Search with AI
Dollar Index
Brent Crude
Gold (XAU)
S&P 500
USD / CNY
Shanghai Comp.
السبت, يونيو 13, 2026
DXY
--
GOLD
--
BRENT
--
S&P 500
--
Search with AI
مقالات · الشعبوية · تونس والعالم
مقالات

«الدولة المُهدورة» : الشعبوية التونسية واللحظة «الرجعية العالمية»

ليست تونس استثناءً، بل نسخة محلية من نمطٍ بات أكثر الأنماط السياسية هيمنةً في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين؛ غير أن شعبويةً بلا موارد لا تُنتج سوى دولة تزداد قمعاً وعجزاً في آنٍ واحد.

النوعمقال تحليلي مقارن
الكاتبأحمد نظيف
المفهوم المحوري«الدولة المُهدورة»
مقدمة

غالباً ما تتحدى تقلبات السلطة التوقعات، كما تجلى ذلك ليلة الخامس والعشرين من جويلية 2021 عندما قرر قيس سعيد قلب النظام من داخله.

في جوهرها، تعكس هذه الظاهرة تغليب عنصر الصدفة على عنصر الحتمية، وتعكس على نطاقٍ غير مدروس بشكل كافٍ، كيف أن الأنظمة لا تسقط في الغالب بسبب مخططات كبرى، بل بسبب سحر التوقيت، حيث يحظى مزيج القوة الغاشمة والخداع في لحظة ما بتصفيق المحكومين المنهكين. لكن المفارقة التونسية تكمن في التشخيص، رغم بعد الزمن اليوم عن تلك اللحظة. فقد لجأ معظم المحللين في الداخل والخارج إلى التفسيرات المألوفة، من تشرذم الأحزاب، وفساد الائتلافات التي هيمنت عليها حركة النهضة، والإخفاق المدوّي للحكومات ما بعد الثورة، في ترجمة التعددية السياسية إلى تحسين اقتصادي.

لكن هذه العوامل المحلية، وإن كانت وجيهةً كلها، تظل قاصرةً قصوراً جذرياً في تفسير ما وقع وخاصة تفسير كيف صمد نظام سعيد حتى اليوم. فسعيد هو حتماً نتاج مسار تونسي، غير أن الشكل الذي اتخذته سياساته، وقواعد صعوده وتوطيد حكمه، تنتمي بالقدر ذاته إلى لحظة عالمية. وهو بهذا المعنى ليس استثناءً، بل نسخة محلية من نمط بات أحد أكثر الأنماط السياسية شيوعاً وهيمنةً خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. نمط الشعبوي الاستبدادي الذي يصعد عبر القنوات الديمقراطية، ويدّعي علاقة مباشرة وغير مُوسَّطة بالإرادة السيادية لـ«الشعب»، ثم يمضي بمنهجية، إلى تفكيك البنية المؤسسية التي أتاحت صعوده أصلاً.

دونالد ترامب وجورجيا ميلوني وفيكتور أوربان وجاير بولسونارو جميعهم ينتمون إلى سياقات وطنية بالغة التباين، ويوظّفون موارد مؤسسية وخامات ثقافية مختلفة اختلافاً جذرياً. ومع ذلك تجمعهم منهجية واحدة في الحكم تقوم على منطق التراجع والمطالبة باستعادة نقاء أفسده النخبويون والغرباء أو آلة الليبرالية الفاسدة بالذات. وقيس سعيد ليس بعيداً عن النهج. مع أن السياق التونسي المتهالك والمُفقَّر والمتفكك بنيوياً الذي يعمل فيه يمنح هذا المنطق مرارةً وإلحاحاً خاصين.

لذلك تسعى هذه المقالة - دون ادعاء يقين - أن تضع تونس ضمن هذا الإطار المقارن، وتفحص الشروط البنيوية التي أفرزت صعود سعيد، والميكانيزمات الأيديولوجية لشعبويته، والسمات المحددة لحكمه. وبمقارنة سعيد بنظرائه الشعبويين في العالم، تُحدِّد المنطق البلاغي والبنيوي المشترك، مع تتبع التجلي التونسي الخاص لهذه المنطق. وغايتها الدفاع عن مفهوم «الدولة المُهدَورة» لوصف الحالة التونسية الراهنة، كبلد مرَّ بمرحلة انتقال دون أن يُصاحبه التحوّل الاقتصادي اللازم لتثبيته، وقد دخل منذ صيف 2021 في مرحلة من الركود الاستبدادي والانجراف الاقتصادي والتحلل المؤسسي المتسارع.

