصاد إلا بضعف. وترتفع الأوراق والقطع النقدية المتداولة بسرعة، فيما تبلغ حصة السيولة النقدية في الناتج المحلي الإجمالي مستويات مرتفعة تاريخياً.
ويترجم هذا التطوّر ظواهر متزامنة عدّة: تضخّمٌ حقيقي أقوى من المُقاس رسمياً، وارتيابٌ متنامٍ تجاه المنظومة المصرفية، وصعودٌ للقطاع غير المهيكل، وتفضيلٌ لحيازة العملة.
وقد ألحّت النقاشات على نحو خاص على تحوّل المنظومة المصرفية التونسية إلى أداة لتمويل الخزينة.
فالبنوك باتت تحوز حصةً متنامية من الدَّيْن السيادي، فيما يتباطأ الائتمان الموجّه للمؤسسات بقوة. فكلّما موّلت البنوك الدولة أكثر، قلّ تمويلها للاقتصاد الحقيقي. وكلّما راكمت مخاطر سيادية أكثر، ازدادت هشاشتها أمام أزمة في الموازنة.
والبنك المركزي نفسه يبدو منخرطاً على نحو متزايد في خدمة تمويل الدولة، ما يغذّي المخاوف حول مَوْلَنة العجز نقدياً.
وتغذّي هذه الدينامية ما وصفه عدّة مشاركين بأزمة ثقة حقيقية في النقد. فقد باتت القروض الموجّهة للدولة المركزية تمثّل 37.2 % من الناتج المحلي الإجمالي وفق الأرقام التي نوقشت خلال الورشة، مقابل 17.6 % في 2021. ويحوز البنك المركزي 35.5 % من الديون على الدولة ضمن ميزانيّته، فيما تحمل البنوك التونسية قرابة 18.7 % من الديون السيادية ضمن أصولها.
يواصل الاقتصاد عمله، لكن بثمن تبعيةٍ متنامية للتوسّع النقدي، وللمديونية الداخلية، ولاستحواذ الدولة على الموارد المالية.
الصدمة الشرق-أوسطية بوصفها مضاعِفاً لمَواطن الهشاشة
تعمل الحرب في الشرق الأوسط كاختبار إجهاد منظوميّ للاقتصاد التونسي.
وألحّت النقاشات على نقطة محورية: لا تنتقل الأزمة عبر الأسعار وحدها. بل تنتقل أيضاً عبر التوفّر المادي للسلع، والاختلال اللوجستي، والتوترات على المسالك البحرية، وتمدّد آجال التزوّد.
وهكذا تتحوّل الصدمة الطاقوية سريعاً إلى صدمة في الموازنة، ثمّ إلى صدمة إنتاجية، فإلى صدمة اجتماعية.
فارتفاع أسعار النفط والغاز يرفع فوراً كلفة الدعم الطاقوي، ويثقل العجز التجاري، ويمارس ضغطاً إضافياً على احتياطي العملة.
لكنّ الآثار تنتشر بعد ذلك نحو المستلزمات الزراعية، وكلفة النقل، والأسمدة، والمواد المكرَّرة، ومجمل سلاسل الإنتاج.
وأظهرت النقاشات أنّ تونس هشّة على نحو خاص أمام منطق الانتقال المتسلسل هذا.
فالتبعية الطاقوية تزيد الضغط على الموازنة؛ وهذا الضغط على الموازنة يعمّق تبعية المنظومة المصرفية لتمويل الدولة؛ وارتفاع الكلفة الطاقوية ينتقل إلى الأسعار الغذائية؛ والتضخّم يقلّص القدرة الشرائية للأسر الهشّة أصلاً.
كما أبرزت مداخلات عدّة أنّ التكيّف التونسي يجري بالفعل جزئياً عبر النُّدرة.
فحين تعجز الدولة عن تمويل جميع الواردات الضرورية في آنٍ واحد، تفضّل بعض المواد التي تُعتبر حسّاسة سياسياً — لا سيّما القمح اللّيّن الموجّه للخبز المدعوم — على حساب مكوّنات أخرى من المنظومة الغذائية أو الصناعية.
ويُضعِف هذا المنطق تدريجياً شُعَب الحليب واللحوم وتغذية الماشية، مع تدهور الجودة التغذوية للاستهلاك.
وهكذا تكشف الأزمة الشرق-أوسطية مشكلاً مؤقتاً بقدر أقلّ ممّا تكشف تبعيةً بنيويةً متنامية لسلاسل تزوّد خارجية باتت غير مستقرّة.
التبعية الطاقوية: الكلفة الاستراتيجية للاانتقال
إطار 2 — التبعية الطاقوية التونسية في 2026
- التبعية الطاقوية: حوالي 65-66 % باحتساب الإتاوة الغازية الجزائرية.
- تبعية تقارب 70 % دون احتساب الإتاوة.
- أكثر من 90 % من الكهرباء المنتَجة انطلاقاً من الغاز الطبيعي.
- حصة المتجدّدات في الإنتاج الكهربائي: حوالي 3 % وفق النقاشات.
- واردات ظرفية من الكهرباء الجزائرية خلال ذُرَى الصيف.
- تأخّر كبير في التخزين والبنى التحتية للشبكة.
أتاحت الجلسة الثانية من الورشة توضيحَ طبيعة التبعية الطاقوية التونسية.
فوفق الأرقام التي أُثيرت خلال النقاشات والعروض التقنية، لا تغطّي تونس سوى ما بين 30 و35 % من حاجاتها الطاقوية بحسب احتساب الإتاوة الغازية المرتبطة بالعبور الجزائري أو عدم احتسابها.
وتبلغ النسبة الرسمية للتبعية الطاقوية حوالي 65 %، لكنّها تقارب 70 % لو جرى تحييد إتاوة TransMed.
وهذا التدقيق مهمّ، لأنّ جزءاً من الطاقة المحتسَبة كمورد وطني يعتمد في الواقع على تدفّق جيوسياسي خارجي.
ويشكّل الغاز العقدة المركزية لهذه التبعية. فالإنتاج الكهربائي التونسي لا يزال يعتمد بأكثر من 90 % على الغاز الطبيعي، المستورَد أساساً من الجزائر. وهكذا تغدو التبعية الغازية تبعيةً كهربائيةً وصناعيةً ومالية.
وذكّرت النقاشات بأنّ تونس اضطرّت إلى استيراد الكهرباء الجزائرية خلال ذُرَى الاستهلاك الصيفية الأخيرة، حتى في فترات كانت الجزائر نفسها تجري فيها انقطاعات للكهرباء على أراضيها.
وتخلق هذه العلاقة تبعيةً متبادلةً غير متماثلة: فتونس تظلّ أكثر هشاشةً بكثير أمام انقطاع التزوّد ممّا هي الجزائر أمام فقدان العبور التونسي.
غير أنّ المداخلة المخصّصة للانتقال الطاقوي ألحّت على نقطة جوهرية: لا يمكن التفكير في الانتقال نحو الطاقات المتجدّدة بوصفه مجرّد استبدال تقني.
فالطاقة الشمسية والريحية موردان متقطّعان. ويستلزم إدماجهما قدرات تخزين، وشبكات متينة، وترابطات، وحوكمة ملائمة، وشركةً تونسية للكهرباء والغاز (STEG) قادرةً على ضمان استقرار المنظومة الكهربائية.
