Search with AI
Dollar Index
Brent Crude
Gold (XAU)
S&P 500
USD / CNY
Shanghai Comp.
السبت, يونيو 13, 2026
DXY
--
GOLD
--
BRENT
--
S&P 500
--
Search with AI
مذكّرة تحليلية · تونس · ماي 2026

الاستقرار تحت الضغط:
المخاطر السياسية والاجتماعية
لتدهورٍ اقتصاديّ كلّي

أزمةٌ صامتةٌ لكنّها بنيويّة. كيف تكشف حرب الشرق الأوسط في ربيع 2026، دون أن تخلقها، الهشاشات البنيوية للاقتصاد التونسي.

انزِل ↓

مقدّمة — أزمةٌ صامتةٌ لكنّها بنيويّة

تجتاز تونس أزمةً كثيرًا ما يُساء وصف طبيعتها العميقة. فالمؤشّرات الرسمية لا تزال توحي بشكلٍ من الاستقرار النسبي: التضخّم يتباطأ قليلًا، واحتياطيّات العملة الصعبة تظلّ عند مستوًى يُعدّ مقبولًا، والبطالة تبدو مستقرّةً نسبيًّا، والمؤسّسات تواصل أداء وظائفها. غير أنّ خلف هذه الحالة الظاهرية من الاعتيادية تتطوّر ديناميكيّةٌ أكثر إثارةً للقلق بكثير: ديناميكيّة إضعافٍ بنيويّ للاقتصاد والدولة وآليّات التماسك الاجتماعي.

إنّ حرب الشرق الأوسط في ربيع 2026 تؤدّي هنا دور الكاشف لا دور السبب الوحيد. فارتفاع أسعار الطاقة، والتوتّرات على المنتجات المكرّرة، والمخاطر اللوجستية حول مضيق هرمز، وتقلّب الأسواق الفلاحية، لا تخلق الهشاشات التونسية؛ بل تكشفها على نحوٍ صارخ. تأتي الصدمة الخارجية في بلدٍ يعاني أصلًا من نموٍّ ضعيف، واستثمارٍ متوقّف، وإنهاكٍ في الموازنة، وأزمةٍ في الحوكمة النقدية، وتبعيّةٍ طاقيّةٍ مرتفعة، وإضعافٍ للوساطات السياسية والاجتماعية. ويمتدّ هذا التشخيص ليكمّل التحليل الذي طوّرناه في مذكّرتنا حول ثمن التبعية الطاقية التونسية في مواجهة صدمة 2026.

إنّ الخطر الرئيسي ليس بالضرورة خطر انهيارٍ مفاجئ. فالسيناريو التونسي على الأرجح أكثر التباسًا وأصعب في الحوكمة: تدهورٌ بطيءٌ يجمع بين الركود الاقتصادي، والإفقار التدريجي، والتضخّم المنتشر، والتفكّك المؤسّسي، وفقدان الثقة. وتنتج هذه الديناميكيّة نوعًا خاصًّا من عدم الاستقرار: مجتمعٌ يبدو هادئًا في سطحه لكنّ قدراته على الصمود المادّي والسياسي تتآكل تدريجيًّا.

وعندئذٍ يصبح السؤال المركزي أقلّ تعلّقًا بالنموّ بمعناه الضيّق وأكثر تعلّقًا باستدامة الاقتصاد التونسي سياسيًّا واجتماعيًّا. إلى أيّ مدًى يمكن لمنظومةٍ أن تعمل بنموٍّ ضعيف، وتبعيّةٍ متزايدة للمديونيّة الداخلية، وخدماتٍ عموميّةٍ مهتزّة، وقدرةٍ شرائيّةٍ تتعرّض لضغطٍ متواصل؟ وما هي المخاطر السياسية لاقتصادٍ لم يعد يوفّر لا حراكًا اجتماعيًّا، ولا أفقًا جماعيًّا، ولا قدرةً على الإدماج الاقتصادي؟

0النموّ المُعلَن
0ارتفاع مديونيّة الأُسَر خلال 10 سنوات
0معدّل الهشاشة الميزانياتية
0من الحاجات الطاقية مستورَدة
I

نموٌّ ضعيفٌ يحجب ركودًا أعمق

من بين أبرز الملاحظات التي تمخّضت عنها النقاشات الاقتصادية الأخيرة الضعفُ الفعلي للنموّ التونسي. تُقدّم الأرقام الرسمية صورةً عن انتعاشٍ طفيف، بنموٍّ سنويٍّ منزلقٍ يدور حول 2,6 %. غير أنّ اقتصاديّين عدّةً يشدّدون على أنّ هذه القراءة مضلّلة.