الأطروحة المركزية · «الدولة المُهدورة»

قيس سعيد ليس استثناءً، بل نسخة مُشكَّلة تحديداً بالشروط المادية والمؤسسية لمجتمع عربي إفريقي في سياق انتقالي، يعاني اقتصادياً وقد استُنفد سياسياً. والدولة المُهدَورة هي الحصيلة المحددة لشعبوية لا موارد لها: تنتج، مع مرور الوقت، دولة تزداد قمعاً وعجزاً في الوقت ذاته.

01 — الاستثناء الذي لا يُستثنى

الشروط البنيوية للموجة الشعبوية العالمية

أدت هيمنة النظرة «المحلوية» الضيقة إلى تجاهل قراءة قيس سعيد في ضوء رؤية عالمية أوسع للموجة الشعبوية خلال العقد الماضي، والتي لم تأتِ من فراغ. فقد نشأت من منظومة شروط، اقتصادية وثقافية وسياسية، تقاطعت عبر سياقات وطنية بالغة الاختلاف لتُنتج نمطاً سياسياً متشابهاً في خطوطه العريضة. فقد كشفت الأزمة المالية عام 2008 عن هشاشة المصفوفة النيولبيرالية، التي هيمنت ما بعد الحرب الباردة، وولّدت شعوراً مديداً بالهشاشة الاقتصادية في أوساط شعوب أُقنعت بأن السوق ستُحقق لها الرخاء. حيث دفعت سياسات إزالة الصناعة في الغرب الأوسط الأمريكي والتقشف في جنوب أوروبا والأجور الراكدة في معظم العالم الغربي إلى تطور مناخات خصبة لمشاعر السخط المناهضة للنظام، والتي تدور حول الاقتناع الضبابي الشائع بأن المؤسسات القائمة مُوجَّهة لصالح النخب وعاجزة عن خدمة الناس العاديين. وقد أظهرت الاستطلاعات العالمية لرصد هذا الشعور أن الشعوب في أكثر من بلدٍ ديمقراطي ليبرالي أبدت استعداداً لدعم قادة يجاهرون بكسر القواعد القانونية والمؤسسية من أجل الإصلاح والتغيير، وهو شعور ظل مرتفعاً بصورة لافتة منذ عام 2016، ممتداً إلى ما هو أبعد بكثير من الولايات المتحدة.

ولا يقل البُعد الثقافي في هذا السياق أهمية. حيث باتت سياسات الهوية، كالانتماء والخوف من التحول الديموغرافي والثقافي، محاور مركزية للصراع السياسي في مجتمعات كثيرة. يُصوِّر الشعبويون الاستبداديون العالمَ صراعاً بين فريقين متحددَّي المعالم، جماعة فاضلة وجماعة شريرة محضة، تُحمَّل الأخيرة مسؤولية المشكلات المجتمعية وتُتخذ منها كبش فداء. ويتباين التركيب المحدد لهذه الجماعات بحسب السياق. في أمريكا ترامب هم المهاجرون و«العولميون»، وفي إيطاليا ميلوني هم المهاجرون وبيروقراطيو بروكسل، وفي المجر أوربان هم سوروس والمثقفون الليبراليون، وفي تونس سعيد هم الأحزاب الفاسدة و«العملاء والخونة» والمهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء، غير أن المنطق البنيوي واحد، وهو البحث عن «كبش فداء» لتحميله مسؤولية الأزمة.

أما البُعد السياسي فيتجلى في عقود من صفقات النخب ومن تقارب الأحزاب نحو الوسط، أدّى إلى طمس التباين الأيديولوجي بين الأحزاب والتيارات السياسية وإلى غلبة نوع من الانتهازية السياسية، ومن برلمانات بدت أكثر انشغالاً بتوزيع المحسوبية من الاهتمام بهموم الناس. وقد ولّدت هذه الديناميكيات أزمة تمثيل استغلها الوافدون الشعبويون من خارج المنظومة. وفقاً لبيانات الباروميتر العربي والأفروباروميتر، كانت الديمقراطية تحظى بدعم أكثر من ثلثَي التونسيين بحلول عام 2021، في حين تراجعت نسبة الثقة بالأحزاب السياسية إلى 13 بالمئة وبالبرلمان إلى 9 بالمئة، وهو تصوير واضح لما أسماه عالم السياسة بيتر ماير «حكم الفراغ»، وهي الحالة التي تبقى فيها المؤسسات الديمقراطية قائمة شكلياً بينما تتبخر شرعيتها الشعبية.