كما أنّ الكهرباء لا تمثّل سوى جزء من الاستهلاك النهائي للطاقة. فالنقل، وبعض الاستخدامات الصناعية، والاستخدامات الحرارية تظلّ شديدة الاعتماد على المحروقات.
والتأخّر التونسي في المتجدّدات لا يُفسَّر إذن بغياب الإمكان الشمسي أو الريحي. بل ينتج عن تضافر عوامل: أزمة في الموازنة، وصعوبات في التمويل، وضعف الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وبطء إداري، وعدم استقرار تنظيمي، وغياب منظومة صناعية مهيكلة.
كما أبرزت النقاشات خطر انتقال طاقوي يُختزَل في منطق استخراجي محض.
إن طُوّرت المشاريع المتجدّدة الكبرى حصراً من قِبل شركات دولية دون محتوى محلّي، ودون استراتيجية صناعية، ودون تكوين، فإنّ تونس ستخفّض بالتأكيد جزءاً من فاتورتها الطاقوية، لكن دون بناء نسيج إنتاجي وطني حقيقي.
عندئذ يغدو الانتقال الطاقوي آليةً لتقليص العجز الخارجي، دون تحويل عميق لنموذج الاقتصاد.
الأمن الغذائي: من الحبوب إلى المستلزمات
إطار 3 — هرمز: عُنق زجاجة غذائي بقدر ما هو طاقوي
- نحو 20 % من التجارة العالمية للنفط تعبر مضيق هرمز.
- خُمس التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال يعتمد على المضيق.
- 35 % من الصادرات العالمية لليوريا تعبر منه.
- تظلّ الأسمدة الآزوتية شديدة الارتباط بأسواق الغاز.
- أيّ اضطراب ممتدّ سيؤثّر مباشرة في الكلفة الزراعية العالمية.
أزاحت الجلسة الثالثة من الورشة النقاش الغذائي إزاحةً عميقة.
فالمشكل التونسي لا يكمن فقط في التبعية للواردات من الحبوب؛ بل يطال مجمل سلسلة الإنتاج الزراعي.
وذكّر العرض المخصّص للمستلزمات الزراعية بفكرة محورية: البلد الهشّ على مستوى مستلزماته هشٌّ على امتداد سلسلته الغذائية كلّها.
فالزراعة الحديثة تقوم على استهلاك كثيف للطاقة والأسمدة والنقل والمواد الكيميائية.
وقد غدا الغاز الطبيعي، والأمونيا، واليوريا، والكبريت، والمحروقات، والتأمينات البحرية، والمسالك التجارية مكوّنات جوهرية للأمن الغذائي.
وهكذا قُدّم مضيق هرمز بوصفه عُنق زجاجة غذائياً بقدر ما هو طاقوي. وتذكّر المعطيات التي نوقشت خلال الورشة بأنّ نحو 20 % من التجارة العالمية للنفط، وخُمس التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال، و35 % من الصادرات العالمية لليوريا تعبر هذا المسلك البحري.
إذ يعبر منه جزءٌ كبير من التجارة العالمية للنفط، والغاز الطبيعي المسال، واليوريا. وأيّ اضطراب ممتدّ لهذا المسلك يؤثّر مباشرة في كلفة الأسمدة، ثمّ في المردودية الزراعية، فالأسعار الغذائية العالمية.
وتبدو تونس هشّةً على نحو خاص ضمن هذا التشكّل.
فنسبة اكتفائها الذاتي من الحبوب تظلّ ضعيفة، فيما تظلّ قدراتها التخزينية، ومواردها المائية، وإنتاجها من المستلزمات محدودة.
وتزيد الأزمة المناخية من حدّة هذه الإكراهات. فاستغلال المائدات المائية العميقة يبلغ مستويات حرجة، وتدفع الهشاشة المائية الزراعةَ إلى التعويض بمزيد من المستلزمات الكيميائية، ما يزيد التبعية الخارجية بدوره.
وهكذا اقترحت النقاشات تجاوزَ الهدف غير الواقعي المتمثّل في الاكتفاء الذاتي الكامل من الحبوب، نحو التفكير في سيادة غذائية حقيقية عبر الأعالي (المستلزمات).
وتقتضي هذه المقاربة تأمينَ المستلزمات الحرجة، وتنويعَ المورّدين، وتكوينَ مخزونات استراتيجية، وإعادةَ التفكير في السياسات الزراعية بربطها بالإكراهات الطاقوية والمناخية.
منظومة التعويض: بين الموازِن الاجتماعي والقفل المالي
أظهر النقاش حول التعويض أنّ الدعم التونسي لا يمكن اختزاله في مجرّد عبء على الموازنة.
فمنظومة التعويض تشكّل في آنٍ واحد آليةً للاستقرار الاجتماعي، وأداةً تاريخيةً لإدارة الأسعار، ومكوّناً ضمنياً للعقد الاجتماعي التونسي.
وذكّرت النقاشات بأنّ التعويض تأسّس مؤسساتياً تدريجياً منذ أربعينيات القرن الماضي في سياق التموين، والجفاف، ومراقبة الأسعار.
ومع الوقت، غدا حاجزاً فاصلاً بين الأسعار الدولية والأسعار المحلّية.
ويفسّر هذا العمق التاريخي لماذا يبدو أيّ إصلاح حسّاساً سياسياً.
فالتعويض لا يحمي المستهلكين وحدهم. بل يقلّص أيضاً حالة عدم اليقين لدى بعض المنتجين، لا سيّما في شُعَب المخابز والحبوب والمنتجات الغذائية المحوَّلة.
لكنّ هذه المنظومة تُنتِج كذلك تشوّهات: تأخّر في التسديد، وتركّز الفاعلين القادرين على تحمّل الآجال الإدارية، وتبعية للدولة، وغموض متزايد في الكلفة الحقيقية.
وألحّ المشاركون على أنّ إلغاءً مفاجئاً للدعم سيكون قابلاً للانفجار اجتماعياً.
لكنّ غياب الإصلاح سيطيل أمد نوع آخر من التكيّف: تضخّم مستتر، ونُدرة، وتدهور في جودة المنتجات، وتفاقم في العجوزات.
الرهان الحقيقي إذن هو الانتقال تدريجياً من منظومة معمَّمة لدعم غامض إلى منظومة حماية اجتماعية مستهدَفة، وواضحة، ومستدامة.
غير أنّ مثل هذا الإصلاح لا يمكن أن ينجح دون وساطة اجتماعية، ودون سجلّ اجتماعي موثوق، ودون استراتيجية سياسية قادرة على شرح الخيارات.
ثلاثة سيناريوهات للسنوات المقبلة
التقت النقاشات عند ثلاثة سيناريوهات ممكنة.
السيناريو الأول، المتفائل، يقوم على استقرار تدريجي للسياق الشرق-أوسطي، وانفراج في أسعار الطاقة والمستلزمات، وتعافٍ محدود للاستثمار، ودعم مالي خارجي يتيح استعادةً تدريجيةً لبعض هوامش المناورة.