فالمقارنات تُجرى بالنسبة إلى فتراتٍ كانت أصلًا متراجعة، ممّا ينتج آليًّا آثارًا إحصائيّةً للّحاق بالركب. وفي الواقع، توحي المعطيات القطاعية والنقدية بركودٍ أعمق بكثير. فلا يزال الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي للفرد دون مستواه السابق لجائحة كوفيد-191. كما تظلّ واردات تجهيزات الإنتاج — التي كثيرًا ما تُعدّ مؤشّرًا استباقيًّا للاستثمار المستقبلي — ضعيفةً وبعيدةً جدًّا عن المستويات المسجَّلة في سنوات الألفين أو مطلع العشرية الثانية من القرن. بل إنّ البنوك التونسية نفسها تُفيد بأنّها تتلقّى عددًا ضئيلًا جدًّا من مشاريع الاستثمار الخاصّ الجديدة.

يُشكّل هذا التوقّف في الاستثمار على الأرجح الإشارة الأكثر إثارةً للقلق بشأن مستقبل البلاد. فالاقتصاد قد يصمد مؤقّتًا بنموٍّ ضعيف؛ لكنّه يصبح أكثر هشاشةً بكثير حين يكفّ عن الاستثمار في قدراته الإنتاجية المستقبلية. والحال أنّ هذا الضعف يطال في تونس الاستثمارَ العمومي والاستثمارَ الخاصّ في آنٍ واحد.

يظلّ الاستثمار العمومي مُدرَجًا رسميًّا في الموازنات، لكنّ نسب الإنجاز تبقى ضعيفة. فالقيود الميزانياتية تدفع الدولة بانتظامٍ إلى التضحية بنفقات التجهيز للحفاظ على النفقات الجارية، ولا سيّما الأجور والنفقات الاجتماعية. أمّا القطاع الخاصّ، فيتطوّر في مناخٍ من اللايقين يطبعه التباطؤ الاقتصادي، وصعوبة النفاذ إلى التمويل، وضعف الطلب، وفقدان الوضوح السياسي.

وتغذّي هذه الوضعية تدريجيًّا اقتصاد بقاءٍ أكثر منه اقتصاد استشرافٍ للمستقبل. فالمؤسّسات تسعى إلى الحدّ من مخاطرها بدل التوسّع. والأُسَر تقلّص نفقاتها الكمالية. والشبّان من ذوي الكفاءات يفضّلون الهجرة. وعلى المدى المتوسّط، تُنتج هذه المنطق شكلًا من نزع الرسملة الصامت في البلاد، يتجلّى في إفقارٍ تدريجيٍّ للأُسَر، وتآكلٍ للقدرات الإنتاجية، وإفقارٍ متزايد لشريحةٍ واسعة من السكّان.

الرسم البياني 01
الانتعاش الخادع
النموّ المُعلَن للناتج المحلّي الإجمالي والناتج الحقيقي للفرد، الأساس 100 = 2019. لم يستعد منحنى الدخل الفردي قطّ مستواه السابق للجائحة: خلف «الانتعاش»، خطُّ حياةٍ يظلّ تحت السطح.
المصدر: المعهد الوطني للإحصاء (INS)، الحسابات القومية الفصلية 2025-2026.
II

القدرة الشرائية، البؤرة المركزية للأزمة الاجتماعية

تظلّ القناة الرئيسية لانتقال الأزمة الاقتصادية إلى المجتمع التونسي هي القدرة الشرائية. فقد تباطأ التضخّم الرسمي مقارنةً بالذُّرى التي شُهِدت بعد الحرب في أوكرانيا، لكنّ هذا التباطؤ يحجب اختلالاتٍ مهمّةً عدّة.