تخطيط تحليلي · «حكم الفراغ»
المؤسسات الديمقراطية قائمة شكلياً بينما تتبخر شرعيتها الشعبية
وفقاً لبيانات الباروميتر العربي والأفروباروميتر، كانت الديمقراطية بحلول 2021 تحظى بدعم أكثر من ثلثَي التونسيين، في حين تراجعت نسبة الثقة بالأحزاب السياسية إلى 13 بالمئة وبالبرلمان إلى 9 بالمئة. وهو تصوير واضح لما أسماه عالم السياسة بيتر ماير «حكم الفراغ»، وهي الحالة التي تبقى فيها المؤسسات الديمقراطية قائمة شكلياً بينما تتبخر شرعيتها الشعبية. هذا الفراغ هو ما استغله الوافد الشعبوي من خارج المنظومة.
دعم مبدأ الديمقراطية الثقة في الأحزاب والبرلمان

المصدر. الباروميتر العربي والأفروباروميتر (2021): دعم الديمقراطية فوق 66%، الثقة بالأحزاب 13%، الثقة بالبرلمان 9%.

من تايوان إلى كرواتيا، شهد عام 2024 وحده أشد تآكل للديمقراطية منذ نهاية الحرب الباردة، مع تقدم التشكيلات الشعبوية اليمينية عبر أوروبا وما وراءها، مدفوعةً بمشاعر مناهضة للهجرة وتشكيكٍ في الوحدة الأوروبية واحتقار شامل للنخبة. فتحت هنغاريا أوربان الطريق بتفكيك المؤسسات الديمقراطية وبناء نموذج اقتصادي يُديم قبضته على السلطة، في حين اتسمت حكومة ميلوني بمزيج من البراغماتية على الصعيد الأوروبي والتوجهات غير الليبرالية في الداخل، وهو قالب يجري تكراره، بتعديلات محلية، في أرجاء العالم. والأهم من ذلك أن ما تشترك فيه هذه الحركات ليس مجرد أسلوباً انتخابياً أو خطابياً. لكنها تشترك في نظرية جديدة للحكم، تُحدِّد الشرعية حصراً في الإرادة المباشرة لـ«الشعب» (ككيان متخيل) كما يجسّدها زعيم واحد، وتعتبر المؤسسات الوسيطة، عقبات فاسدة لا مكونات أساسية للحوكمة الديمقراطية.

02 — منظور مقارن

سعيد بين ترامب وميلوني وأوربان وتبّون

في المنظور المقارن تتجلى الدلالة الكاملة لسياسات سعيد، في كونه ليس استثناءً. بقدر ما هو نسخة مُشكَّلة تحديداً بالشروط المادية والمؤسسية لمجتمع عربي إفريقي في سياق انتقالي، يعاني اقتصادياً وقد استُنفد سياسياً. وأوضح المقارنات البنيوية هي مع دونالد ترامب، رغم الاختلافات السياقية الجذرية بينهما. كلاهما يُقدِّم نفسه قادماً من خارج الطبقة السياسية لتفكيك منظومة فاسدة نيابةً عن شعب مخذول. وكلاهما يستخدم لغة الطوارئ، القائمة على فكرة أن الحالة بلغت من الخطورة حداً يستوجب تعليق القيود المؤسسية العادية، لشرعنة تمركز السلطة في يده. وكلاهما جعل نظريات المؤامرة أداةً إستراتيجية للحكم لا تكتيكاً سياسياً هامشياً. تُصوِّر شعبوية ترامب الاستبدادية العالمَ صراعاً بين جماعة فاضلة وأخرى شريرة محضة، وتُغذي حالات الهلع الأخلاقي لتبرير الإجراءات السلطوية، مستخدماً على نحو دائمٍ ذريعة التهديد الوجودي المُتصوَّر لتسويغ أفعال كانت ستكون مرفوضةً من الجمهور في أحوال أخرى.

لكن الفارق هو السياق المؤسسي. يتحرك ترامب داخل نظام دستوري يتميز بضوابط وتوازنات راسخة، ولذلك فشل خلال ولايته الأولى في تقويض النظام. أما سعيد فيتحرك داخل حالة ما بعد انتقالية كانت بحلول 2021 قد وهنت بالفعل، حيث فشلت النخب السياسية في بناء أحزاب قادرة على تحويل التحرر السياسي إلى حوكمة جيدة وتطور اقتصادي، مما حرم البلاد من أي رادع لوقف زحفه. فحيث أُبطئ ترامب، لم يُبطَأ سعيد. ولذلك فإن المنطق ذاته أنتج نتائج بالغة الاختلاف لأن التربة المؤسسية كانت مختلفة اختلافاً جذرياً.