ويظلّ هذا السيناريو متصوَّراً، لكنه يفترض تحسّناً ملحوظاً في الحوكمة الاقتصادية، والتنسيق المؤسساتي، ومصداقية الإصلاحات.
أمّا السيناريو الثاني، الذي يُعتبر الأرجح على المدى القصير، فهو سيناريو التوترات الممتدّة.
عندئذ يواصل الاقتصاد عمله بوتيرة منخفضة: نمو ضعيف، وتضخّم مستمرّ، واستثمار غير كافٍ، وتمويل داخلي متنامٍ للعجز، وتكيّف اجتماعي منتشر.
وفي هذا التشكّل، تظلّ حالات النُّدرة ظرفيةً لكن متكرّرة، وتواصل الدولة تفضيل النفقات غير القابلة للضغط على حساب الاستثمار وصيانة البنى التحتية.
والسيناريو الثالث هو سيناريو تفاقم متزامن للإكراهات الطاقوية والغذائية والمالية والنقدية.
وفي هذه الحالة، قد يؤدّي ارتفاع ممتدّ في أسعار الطاقة، مقروناً باضطرابات لوجستية وبإضعاف للدينار، إلى توترات كبرى: صعوبات في الاستيراد، وتدهور سريع للمؤسسات العمومية الطاقوية، وتسارع التضخّم الغذائي، وتكاثر التوترات الاجتماعية.
عندئذ لا يجري التكيّف عبر الإصلاح، بل عبر التقنين، والنُّدرة، والتدهور المتسارع للخدمات العمومية.
نحو عقيدة للسيادة الاقتصادية
| السيناريو | الخصائص الرئيسية | المخاطر المهيمِنة |
|---|---|---|
| استقرار تدريجي | انفراج طاقوي جزئي، ودعم خارجي، وتعافٍ محدود للاستثمار | إصلاحات غير كافية، ونمو ضعيف |
| توترات ممتدّة | تضخّم مستمرّ، وركود، وتكيّف منتشر | تآكل القدرة الشرائية، وإرهاق اجتماعي |
| تفاقم منظوميّ | ارتفاع ممتدّ للأسعار الطاقوية، وتوترات على العملة والواردات | نُدرة، وتوترات اجتماعية، وأزمة مؤسساتية |
| المجال | الأولوية |
|---|---|
| الاقتصاد الكلي | استعادة المصداقية في الموازنة والنقد |
| البنوك والائتمان | تقليص الرابط بين البنك والدَّيْن السيادي |
| الطاقة | تطوير المتجدّدات والتخزين والشبكة |
| الزراعة | تأمين المستلزمات الحرجة |
| التعويض | إصلاح تدريجي ومستهدَف |
| الصناعة | بناء محتوى محلّي حول الانتقال |
بناء مؤشّرات جديدة للسيادة
يكمن أحد أكثر إسهامات الورشة أصالةً في الاقتراح الضمني بتجاوز المؤشّرات الكلاسيكية المستخدَمة لقياس الهشاشة الاقتصادية التونسية.
فقد أظهرت النقاشات أنّ مؤشّرات من قبيل النسبة الرسمية للتبعية الطاقوية أو نسبة الاكتفاء الذاتي من الحبوب لم تعد كافية لوصف مَواطن الهشاشة الفعلية للبلد.
ففي ما يتعلّق بالطاقة، اقترح عدّة متدخّلين التفكيرَ بمنطق سيادةٍ طاقويةٍ فعلية. وينبغي لمؤشّر من هذا القبيل أن يدمج لا الإنتاج الوطني الرسمي فحسب، بل أيضاً التبعية للغاز الجزائري، ووزن إتاوة TransMed، والتبعية للمواد المكرَّرة المستورَدة، وقدرات التخزين، والترابطات الكهربائية، والمتانة المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز، وقدرة البلد على استبدال مصادر تزوّده سريعاً.
والمنطق ذاته يصحّ على الغذاء. فقد ألحّت النقاشات على ضرورة بناء مؤشّرٍ للهشاشة الغذائية عبر المستلزمات. وينبغي له أن يدمج التبعية لليوريا، والأمونيا، والأسمدة الفوسفاتية، والكبريت، والمحروقات الزراعية، والشحن البحري، والعملة الضرورية للاستيراد.
وتتيح هذه المقاربات إزاحةَ النقاش: فالسيادة لم تعد تُقاس بالإنتاج النهائي وحده، بل بقدرة منظومةٍ ما على مقاومة اضطرابات ممتدّة في سلاسل التزوّد.
ويفتح هذا التفكير ورشةً أوسع أمام شبكة PNT: إعادة بناء أدوات قراءة قادرة على التفكير في مَواطن الهشاشة المنظومية لدول شمال أفريقيا في عالم موسوم بالصدمات الجيوسياسية والمناخية والطاقوية.
الأولويات الاستراتيجية الخمس
أرست الجلسة الأخيرة من الورشة بوضوح أنّ الردود التونسية لم يعد بإمكانها أن تتّخذ شكل مجرّد تراكمٍ لإصلاحات تقنية.
فعلى تونس أن تبني عقيدةً حقيقيةً للسيادة الاقتصادية تواكب بين الأمن الطاقوي، والأمن الغذائي، والاستقرار النقدي، والعدالة الاجتماعية.
الأولوية الأولى تتمثّل في استعادة المصداقية الاقتصادية الكلية.
ويفترض ذلك تشخيصاً شفافاً للوضع المالي والنقدي، وتوضيحاً لحقيقة احتياطي العملة، وتنسيقاً أفضل بين وزارة المالية والبنك المركزي، وتجسيداً موضوعياً للكلفة الحقيقية للدعم.
الأولوية الثانية تتعلّق بإعادة بناء الاستثمار المنتِج.
فاقتصادٌ تموّل فيه البنوك الدولةَ أساساً لا يمكنه توليد نمو مستدام. ويغدو من الضروري تقليصُ الرابط بين البنك والدَّيْن السيادي تدريجياً، ومعالجةُ وضعية البنوك العمومية، وإعادةُ توجيه الائتمان نحو القطاعات المنتِجة.
الأولوية الثالثة هي تسريع الانتقال الطاقوي ضمن منطق صناعي.
فالمتجدّدات ينبغي إدماجها ضمن استراتيجية للشبكة، والتخزين، والمحتوى المحلّي، والتكوين، والعدالة الترابية.
ويجب إصلاح الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) دون تفكيكها. إذ ينبغي أن تغدو متعاملاً قادراً على تثبيت منظومة كهربائية تقوم على نحو متزايد على إنتاجات متقطّعة.
الأولوية الرابعة تتمثّل في إعادة التفكير في الأمن الغذائي انطلاقاً من المستلزمات.
فالمخزونات الاستراتيجية لم يعد ينبغي أن تطال الحبوب وحدها، بل أيضاً الأسمدة، وبعض المستلزمات الحرجة.
وأخيراً، الأولوية الخامسة هي الإصلاح التدريجي لمنظومة التعويض.
فالإصلاح المستدام ينبغي أن يكون تدريجياً، ومستهدَفاً، ومتفاوَضاً عليه اجتماعياً. وعليه أن يحمي الأسر الهشّة مع الاعتراف بالوظائف الإنتاجية لبعض أشكال الدعم.