أوّلًا، يظلّ جزءٌ مهمّ من الأسعار خاضعًا للتسعير الإداري. فأسعار بعض المنتجات الأساسية — المحروقات والخبز ومشتقّات الحليب أو اللحوم — مؤطَّرةٌ أو مدعومةٌ جزئيًّا، ممّا يخفّض اصطناعيًّا بعض المؤشّرات الرسمية. ثمّ إنّ اقتصاديّين عدّةً يشدّدون على أنّ السلّة المعتمَدة لقياس التضخّم لم تعد تطابق فعليًّا أنماط استهلاك الأُسَر التونسية. لذلك يظلّ الإدراك الاجتماعي للتضخّم أعلى بكثير من الأرقام الرسمية.

ويتعزّز هذا الإدراك بتحوّلٍ عميقٍ في السلوكيّات الغذائية والاستهلاكية. فيلاحظ مراقبون عدّةٌ أنّ الإفقار التدريجي يدفع شريحةً متزايدةً من الأُسَر نحو منتجاتٍ أقلّ كلفةً لكن أقلّ قيمةً غذائيّةً أيضًا. فيتراجع استهلاك البروتينات الحيوانية بينما يرتفع استهلاك المنتجات الحبوبية2. وهذا التطوّر ليس اقتصاديًّا فحسب؛ بل يصبح أنثروبولوجيًّا وسياسيًّا. فالمجتمع الذي تقلّص فيه الطبقات الوسطى جودة حياتها تدريجيًّا كثيرًا ما يطوّر شعورًا بالتراجع الطبقي أكثر تفجّرًا ممّا هو عليه في سياقات الفقر القديم.

وتمسّ أزمة القدرة الشرائية أيضًا العلاقة بين المواطنين والمؤسّسات. فالخدمات العمومية تتدهور في الوقت الذي يظلّ فيه الضغط الجبائي مرتفعًا. ولدى الأُسَر شعورٌ بأنّها تدفع أكثر لتتلقّى أقلّ: جودةً أقلّ في التعليم، ونجاعةً أقلّ في النقل، وقدرةً استشفائيّةً أقلّ، وبنًى تحتيّةً حضريّةً أقلّ.

يتوقّف هذا الاستقرار الاجتماعي إلى حدٍّ بعيد على آليّاتٍ تعويضيّةٍ غير رسمية: التضامن العائلي، وتحويلات الجالية، والاقتصاد الموازي، والقرض الخاصّ، والإبقاء على بعض أشكال الدعم. غير أنّ هذه الآليّات تتعرّض للإضعاف بفعل التصاعد القوي لمديونيّة الأُسَر: فبحسب دراسةٍ حديثة لمعهد المؤسّسة العربية لمديري المؤسّسات (IACE)، ارتفع متوسّط المديونيّة بنحو 66 % في عشر سنوات، رافعًا معدّل الهشاشة الميزانياتية إلى نحو 171 % ومقلّصًا بشكلٍ كبير هوامش مناورة الأُسَر3. والحال أنّ هذه الآليّات نفسها بدأت تُظهر علامات إنهاك.

الرسم البياني 02
انقلاب السلّة الغذائية
تركيبة السلّة تحت القيد الميزانياتي. كلّما انضغطت القدرة الشرائية انزلق الثقل من البروتينات الحيوانية نحو الحبوب — تحوّلٌ أنثروبولوجيٌّ بقدر ما هو اقتصادي.
المصدر: منظّمة الأمم المتّحدة للأغذية والزراعة (FAO)، واردات الحبوب والمدخلات الفلاحية في شمال إفريقيا، 2024-2025.
III

أزمة الثقة النقدية وتآكل الثقة الاقتصادية

من أبرز ظواهر الفترة الأخيرة تصاعد أزمة ثقةٍ نقديّةٍ منتشرة. وهي لا تتّخذ شكل ذُعرٍ بنكيٍّ مكشوف، بل شكل فقدانٍ تدريجيٍّ للثقة في المؤسّسات النقدية والمالية.

يُشكّل التصاعد القوي للنقد المتداول إشارةً مهمّة4. فالأوراق والقطع النقدية تمثّل اليوم حصّةً مرتفعةً على نحوٍ غير معتاد من الكتلة النقدية. ويترجم هذا الارتفاع ديناميكيّاتٍ عدّةً متزامنة: نموّ القطاع الموازي، والريبة تجاه البنوك، والبحث عن حمايةٍ من اللايقين، وتصاعد دوائر الصرف الموازية. ففي مدنٍ تونسيّةٍ عدّة، بات سوق العملة الموازي يعمل اليوم في العلن تقريبًا. وتسعى شريحةٌ متزايدة من الأُسَر إلى الاحتفاظ بمدّخراتها باليورو أو بالدولار بدل الدينار.