خاتمة — من السيادة الخطابية إلى السيادة المادية
أظهرت الورشة أنّ تونس لا تفتقر إلى الموارد فحسب؛ بل تفتقر إلى هوامش المناورة.
والحال أنّ السيادة لا تُقاس أوّلاً بالخطاب الوطني، بل بقدرة الدولة على الاستباق، والتمويل، والاختيار، والحماية، والتحويل.
تكشف الحرب في الشرق الأوسط تونس هشّةً أمام الصدمات الطاقوية والغذائية والمالية والاجتماعية.
لكنّ هذه الأزمة قد تفتح كذلك لحظةً استراتيجية.
فإذا قبلت تونس أن تنظر إلى مَواطن هشاشتها وجهاً لوجه، أمكنها تحويلُ الإكراه إلى أجندة لإعادة البناء: عقيدة طاقوية، واستراتيجية غذائية عبر المستلزمات، وإصلاح ذكيّ للتعويض، وإعادة رسملة للمنظومة المصرفية، وإنعاش للاستثمار المنتِج، وإعادة بناء لعقد اجتماعي حول العدالة والسيادة الاقتصادية.
والسؤال المحوري إذن ليس فقط: كيف نتفادى الأزمة؟
بل هو أعمق: كيف نعيد بناء مشروع وطني في عالم تغدو فيه الصدمات هي القاعدة؟
الاستدراك قبل انقلاب الموازين: أزمة التنمية، انحسار التعددية، والتحديات الاستراتيجية لدول الجنوب
انبثقت شبكة PNT من قناعة مشتركة: باتت مجتمعات شمال أفريقيا وحكوماتها تدخل مرحلةً لم تعد فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والجيوسياسية قابلةً للمعالجة باستجابات قطاعية أو تكنوقراطية أو انفعالية محضة. فالانسحاب التدريجي للجهات المانحة التقليدية، وإضعاف التعددية، وتغوّل العلاقات الدولية، باتت تفرض اليوم بناءَ قدرة استراتيجية ذاتية.
والهدف من شبكة PNT هو حثّ نخب شمال أفريقيا على اعتماد مقاربة استراتيجية بعيدة الأمد لمواجهة تحديات باتت مُلِحّة، لا سيّما الدخول في مرحلة ما بعد التنمية، وتصاعد آثار التغير المناخي، والانتقال الطاقوي، وتفكّك الاقتصاد العالمي.
البرنامج التفصيلي
انبثقت شبكة PNT من قناعة مشتركة: باتت مجتمعات شمال أفريقيا وحكوماتها تدخل مرحلةً لم تعد فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والجيوسياسية قابلةً للمعالجة باستجابات قطاعية أو تكنوقراطية أو انفعالية محضة. فالانسحاب التدريجي للجهات المانحة التقليدية، وإضعاف التعددية، وتغوّل العلاقات الدولية، باتت تفرض اليوم بناءَ قدرة استراتيجية ذاتية.
والهدف من شبكة PNT هو حثّ نخب شمال أفريقيا على اعتماد مقاربة استراتيجية بعيدة الأمد لمواجهة تحديات باتت مُلِحّة، لا سيّما الدخول في مرحلة ما بعد التنمية، وتصاعد آثار التغير المناخي، والانتقال الطاقوي، وتفكّك الاقتصاد العالمي.
تسعى الندوة التأسيسية لشبكة السياسات من أجل التحولات إلى فتح فضاء للتفكير في تحوّل كبير يطال المنظومة الدولية: الأزمة المتزامنة للتنمية والعمل الإنساني ضمن سياق من إعادة التركيب الجيوسياسي المتسارع.
إنّ التقليص الحادّ في ميزانيات المساعدة الإنمائية، وفقدان المؤسسات متعددة الأطراف لمصداقيّتها، وانهيار القوة المعيارية للجهات المانحة الغربية، وصعود نظام دولي صفقاتي، كلّها تطرح تحديات جسيمة على دول الجنوب.
وفي هذا السياق الجديد، تجد دول الجنوب نفسها أمام تحدٍّ ثلاثي: النزوع إلى الإنكار وتأجيل القرارات؛ والاختفاء التدريجي للأطر التقليدية للمساعدة والاستقرار؛ وضرورة إعادة التفكير في أشكال الاندماج بالاقتصاد العالمي.
ويحتلّ شمال أفريقيا، بموقعه عند ملتقى أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا، موقعاً استراتيجياً محورياً في قلب هذه التحولات.
دخل العالم لحظةً جيوسياسيةً غير مسبوقة، تُعاد فيها صياغة قواعد التجارة، والمساعدة الإنمائية، والعمل الإنساني، والحوكمة العالمية من جديد.
وتجد دول الضفة الجنوبية للمتوسط نفسها اليوم مُلزَمةً بإعادة التفكير في هذه اللحظة وبالملاحة في خضمّ هذه التحولات العميقة.
إنّ صعود الحمائية والحواجز الجمركية بشتّى أنواعها، وعودة السياسات الصناعية، وتأكيد ضرورة الأمن الطاقوي، وتحوّل قواعد المالية العالمية، كلّها ترسّخ تدريجياً تفتّت النظام العالمي.
ودون ادّعاء رسم وصفةٍ للنجاح في عالم موسوم على نحو متزايد بعدم اليقين، تدفع هذه اللحظة العالمية دولَ الجنوب إلى التزوّد بتموضع استراتيجي يواكب بين الصمود والفاعلية والاستقلالية الاستراتيجية.
ستحلّل هذه المداخلة الأزمة البنيوية للمنظومة الدولية للتنمية والمساعدة الإنسانية ضمن سياق من التشظّي الجيوسياسي والانسحاب المستدام للجهات المانحة التقليدية.
وستتناول بزوغ نماذج جديدة تقوم على إدارة المخاطر، وآليات التأمين، والانخراط المتزايد للقطاع الخاص في السياقات الهشّة وفي مراحل ما بعد النزاعات.
محضر الأعمال
الاستدراك قبل انقلاب الموازين: أزمة التنمية، نهاية التعددية، والتحديات الاستراتيجية لدول الجنوب
أكّدت الندوة التأسيسية لشبكة السياسات من أجل التحولات، التي عُقدت في باريس بمشاركة نحو ثلاثين شخصاً، الحدسَ المؤسِّس للمنظمة: لم نعد في لحظة انتقال آتية، بل في عالم تحوّل فعلاً، حيث فقدت المقولات الموروثة — التنمية، والتعددية، والحوكمة، والديمقراطية — قدرتها التفسيرية والإجرائية.
المحتويات
إسهامات الندوة في هوية شبكة PNT
أبرزت النقاشات تشخيصاً مشتركاً: لقد تمّ الانقلاب الجيوسياسي بالفعل. فالتعددية لم تعد إطاراً ناظماً، بل منظومة في حالة تآكل. والمعايير الدولية باتت موضع تنازع أو التفاف. وموازين القوى تُعاد صياغتها وفق منطق القوّة الخام، والتشظّي الإقليمي، والصفقاتية المعمَّمة. وفي هذا السياق، تبدو الدول، بما فيها دول شمال أفريقيا، كيانات مُنهَكة على نحو متزايد، تتنازعها التوترات بين الخطاب السيادوي والفقدان الفعلي للسيادة.
تعيد هذه القراءة تعريف رسالة شبكة PNT تعريفاً عميقاً. فالمنظمة لا يمكنها أن تموقع نفسها في امتداد الأطر التقليدية للمساعدة، ولا في امتداد المقاربات التكنوقراطية القطاعية. بل تتموضع بوصفها فضاءً لإعادة تسييس القضايا الراهنة، يسعى إلى إعادة إدراج البُعد السياسي حيث جرى إجلاؤه لصالح مقولات تقنية (المرونة، والحوكمة، والنجاعة، والانتقال).
كما كشفت المداخلات عن تحوّل جوهري في نموذج التنمية ذاته. فالمساعدة الدولية، التي ارتبطت تاريخياً بنظام تعددي وبوظيفة إسقاط النفوذ، تتحوّل اليوم إلى منظومة لإدارة المخاطر، مُمَوْلَنة إلى حدّ بعيد، وموجَّهة نحو تعبئة القطاع الخاص. ويرافق هذا التحوّل نقلٌ للمسؤولية نحو الفاعلين المحلّيين، دون إعادة توزيع حقيقية لقدرات الفعل. وهكذا تكفّ التنمية عن كونها مشروع تحويل لتغدو آليةَ تكيّف مع إكراهات خارجية.
في هذا السياق، برز مفهوم القدرة على الفعل (Agency) بوصفه مفهوماً مركزياً. مَن يقرّر؟ مَن يفعل؟ مَن يتحمّل مسؤولية التحولات؟
الإجابة السائدة اليوم تنزع إلى تهميش المجتمعات المحلّية، مع إخراج القرارات الاستراتيجية إلى الخارج. وتحدّد شبكة PNT لنفسها هدفاً دقيقاً يتمثّل في الإسهام في إعادة بناء هذه القدرة على الفعل، عبر التعبير المتزامن عن التفكير الاستراتيجي والتحليل النقدي وإنتاج أُطر بديلة.
ومن أبرز الدروس الأخرى التي تمخّضت عن النقاشات، ضرورةُ التفكير في التحولات في تعدّديتها وتشابكها. فالانتقال الطاقوي، والتحوّل الصناعي، والتحولات التكنولوجية، وإعادة التركيب الجيوسياسي، والتطورات الاجتماعية، لم يعد ممكناً تناولها بمعزل عن بعضها البعض. إنّها تنتمي إلى لحظة تاريخية واحدة تتّسم بعدم اليقين، وعدم القابلية للتنبّؤ، والتسارع.
وفي هذه البيئة، لم يعد ممكناً تصوّر الاستراتيجيا بوصفها تخطيطاً خطّياً قائماً على فرضيّات مستقرّة. بل عليها أن تستوعب التقلّب، والصراعية، وإمكان القطائع المفاجئة. وهذا يستلزم تجاوز المقاربات الإدارية للحوكمة لإعادة استحضار التفكير السياسي في المفاضلات، والأولويّات، والمسارات.
وأخيراً، أبرزت الندوة التأسيسية الدور الخاصّ لشمال أفريقيا بوصفه فضاءً استراتيجياً. فالمنطقة، الواقعة عند مفترق الطرق بين أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، تتركّز فيها آثار إعادة التركيب العالمي: تشظّي التعددية، وإعادة تعريف سلاسل القيمة، والتوترات الأمنية، وتحوّل نماذج التنمية. وهي فضاء هشاشة ومختبر محتمَل لإعادة التركيب الاستراتيجي في آنٍ واحد.
في هذا الإطار، ترى شبكة PNT في نفسها حاضنةً للتفكير الاستراتيجي الجماعي، قادرةً على جمع فاعلين من آفاق مختلفة — باحثين، وممارسين، وصانعي قرار، وأعضاء من المجتمع المدني — بهدف إنتاج تحاليل ضاربةٍ جذورُها في الواقع الإقليمي ومنخرطةٍ في الديناميات العالمية.
والرهان ليس اقتراح حلول فورية، بل إعادة بناء شروط فكرٍ استراتيجي مستقلّ، وهو شرط مسبق لكلّ صورة من صور السيادة والتنمية، وعلى المدى الأبعد، الدمقرطة.
تركيب المداخلات والنقاشات
انقلاب قد تحقّق فعلاً
تنعقد المائدة المستديرة التي نظّمتها شبكة السياسات من أجل التحولات في سياق يتميّز بتحوّل عميق في النظام الدولي. ولعلّ أبرز ما خلصت إليه النقاشات أنّ الانقلاب الجيوسياسي لم يعد فرضيّةً بل واقعاً. فعالم ما بعد الحرب الباردة، الذي بنته التعددية والمعايير الدولية والهيمنة الغربية، آخذ في التلاشي.
ويتلاقى المشاركون عند فكرة أنّنا دخلنا عالماً يتّسم بالتشظّي، وصعود منطق القوّة، وتراجع الأطر المعيارية. ولا يطال هذا التحوّل العلاقات الدولية وحدها، بل يمتدّ كذلك إلى نماذج التنمية والعمل الإنساني وإدارة النزاعات.
1. نهاية التعددية وعودة القوّة
قدّمت مداخلة كريم تشخيصاً قاطعاً: العالم انقلب فعلاً نحو نظام تتقدّم فيه القوّة على ما عداها. فالتعددية تعيش أزمة عميقة، فيما تتبنّى القوى الكبرى منطق المواجهة المباشرة.
سمات السياق الجديد
- عودة معلَنة إلى سياسة القوّة
- إعادة النظر في التحالفات التقليدية
- تهجين بين المحافظة الجديدة والمنطق الصفقاتي
- تصاعد الخطابات الخلاصية والأيديولوجية
والنتيجة الرئيسية هي عدم استقرار بنيوي، تتفاقم معه مخاطر التشظّي الإقليمي، لا سيّما في الشرق الأوسط. وتُلقي هذه الدينامية بظلالها على الأسس ذاتها التي يقوم عليها النظام الدولي القائم على القواعد.
2. الأزمة البنيوية للتنمية
تكشف مداخلتا ألكسندر والخبير الأممي عن أزمة أعمق: أزمة نموذج التنمية ذاته. فالتنمية، تاريخياً، أداةٌ جيوسياسية مُدرَجة في منطق الحرب الباردة. ومنذ نشأتها، وهي تخترقها تناقضات بين الأهداف السياسية والاقتصادية والمعيارية.
تجلّيات الأزمة الراهنة
- إخفاق سياسات التكيّف الهيكلي
- نزع الطابع السياسي عن النقاشات الاقتصادية
- فقدان المؤسسات الدولية لمصداقيّتها
- تقلّص التمويل الموجَّه إلى أكثر البلدان هشاشةً
وعلى مستوى أعمق، تتحوّل التنمية إلى منظومة لإدارة المخاطر، تتمحور حول مَوْلَنة المساعدة، واستخدام أدوات من قبيل التمويل المختلط (Blended Finance)، ونقل المخاطر إلى الفاعلين المحلّيين. وهذا التطوّر يؤشّر على الانتقال من مشروع تحويل إلى منطق تكيّف.