وتغذّي هذه الوضعية حلقةً مفرغة. فكلّما تآكلت الثقة في العملة الوطنية تطوّرت سلوكيّات الحماية الفردية. وكلّما تطوّرت هذه السلوكيّات ازداد الضغط على المنظومة النقدية. وفي موازاة ذلك، تصبح البنوك التونسية أكثر فأكثر تبعيّةً لتمويل الدولة. فحصّةٌ متزايدة من أصولها باتت تتكوّن من ديونٍ سياديّة أو من تمويلاتٍ غير مباشرة لمؤسّساتٍ عموميّة متعثّرة. ويقلّص هذا التطوّر آليًّا قدرتها على تمويل الاقتصاد المنتِج.

تواجه المؤسّسات الصغرى والمتوسّطة صعوباتٍ متزايدة في النفاذ إلى القرض. بل إنّ البنوك العمومية نفسها باتت ترفض تمويل بعض المؤسّسات العمومية شديدة المديونيّة. أمّا البنوك الخاصّة، فتعتمد استراتيجيّاتٍ من الحذر المتزايد. وتُنتج هذه الوضعية ظاهرة تفتيتٍ اقتصادي: فالدولة تمتصّ حصّةً متزايدة من الموارد المالية المتاحة بينما يفتقر الاقتصاد المنتِج إلى التمويل. وعلى المدى الطويل، تهدّد هذه الديناميكيّة قدرة المنظومة البنكية التونسية ذاتها على أداء دورها التاريخي في الوساطة الاقتصادية.

الرسم البياني 03
أثر الإزاحة — إلى أين يذهب القرض
حصّة التمويل البنكي التي تستحوذ عليها الدولة والمؤسّسات العمومية على حساب الاقتصاد المنتِج. سنةً بعد أخرى، ينحرف التدفّق من المؤسّسات الصغرى والمتوسّطة نحو الدَّين السيادي.
المصدر: البنك المركزي التونسي (BCT)، الإحصاءات النقدية والمالية، النشرات الشهرية 2024-2026.
IV

التبعية الطاقية بوصفها خطرًا سياسيًّا كبيرًا

تُشكّل التبعية الطاقية التونسية اليوم أحد أبرز نواقل الهشاشة المنظوميّة. فتونس تستورد نحو ثُلثَي حاجاتها الطاقية5.

لا تزال الكهرباء التونسية تعتمد بشكلٍ كثيف على الغاز الطبيعي، المستورد أساسًا من الجزائر عبر ممرّات الغاز المتوسّطية. وهذه التبعية لا تقتصر على مسألةٍ تجارية؛ بل لها بُعدٌ جيوسياسيٌّ مباشر، كما تُجسّده المركزيّتان الاستراتيجيّتان المتباينتان للجزائر والمغرب. وقد ذكّرت أزمة الشرق الأوسط على نحوٍ صارخ بأنّ الطاقة ليست مجرّد مُدخَلٍ اقتصادي بل بنيةٌ تحتيّة سياسية.

إنّ ارتفاعًا مستدامًا لأسعار النفط أو الغاز يُنتج فورًا آثارًا متزامنةً عدّة: تفاقم عجز الموازنة، والضغط على احتياطيّات العملة الصعبة، وارتفاع التكاليف الصناعية، والتضخّم الغذائي عبر المدخلات الفلاحية، والتوتّرات الاجتماعية المرتبطة بالمحروقات والنقل. إنّ المشكلة التونسية تكمن في الأثر التراكمي لهذه الصدمات. فالدولة التونسية لم تعد تملك هوامش الموازنة التي تتيح لها أن تمتصّ على نحوٍ مستدام ارتفاعاتٍ كبيرة في أسعار الطاقة. كما أنّ المؤسّسات العمومية الطاقية — ولا سيّما الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) والشركة التونسية لصناعات التكرير (STIR) — هي نفسها هشّةٌ ماليًّا.

وتُحوّل هذه الوضعية الطاقة تدريجيًّا إلى مسألة استقرارٍ سياسي. فإصلاحٌ صادمٌ للأسعار قد يثير توتّراتٍ اجتماعيّةً كبيرة. لكنّ غياب الإصلاح يفاقم في موازاة ذلك الاختلالات الميزانياتية والمالية. ومن ثَمّ تجد تونس نفسها حبيسةً في منطق إدارةٍ دفاعيّةٍ دائمة.