3. مركزية السيادة والقدرة على الفعل
من المحاور الأساسية للنقاشات محورُ القدرة على الفعل (Agency) والسيادة. ويؤكّد المشاركون أنّ السؤال الجوهري لم يعد سؤال التنمية بحدّ ذاتها، بل سؤال قدرة الدول والمجتمعات على الفعل.
ففي سياق نهبٍ كوني، تصبح الأولوية صَوْنَ القدرات على الفعل: القدرة على رسم استراتيجيات مستقلّة، والقدرة على مقاومة الضغوط الخارجية، والقدرة على استشراف التحولات. ويقود هذا التفكير إلى تنسيب بعض الأولويات التقليدية، ولا سيّما الديمقراطية والحوكمة، اللتين تبدوان ثانويتين أمام رهانات البقاء والسيادة.
4. إعادة التفكير في الاستراتيجيا في عالم لا يقبل التنبّؤ
تكشف النقاشات عن تحوّل في علاقتنا بالزمن وبالاستراتيجيا. ففي عالم موسوم بعدم اليقين والتقلّب، تبدو مقاربات التخطيط التقليدية غير ملائمة.
وعلى الاستراتيجيا أن تستوعب من الآن فصاعداً عدمَ القابلية للتنبّؤ بالفاعلين، ومركزيّةَ المشاعر والإدراكات، وشخصنةَ السلطة، وتسارعَ التحولات التكنولوجية. وهذا يستلزم تجاوز المقاربات الخطّية لصالح أُطر أكثر مرونة، قادرة على التكيّف مع بيئات غير مستقرّة.
5. أفريقيا وشمال أفريقيا فضاءَيْن استراتيجيَّيْن
تبرز أفريقيا بوصفها أحد أبرز فضاءات التحوّل على المستوى العالمي. فهي تجمع نموًّا ديموغرافياً متسارعاً، وثرواتٍ استراتيجيةً، وإمكاناتٍ اقتصاديةً مهمّة.
أمّا شمال أفريقيا، بصفة خاصّة، فيشغل موقعاً محورياً عند مفترق الطرق بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. ويمنحه هذا الموقع دوراً استراتيجياً في عمليات إعادة التركيب الجارية. غير أنّ المنطقة تواجه تحدّيات عدّة: ركود اقتصادي، وتشظٍّ سياسي، وتبعيّة خارجية، وغياب مشاريع بنيوية جامعة.
خاتمة: نحو إعادة بناء قدرة التفكير الاستراتيجي
تُبرز المائدة المستديرة الحاجة إلى إعادة التفكير العميق في أُطر التحليل والفعل. فالنماذج الموروثة لم تعد تتيح فهم العالم الراهن ولا الفعل فيه.
وفي هذا السياق، يكتسب دور المبادرات من قبيل شبكة PNT أهمّيةً قصوى. إذ يتعلّق الأمر بإعادة بناء قدرة على التفكير الاستراتيجي، عبر التعبير المتزامن عن التحليل النقدي وإنتاج المعرفة وربط شبكات الفاعلين. والرهان ليس فكرياً فحسب؛ بل هو سياسي بامتياز: إذ يتعلّق بإعادة منح المجتمعات قدرتَها على رسم مستقبلها في عالم يُعاد تركيبه.
من ما بعد التعددية إلى ما بعد التنمية: إعادة تسييس الاستراتيجيا في عالمٍ يتشظّى
اللحظة التاريخية التي دخلناها لم يعد بالإمكان فهمها بوصفها مجرّد طورٍ من أطوار انتقال تدريجي. بل تلاقت النقاشات، على العكس من ذلك، عند فكرة أنّ الانقلاب قد تحقّق فعلاً. فنحن لم نعد على عتبة تغيّر في النظام الدولي؛ بل نعيش بالفعل في العالم الذي يلي ذلك. وهذه القراءة، التي تتخلّل التحاليل الجيوسياسية والتأمّلات في التنمية على حدّ سواء، تُلزمنا بمراجعةٍ عميقة للمقولات التي بنت الفكر السياسي الدولي في العقود الأخيرة.
فالتعددية، والتنمية، والحوكمة، والمرونة، بل حتى الدمقرطة ذاتها، لم يعد بالإمكان استدعاؤها بوصفها بديهيات أو أُطراً محايدة. بل ينبغي إعادة استجوابها انطلاقاً من شروطها التاريخية في التكوّن، ومن استخداماتها السياسية، ومن استنفادها الراهن.
ومن أبرز مكاسب النقاش رفضُه القاطعَ الفصلَ بين ما يقدّمه الخطاب السائد بوصفه مجالات متمايزة: الجيوسياسية من جهة، والتنمية من جهة أخرى؛ النزاعات من جهة، والسياسات العمومية من جهة أخرى؛ الإكراهات البنيوية من جهة، وهوامش الفعل الوطني من جهة أخرى. بل، بخلاف ذلك، يدلّ كلّ شيء اليوم على تشابكٍ متنامٍ بين السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والعسكري والاجتماعي.
تظلّ اللغة في الغالب لغةَ التنمية والتعاون والاستقرار، في حين أنّ المنطق الفاعل بات منطقَ القوّة، والأمننة، والتشظّي، وإدارة المخاطر.
نهاية نظام معياري
تتراجع، يوماً بعد يوم، صلاحية الفكرة القائلة إنّ المنظومة الدولية المعاصرة لا تزال مبنيّة، ولو على نحو ناقص، على نظام معياري موروث من 1945. فالمبادئ التي شكّلت البنيان الأخلاقي والقانوني لتعددية ما بعد الحرب — الأمن الجماعي، احترام السيادة، رفض الضمّ بالقوّة، مركزية القانون الدولي — لا تزال قائمةً في النصوص، لكنّها لم تعد تنتج المفاعيل التنظيمية التي كانت تُنسب إليها.
وما فرض نفسه على امتداد المداخلات هو فكرة نظامٍ ما بعد معياري، لا بمعنى أنّ كلّ معيار قد اختفى، بل بمعنى أنّ المعايير لم تعد تؤطّر فعلياً سلوك القوى. إذ يتمّ استدعاؤها، أو انتقاؤها، أو الالتفافُ عليها، أو تعليقُها وفقاً لموازين القوى.
الانقلاب الجيوسياسي قد تحقّق بالفعل. لم تعد الوحوش في الأفق؛ بل غدت في موضع السلطة.
هذه العبارة التي طبعت النقاش لا تشير إلى مجرّد صعود قادة أكثر وحشيةً أو سخريةً. بل تُحيل إلى تحوّلٍ أعمق: زوال الوسائط التي كانت تتيح في السابق تغليف الهيمنة بلغة المبادئ والحقوق والكونيّة. ولم نعد ببساطة في عودة إلى الواقعية السياسية (Realpolitik) الكلاسيكية. بل نواجه تشكيلةً أكثر هشاشةً تجمع بين سياسة القوّة في القرن التاسع عشر، ورواسبَ من المحافظة الجديدة، وصفقاتيةٍ متحرِّرة من كلّ قيد.
وتتبدّى تبعات هذا الانقلاب بوضوحٍ خاصّ في الشرق الأوسط، حيث كفّت الحرب والتطرّف ودينامياتت التشظّي عن أن تكون شذوذاً لتغدو أساليبَ عاديّة لحُكم المنطقة. وما يثير القلق هنا ليس الحربَ بحدّ ذاتها فحسب، بل الكيفية التي يتحوّل بها التشظّي ذاته إلى قدرٍ محتوم.
ويُلزمنا هذا التحوّل في السياق بمراجعة طريقة تفكيرنا في الاستراتيجيا. ففي عالمٍ موسومٍ بما بعد الحقيقة، وبفرط تقلّب الخطابات، وبشخصنةٍ متطرّفة للسلطة، لم يعد ممكناً تصوّر الاستراتيجيا كما كانت تُتصوَّر في عالمٍ متوقَّع نسبياً. فصعود الذاتية، وتنامي أهمّية سيكولوجيا القادة، ودور المشاعر والخوف والأهواء الحزينة، كلّ ذلك يُحوّل في العمق شروطَ القرار السياسي.
التنمية بوصفها خيالاً سياسياً في أزمة
تستجرّ أزمة التعددية هذه أزمةً موازيةً لها، غير منفصلة عنها، أزمةَ التنمية. فالتنمية لم تكن قطّ مجالاً تقنياً خالصاً. لقد كانت منذ نشأتها مشروعاً جيوسياسياً. ولم يكن الأمر يتعلّق في المقام الأوّل بتنظيم رخاءٍ مشترك، بل بتثبيت فضاءات تُعتبر هشّة، واحتواء خصوم، وبناء تراتبيّةٍ عالمية تحدِّد فيها بعضُ الدول المساراتِ المرغوبَ فيها للدول الأخرى.
إنّ تاريخ التنمية، في هذا الصدد، تاريخُ إزاحاتٍ متعاقبة. فمن ارتباطها بالمنطق الاستعماري ثمّ بنظام ما بعد الحرب، أُعيد تشكيلها من خلال برامج التكيّف الهيكلي، ثمّ التحرير الاقتصادي، فخطابات الحوكمة الرشيدة، ومكافحة الفساد، والتنمية البشرية، والتنمية المستدامة، وصولاً إلى المرونة. وكلّ متتالية من هذه المتتاليات أزاحت معالم المشكلة دون أن تعيد النظر في السؤال المركزي: مَن يحدّد الأولويات، ومَن يتحمّل التكاليف، ولفائدة مَن تُدار هذه السياسات؟
وها هي تلك المفردات نفسها تتزعزع اليوم. فالحوكمة الرشيدة، والمرونة، والنجاعة، والاستقلال الاستراتيجي، قُدِّمت بوصفها مفاهيم تدبيرية محايدة، شبه كونية. غير أنّها تنتمي إلى منطقٍ إداري ينقل إلى الدول مقولاتٍ مصمَّمة للمؤسّسة. وهي تحجب علاقات القوى، والتراتبيّات الدولية، والتفاوتات المادية، ونزاعات التوزيع.
ويتجلّى هذا التطوّر بوجه خاصّ في صعود نموذج المرونة. فحيث كانت التنمية تدّعي بعدُ، ولو وَهْماً، تحويلَ البِنى الاقتصادية والاجتماعية، تكتفي المرونة بجعل الصدمات قابلةً للاحتمال. إنّها لم تعد تَعِد بالتحرّر؛ بل تنظّم القدرة على استيعاب الألم.
من المساعدة إلى إدارة المخاطر
يمكن تلخيص المنعطف الراهن للمنظومة الدولية للمساعدة بوصفه انتقالاً من نموذج التحويل إلى نموذج إدارة المخاطر. فلم يعد الأمر يتعلّق فعلاً بإنتاج تنميةٍ بالمعنى القويّ، بل بتخفيف الصدمات، وتأمين الاستثمارات، والحفاظ على بيئاتٍ مستقرّةٍ بما يكفي لتظلّ قابلةً للإدماج في الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الإطار، تخضع المساعدة لمنطق المَوْلَنة. وتغدو الأدوات المهيمِنة هي الضمانات، وعقود التأمين، وآليات التمويل المختلط (Blended Finance)، وتغطية الخسائر الأولى. والهدف المُعلَن هو تعبئة القطاع الخاص، والانتقال من المليارات إلى التريليونات. غير أنّ المنطق الحقيقي يقع في موضع آخر: فالأمر يتعلّق بتقليل تعرّض المستثمرين للمخاطر أكثر منه بتمويل الحاجات الاجتماعية.
ويرافق هذا التحوّل تعديلٌ عميق في توزيع المسؤولية. والسؤال الحاسم هو سؤال القدرة على الفعل. مَن يفعل؟ مَن يقرّر؟ مَن يُحاسَب؟ والمنظومة الناشئة لها هذه الخصوصية: أنّها تنزع إلى نقل عبء التكيّف إلى المجتمعات المحلّية مع إبقاء مراكز القرار في الخارج. فتغدو الجماعات المحلّية مسؤولةً عن إدارة مخاطر لم تخلقها ولا تملك وسائل تعديل أسبابها البنيوية.
ويُقدَّم اللجوء المتزايد إلى القطاع الخاص بوصفه ردّاً براغماتياً على نضوب التمويلات العمومية. غير أنّ ما من دلائل على قدرته على تلبية حاجات السياقات الأشدّ هشاشةً. بل ما يَبْرُز في هذه المرحلة، على العكس من ذلك، هو تركّز التدفّقات نحو السياقات الوسطى، والقطاعات الاستخراجية، والفضاءات التي تُعتبر مربحةً أو استراتيجيةً، فيما تظلّ المناطق الأكثر هشاشةً ناقصةَ التمويل بنيوياً.
ماذا يعني التسييس؟ ماذا يعني إعادة التسييس؟
من أخصب الأسئلة التي طُرحت خلال النقاش هذا السؤال: ماذا يعني التسييس بدقّة؟ التسييس لا يعني فقط إعادة إدخال خطابٍ أيديولوجي حيث يُفترض أن يسود الحياد. بل يتمثّل في المقام الأوّل في إعادة الصلة بين قراراتٍ تُقدَّم بوصفها تقنية وعلاقات القوى التي تنظّمها.
إنّ تسييس الانتقال الطاقوي، على سبيل المثال، لا يعني أخلَقة النقاش؛ بل طرحَ الأسئلة التي تنزع اللغة التكنوقراطية إلى إقصائها: مَن يدفع كلفة الانتقال، مَن يستحوذ على الريع الأخضر، أيُّ نسيج إنتاجي يجري تعزيزه، وأيُّ سيادةٍ طاقويّة أو صناعية تُستهدف، وعلى أيّ ائتلافات اجتماعية وسياسية يمكن لانتقالٍ من هذا القبيل أن يستند.
أن نكون سياسيين اليوم يعني السعيَ إلى استرداد القدرة على الفعل وإعادة السيادة. لا بمعنى التشدّد السلطوي، بل بمعنى استرجاع هوامش قرارٍ حقيقية.