والمفارقة أنّ البلاد تملك إمكاناتٍ شمسيّةً مهمّة لكنّها تظلّ متأخّرةً جدًّا في تحوّلها الطاقي6. ولا يُفسَّر هذا البطء بقيودٍ تقنيّةٍ وحدها. بل يعكس أيضًا الانسدادات المؤسّسية، وضعف قدرات التخطيط، وغياب عقيدةٍ طاقيّةٍ حقيقيّة تَنظِم السيادة والصناعة والعدالة الاجتماعية — وهو رهانٌ نحلّله بالتفصيل في معرض الحديث عن الشمس التونسية الرهينة لدى امتيازات الطاقة الشمسية.

الرسم البياني 04
موجة الصدمة الطاقية
لا تبقى صدمةُ أسعار الطاقة معزولةً أبدًا. فمن البرميل المستورَد إلى التوتّر الاجتماعي، تُفعّل كلُّ حلقةٍ الحلقةَ التالية — سلسلةٌ متتالية لم تعد موازنة الدولة قادرةً على امتصاصها.
المصدر: المرصد الوطني للطاقة والمناجم (ONEM)، الظرفية الطاقية، وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، 2025-2026.
V

مجتمعٌ أكثر هشاشةً لأنّ الوساطات تضعف

من المخاطر الكبرى للمسار الراهن تحديدًا ألّا يُنتج التدهور الاقتصادي ردّ فعلٍ سياسيٍّ واحدًا، بل ديناميكيّاتٍ عدّةً قد تكون متناقضة.

الفرضية الأولى هي عودة التحرّكات الاجتماعية الكلاسيكية: احتجاجاتٌ ضدّ غلاء المعيشة، وإضراباتٌ قطاعيّة، وتوتّراتٌ حول النُّدرة، واعتراضٌ على ارتفاع الأسعار أو على إصلاحات الدعم. ويُظهر التاريخ التونسي أنّ الأزمات الاقتصادية المطوَّلة كثيرًا ما تنتهي بإنتاج لحظات قطيعةٍ حين تصبح آليّات التعويض غير كافية. فأحداث انتفاضة الخبز سنة 1984، وانتفاضات الحوض المنجمي سنة 2008، وكذلك بعض التحرّكات لما بعد 2011، تذكّر بأنّ المسألة الاجتماعية تظلّ شديدة التفجّر في السياق التونسي.

لكنّ الخطر الثاني أكثر التباسًا وربّما أكثر إثارةً للقلق: خطر تطرّف جزءٍ من أنصار السلطة نفسها. ففي سياقات الركود المطوَّل، حين تتزايد الصعوبات المادّية بينما تحتفظ السلطة بشرعيّةٍ رمزيّة أو أخلاقية لدى جزءٍ من السكّان، قد ينتقل البحث عن المسؤولين تدريجيًّا نحو مجموعاتٍ تُصنَّف بوصفها أعداءً في الداخل.

وهذا المنطق ظاهرٌ بالفعل في بعض شرائح النقاش العمومي التونسي. فكثيرًا ما يُنسَب التدهور الاقتصادي لا إلى انسداداتٍ بنيويّة أو إلى أخطاءٍ في السياسة الاقتصادية، بل إلى فاعلين يُقدَّمون بوصفهم مخرّبين: مضاربون، وشبكات فساد، ومعارضون سياسيّون، ورجال أعمال، وموظّفون متّهمون بعرقلة الإصلاحات، وفاعلون أجانب، ومهاجرون من جنوب الصحراء، أو أقلّياتٌ مختلفة. وفي هذا النوع من التشكيلات، قد يُنتج التدهور الاقتصادي ديناميكيّة استقطابٍ اجتماعي أخطر بكثير من مجرّد احتجاجٍ مناهضٍ للحكومة.