السيادة، والركود، والنزعة البقائية
برزت السيادة بوصفها مفهوم اللحظة المركزي. غير أنّ المداخلات أبرزت كذلك مدى ما يتشبّع به هذا المصطلح من التباسات. إذ توجد اليوم سيادويّاتت بلا سيادة، وخطاباتٌ مناهضة للإمبريالية بلا استقلالية حقيقية، وبلاغاتُ مقاومةٍ تفتقر إلى أيّ قدرة إنتاجية أو مؤسَّسية أو اجتماعية.
ومن النقاط الحاسمة في النقاش الإصرارُ على أنّ الدولة لا تحمي سيادتها بالسلطوية وحدها. بل، على العكس من ذلك، فإنّ السلطوية، حين تقترن بالركود الاقتصادي، وعدم النجاعة البنيوية، وانسداد الآفاق، تُغذّي عدمَ استقرارٍ متصاعد. فالسيادة تتطلّب قدرات، ومرونةً، واندماجاً استراتيجياً في السياق الإقليمي، وحفاظاً على المصالح الحيويّة.
ومفهوم الركود، الذي أُدخل إلى النقاش بوصفه متغيِّراً كثيراً ما يجري إغفاله، أساسي في هذا الصدد. فهو يتيح فهمَ العنف والتشظّي والإحباط لا بوصفها مجرّد نتاجٍ لنزاعات سياسية، بل أيضاً بوصفها مفاعيلَ استنفاد الوعود التاريخية. فمجتمعات شمال أفريقيا تعيش في وضعٍ بَيْنِيّ فقدت فيه الروايات القديمة للتقدّم مصداقيّتها، دون أن تَبزغَ مشاريع بنيوية جديدة. وفي هذا المعنى أُثيرت مسألة "البلدان بلا مشروع".
وفي الوقت نفسه، تبدو بعض السياقات الإقليمية، ولا سيّما المشرق، خاضعةً بالفعل لمنطق البقاء. فحيث يواجه المشرق تهديداً وجودياً ويعيش في فوريّة النزعة البقائية، لا يزال شمال أفريقيا، رغم تدهور الأوضاع، يحظى بفسحةٍ ليتموقع نحو المستقبل. وهذه "الميزة" النسبية تُنشئ مسؤوليةً خاصّة. وتجعل بناءَ فكرٍ استراتيجي قادرٍ على الحيلولة دون انزلاق المنطقة، هي الأخرى، إلى الوضع البقائي المحض، أمراً أكثر إلحاحاً.
أفريقيا وشمال أفريقيا فضاءَيْن استراتيجيَّيْن
من الإسهامات المهمّة الأخرى للنقاش إعادةُ توجيه النظر نحو أفريقيا، لا بوصفها هامشاً لأزماتٍ ينبغي إدارتها، بل بوصفها أحد أبرز فضاءات النموّ والثروات وإعادة التركيب على المستوى العالمي. وهذا المنظور يُلزمنا بقطيعةٍ مع رؤيةٍ خطّية للتنمية.
وقد ركّزت المداخلات على الطابع التحوّلي لبعض الديناميات الأفريقية: سرعة التحولات الاجتماعية، وصعود أجيالٍ جديدة تنفذ مباشرة إلى المعرفة العالمية، والدور المتنامي للجاليات الأورو-أفريقية، وبزوغ أشكالٍ من المقاولاتية والابتكار وتدفّق المعارف تُفلت من المخطّطات القديمة.
غير أنّ هذا الانفتاح لا يحدث تلقائياً. فهو يصطدم بانسداداتٍ بنيوية كبرى, لا سيّما في مجالات الطاقة، والتكنولوجيات الحرجة، والماء، والبنى التحتية، والتحالفات الصناعية. ولا يمكن الحديث جدّياً عن الذكاء الاصطناعي، أو الانتقال التكنولوجي، أو إعادة التصنيع، دون طرح الأسئلة الجوهرية: مَن يتحكّم في الطاقة، ومَن يملك أشباه الموصِّلات، ومَن يتقن سلاسل الإمداد، ومَن يؤمّن المياه، وما هي المدخلات الاستراتيجية، وأيّ موارد إقليمية يمكن أن تشكّل روافعَ جيوسياسية.
وشمال أفريقيا، في هذا المنظور، ليس امتداداً بسيطاً لأوروبا، ولا ملحقاً للشرق الأوسط. بل ينبغي التفكير فيه بوصفه فضاءً استراتيجياً قائماً بذاته، يقع عند تقاطع المغرب الكبير، وأفريقيا جنوب الصحراء، والجوار العربي، والمتوسّط. فلم يعد الأمر يتعلّق بالتفكير في المغرب الكبير من خلال النظرة الأوروبية وحدها، بل في موقعه ضمن عالمٍ تغدو فيه علاقاته مع أفريقيا والشرق الأوسط والجنوب العالمي حاسمةً.
ما العمل؟
السؤال الختامي الذي يخترق نصّ الندوة بأكمله هو سؤال "ما العمل؟". وهو سؤال لم يَلقَ جواباً بسيطاً، ولحسن الحظّ أنّ الأمر كذلك. غير أنّ النقاشات تتيح رسمَ بعض الخطوط العامّة.
ثلاثة خطوط ناظِمة
- تجنّب إغراء الطاولة البيضاء (tabula rasa): فالانهيار الكامل للمؤسّسات لن يفتح آلياً فضاءً لإعادة البناء؛ بل قد يُرسّخ فوضى مديدةً تخرج منها المجتمعات أكثر هشاشةً ممّا كانت عليه.
- رفض نزع الطابع السياسي: فكلّ جهد شبكة PNT، كما تَبدَّى في هذه المائدة المستديرة، يقوم بدقّة على إعادة فتح فضاء الفكر الاستراتيجي الذي لا يتخلّى عن النزاعات، ولا عن علاقات القوى، ولا عن رهانات السيادة، تاركاً إيّاها للتكنوقراط.
- إعادة بناء المشاريع: لا اليوتوبيات المجرّدة ولا الرؤى المستوردة، بل مشاريع متجذّرة، جريئة، قادرة على التعبير المتزامن عن السيادة، والعدالة الاجتماعية، والقدرة الإنتاجية، والاندماج الإقليمي، والأفق التحرّري.
وكلمة "التحرّر"، التي اقتُرحت في الخاتمة، أساسية هنا. فهي تتيح تجاوز البديل العقيم بين الاستسلام التكنوقراطي والبلاغة الراديكالية الفارغة. وتُذكِّرنا بأنّ السؤال المركزي ليس فقط سؤال البقاء، بل سؤال قدرة المجتمعات على أن تستعيد كونها فاعلةً في مسارها الخاصّ.
ها هنا، ربّما، تكمن المهمّة المخصوصة لفضاءٍ من قبيل شبكة السياسات من أجل التحولات: لا إنتاج تعليقٍ آخر على أزمات الحاضر، بل الإسهام في إعادة صياغة شروط النقاش، وتوضيح المفاهيم، وربط رهاناتٍ كثيراً ما تُقدَّم مجزّأةً، وجعلِ ما يُخفيه الخطاب السائد قابلاً للتفكير فيه.
في زمنٍ تتفكّك فيه الأساطير القديمة وتُعمّر فيه الأدوات بعد غاياتها، يعود الفكر الاستراتيجي شرطاً للفعل، ولعلّه، على نحو أكثر جوهريّة، شرطٌ للسيادة ذاتها.