والخطر عندئذٍ هو الانتقال التدريجي من صراعٍ اقتصادي إلى صراعٍ هويّاتيٍّ وعقابي7. ففي سياقاتٍ دوليّةٍ عدّة، أظهرت الأزمات الاقتصادية المطوَّلة أنّها قد تُنتج في آنٍ واحد حركاتٍ اجتماعيّةً ضدّ السلطة وأشكالًا من التطرّف المؤيّد للنظام موجَّهةً ضدّ فئاتٍ متّهمةٍ بالمسؤولية عن الصعوبات الجماعية. وتونس بطبيعة الحال ليست في مثل هذه الوضعية اليوم. لكنّ التآكل الاقتصادي المطوَّل، مقترنًا بإضعاف الوساطات السياسية وبانتشار خطاب تعيين أعداء الداخل، يُشكّل عامل خطرٍ لم يعد ممكنًا تجاهله.

كلّما تقلّصت القدرات المادّية للدولة، أمكن أن يبرز إغراءُ تعويض هذا الضعف بآليّاتٍ رمزيّة للتعبئة السياسية والاستقطاب الاجتماعي.

إنّ الهشاشة التونسية الراهنة لا تنبع من المؤشّرات الاقتصادية وحدها. بل تعود أيضًا إلى الإضعاف التدريجي للآليّات السياسية والاجتماعية القادرة على امتصاص التوتّرات. فطوال عقودٍ عدّة، توفّرت للمجتمع التونسي مؤسّساتٌ وسيطة تؤدّي دور التثبيت: نقاباتٌ قويّة، ومنظّماتٌ مهنيّة، وأحزابٌ سياسيّة، وجمعيّات، وبنًى محلّية، وإداراتٌ ترابيّة. وحتّى حين كانت هذه الفضاءات صداميّةً، فقد كانت تتيح تحويل التوتّرات الاجتماعية إلى مفاوضات.

أمّا اليوم، فيبدو كثيرٌ من هذه الآليّات مُضعَفًا8. فالاتّحاد العامّ التونسي للشغل يحتفظ بثقلٍ رمزيٍّ مهمّ لكنّ دوره في التفاوض الاقتصادي والاجتماعي تقلّص بشدّة. والأحزاب السياسية مُفقَدةٌ المصداقية أو مُهمَّشة. والجماعات المحلّية فقدت جزءًا من استقلاليّتها وقدراتها على الفعل. والمجتمع المدني يعمل في مناخٍ من الضغط المتزايد. لذلك فإنّ الخطر التونسي ليس فقط خطر انفجارٍ اجتماعيٍّ فوريّ. بل هو أيضًا خطر تدهورٍ بطيءٍ في القابلية للحوكمة: فقد تواصل الدولة أداءها إداريًّا بينما تفقد تدريجيًّا قدرتها على إنتاج الرضا.

الرسم البياني 05
نسيج الوساطات الآخذ في التفكّك
كانت المؤسّسات الوسيطة تربط الدولة بالمجتمع وتمتصّ التوتّرات. وكلّما ضعفت الروابط تشتّتت العُقد: لم تعد الإحباطات تُتفاوَض عليها، بل تتراكم.
المصادر: بياتريس إيبو، La force de l'obéissance، دار La Découverte، 2006؛ حمزة المدب، The Cost of Survival، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 2020.
VI

المفارقة السياسية للّحظة التونسية

من خصوصيّات الوضع الراهن الفجوةُ بين تفاقم الهشاشات الاقتصادية والإبقاء النسبي على قدرٍ من الاستقرار السياسي.

يواصل جزءٌ من السكّان دعم السلطة القائمة، لا سيّما لأنّها تحتفظ بصورةٍ من النزاهة ومعارضة النخب السياسية القديمة. غير أنّ هذه الشرعية تقوم على بُعدٍ أخلاقيٍّ ورمزيٍّ أكثر منها على أداءٍ اقتصادي. فالسلطة الحالية لا تزال تستفيد من سرديّةٍ سياسيّة مبنيّةٍ حول مكافحة الفساد، ورفض الأحزاب القديمة، والتنديد بشبكات النفوذ. لكنّ هذا النوع من الشرعية له حدودٌ مادّية.

قد يتحمّل المجتمع صعوباتٍ اقتصاديّةً حين يدرك أفقًا للتحسّن. لكنّه يصبح أكثر اضطرابًا بكثير حين تبدو الصعوبات دائمة، دون أفقٍ جماعيٍّ واضح.

والحال أنّ الخطر التونسي الراهن هو تحديدًا خطر أزمةٍ بلا زمنيّةٍ قابلةٍ للتحديد. فالركود الاقتصادي مستمرٌّ منذ أكثر من عشريّة. ولم تعرف الأجيال الشابّة لا نموًّا قويًّا ولا تحسّنًا حقيقيًّا لسوق الشغل. والخدمات العمومية تتدهور باستمرار. وآفاق الحراك الاجتماعي تتقلّص. وتغذّي هذه الوضعية تدريجيًّا إرهاقًا سياسيًّا منتشرًا. ولا يعني تآكل القاعدة الشعبية للسلطة بالضرورة بروزًا فوريًّا لبديلٍ سياسيٍّ منظَّم. بل قد يُنتج أيضًا شكلًا من فكّ الارتباط الجماعي، والانسحاب الاجتماعي، وتفتيت السلوكيّات.

VII

خطر اقتصاد النُّدرة

يشدّد اقتصاديّون تونسيّون عدّة على أنّ آليّة التعديل الرئيسية الراهنة لم تعد فعليًّا هي الإصلاح الاقتصادي بل النُّدرة9.

وهذا المنطق ليس جديدًا في التاريخ التونسي الحديث، لكنّه يميل إلى التعمّم. فحين تصبح الموارد الميزانياتية غير كافيةٍ لدعم الدعم والواردات والمؤسّسات العمومية والتوازنات المالية في آنٍ واحد، تبدأ المنظومة في التعديل عبر النُّدرة: نُدرةٌ ظرفيّة لبعض المنتجات، وتأخّرٌ في الدفع، وتدهورٌ في البنى التحتية، وترشيدٌ ضمنيٌّ للقرض، أو تقليصٌ صامت لبعض الخدمات.

وخطر هذا النمط من التعديل أنّه يُضعِف تدريجيًّا الثقة الجماعية. فالمجتمع قد يحتمل إصلاحاتٍ صعبة حين تكون متماسكةً وواضحة. لكنّه يحتمل بصعوبةٍ أكبر بكثير تدهورًا منتشرًا وفوضويًّا. لذلك فإنّ الخطر السياسي الكبير ليس فقط خطر مظاهراتٍ حاشدة أو صدمةٍ صادمة. بل يكمن أيضًا في التطبيع التدريجي لشعورٍ بخللٍ دائم. فحين تصبح النُّدرة والانقطاعات والتأخّرات والتدهورات أمرًا معتادًا، يكفّ المواطنون تدريجيًّا عن إدراك الدولة بوصفها قادرةً على تنظيم المستقبل الجماعي.

VIII

صندوق النقد الدولي عَرَضًا بقدر ما هو حلّ

باتت مسألة العودة المحتملة إلى اتّفاقٍ مع صندوق النقد الدولي تخترق مجمل النقاشات الاقتصادية التونسية. لكنّ هذه المسألة كثيرًا ما تُطرح طرحًا خاطئًا.

فصندوق النقد ليس مجرّد مموِّل؛ بل يمثّل أيضًا آليّةً لإضفاء المصداقية الخارجية. فاتّفاقٌ مع الصندوق قد يُيسّر النفاذ إلى تمويلاتٍ دوليّةٍ أخرى، ويخفّف بعض الضغوط على احتياطيّات العملة الصعبة، ويحسّن مؤقّتًا الوضوح المالي للبلاد10. غير أنّ التجارب الماضية أضعفت بعمقٍ الشرعية السياسية لبرامج التعديل. فجزءٌ مهمّ من المجتمع التونسي بات يربط الإصلاحات المدعومة من الصندوق بارتفاع الأسعار، وتقليص الحمايات الاجتماعية، وتفاقم اللامساواة.

إذن، المشكلة التونسية ليست اقتصاديّةً فحسب؛ بل هي سياسيّةٌ أيضًا. فبرنامج الإصلاح لا يمكن أن يكون مستدامًا إلّا إذا وُجِدت آليّاتُ تعويضٍ ذات مصداقية، ومؤسّساتٌ قادرة على التفاوض بشأن المفاضلات، وإدراكٌ أدنى للعدالة في توزيع الكلفة. والحال أنّ هذا تحديدًا ما يَنقُص اليوم. فمن دون إعادة بناء الوساطات الاجتماعية ومن دون استراتيجيّةٍ اقتصاديّةٍ واضحة، قد يُنظَر إلى أيّ اتّفاقٍ محتمل مع صندوق النقد بوصفه مجرّد تصديرٍ للقيود الميزانياتية.

الرسم البياني 06
التصوير الشعاعي للمنظومة
سبعة محاور للهشاشة، ونسيجٌ واحد. لا يكفي أيٌّ منها بمعزلٍ لإحداث القطيعة — لكنّ تراكبها يقلّص مساحة صمود المنظومة التونسية. ينبسط المضلّع مع تواصل التمرير.
تركيب من إعداد PNT انطلاقًا من المصادر المذكورة؛ ورشة «حرب الشرق الأوسط بوصفها كاشفًا للهشاشات البنيوية للاقتصاد التونسي»، باريس، ماي 2026.
— الركود —
✕ الخروج
انقر للدخول · عجلة الفأرة / الأسهم للتقدّم · ESC للخروج

خاتمة — مسألة القابلية للحوكمة

تتجاوز الأزمة التونسية الراهنة إلى حدٍّ بعيد المقولات التقليدية للتحليل الاقتصادي الكلّي. فالرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على العجوزات أو الدَّين أو النموّ. بل يتعلّق بقدرة الدولة والمجتمع على الحفاظ على حدٍّ أدنى من التماسك والاستشراف الجماعي في سياقٍ من الهشاشات المتراكمة.

تدخل تونس تدريجيًّا منطقة خطرٍ يطبعها اجتماع ديناميكيّاتٍ عدّة: ركودٌ اقتصاديٌّ مستدام، وتبعيّةٌ طاقيّة، وهشاشةٌ غذائيّة، وإضعافٌ للمنظومة البنكية، وأزمة ثقةٍ نقديّة، وتآكلٌ للخدمات العمومية، وتفتيتٌ للوساطات السياسية. ويكمن الخطر الرئيسي في الطابع المنظومي لهذه الهشاشات. فلا يكفي أيٌّ منها بمعزلٍ لإحداث قطيعةٍ كبرى. لكنّ اجتماعها يقلّص تدريجيًّا قدرات صمود المنظومة التونسية.

وهكذا قد يحجب الاستقرار الظاهري للّحظة الراهنة تراكمًا صامتًا للتوتّرات الاقتصادية والاجتماعية. لذلك فإنّ التحدّي الاستراتيجي بالنسبة إلى تونس لا يقتصر على استعادة النموّ. بل يكمن في إعادة بناء قدراتٍ جماعيّة على الحوكمة في عالمٍ تطبعه الصدمات الطاقية والمناخية والجيوسياسية. ويفترض ذلك إعادة التفكير في آنٍ واحد في السياسة الطاقية، وتمويل الدولة، والحمايات الاجتماعية، والتحوّل الإنتاجي، وآليّات الوساطة السياسية.

لم تعد المسألة التونسية اقتصاديّةً فحسب. بل أصبحت مسألة الاستدامة السياسية للاقتصاد ذاته.

الهوامش

  1. المعهد الوطني للإحصاء (INS)، الحسابات القومية الفصلية ومؤشّرات سوق الشغل، 2025-2026.
  2. منظّمة الأمم المتّحدة للأغذية والزراعة (FAO)، معطيات حول واردات الحبوب والمدخلات الفلاحية في شمال إفريقيا، 2024-2025.
  3. المؤسّسة العربية لمديري المؤسّسات (IACE)، المديونيّة المفرطة للأُسَر: التشخيص والرهانات والحلول في تونس، 2026.
  4. البنك المركزي التونسي (BCT)، الإحصاءات النقدية والمالية، النشرات الشهرية 2024-2026.
  5. المرصد الوطني للطاقة والمناجم (ONEM)، الظرفية الطاقية، وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، 2025-2026.
  6. المرجع نفسه. انظر أيضًا مذكّرتنا الشمس رهينة.
  7. داني رودريك، The Globalization Paradox، Oxford University Press، 2011؛ ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات، How Democracies Die، Crown، 2018.
  8. بياتريس إيبو، La force de l'obéissance. Économie politique de la répression en Tunisie، دار La Découverte، 2006؛ حمزة المدب، The Cost of Survival: Political Clientelism and Social Contestation in Tunisia، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 2020.
  9. معطيات ونقاشات ومداخلات المشاركين في ورشة PNT «حرب الشرق الأوسط بوصفها كاشفًا للهشاشات البنيوية للاقتصاد التونسي»، باريس، ماي 2026.
  10. صندوق النقد الدولي (FMI)، Tunisia: Article IV Consultation، واشنطن، 2024.