تُضيء مسيرة رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني بُعداً آخر في سياسات قيس سعيد، يقوم على إعادة تأهيل تقليد تيارٍ سياسي بوصفه قوة سياسية «جديدة» وشرعية. وهي كبقية زعماء اليمين الشعبوي تستخدم دليل تشغيل معادٍ للحقوق مع سياسات مناهضة للهجرة وانعزالية، يجد جذوره في الحركة الفاشية الإيطالية. وقد قدّمت هذا التقليد بوصفه التعبير الأصيل عن الهوية الإيطالية في مواجهة الإجماع الليبرالي المعولم. في تونس يُؤدي سعيد عملية إعادة تأهيل مماثلة. فسياساته متجذرة في رؤية انعزالية للهوية التونسية «الأصيلة». ولذلك ليس غريباً هذا الانسجام الكبير بين ميلوني وسعيد بشأن ملف الهجرة، فالتنسيق في هذا الملف لا ينطوي على مصالح اقتصادية وجيوسياسية مشتركة فحسب، بل أيضاً على تطابق الرؤية الإيديولوجية والثقافية حول مسألة أصالة الهوية والتهديدات التي تطالها من «المهاجرين الغرباء».

وربما تكون المقارنة مع رئيس الوزراء المجري السابق، فيكتور أوربان الأكثر إضاءةً لفهم الاستراتيجية المؤسسية لقيس سعيد. طوّر أوربان، عبر أكثر من عقد في السلطة، نموذجاً منهجياً لتفكيك المؤسسات الديمقراطية مع الإبقاء على الغلاف الإجرائي الشكلي للانتخابات والحوكمة الدستورية. مهّدت المجر في عهد أوربان الطريق بتفكيك المؤسسات وبناء نموذج اقتصادي يُديم قبضته على السلطة، والحصيلة بعد كل هذه السنوات نظام استبدادي ومجتمع مقيد وهش اقتصادياً.

يكشف البُعد العالمي للشعبوية التونسية عن إحدى أشد سمات اللحظة الشعبوية العالمية إثارةً للقلق، وهو استعداد «الديمقراطيات الغربية» لاحتضان الأنظمة الاستبدادية ودعمها حين تخدم تلك الأنظمة مصالحها الجيوسياسية. فمنذ 2021، حذَّرت المؤسسات الأوروبية من أن انهيار تونس جراء التخلف عن سداد ديونها قد يُؤدي إلى موجات هجرة نحو دول الاتحاد الأوروبي وزعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهو تحذير يُصوِّر أزمة تونس بالدرجة الأولى كمشكلةَ إدارة هجرة أوروبية. وهو ما يفسر الصفقة التي أتت لاحقاً، عندما أسقطت الحكومات الأوروبية، بقيادة إيطاليا ميلوني، فعلياً الاشتراطات الحقوقية مقابل التعاون في ملف الهجرة.

«فحيث أُبطئ ترامب، لم يُبطَأ سعيد. ولذلك فإن المنطق ذاته أنتج نتائج بالغة الاختلاف لأن التربة المؤسسية كانت مختلفة اختلافاً جذرياً».

لكن وجه المقارنة مع الحالة الجزائرية يبدو أكثر دلالةً بسبب القرب الثقافي والجغرافي. وصل عبد المجيد تبون إلى السلطة عام 2019 إثر انهيار نظام بوتفليقة تحت وطأة ضغوط الحراك الشعبي، مُقدِّماً نفسه تجسيداً لـ«جزائر جديدة»، وهو وعد شعبوي كلاسيكي بالخلاص الشخصي لنظام مُعطَّل بنيوياً منذ عقود. وهو وعد يتطابق مع وعد سعيد التاريخي عشية استفتاء دستور جويلية 2022. وظّف الرجلان خطاباً شعبوياً مناهضاً للنخبة لإيصال مشروع لا يتجاوز في حقيقته الحفاظ على هياكل السلطة القائمة وتعزيزها تحت روايات شرعنة جديدة.

لكن الفارق الحاسم بين الحالتين يكمن في الوسادة الاقتصادية. تمتلك الجزائر عائدات هيدروكربونية ضخمة تُمكِّن النظام من شراء السلم الاجتماعي عبر الدعم والتوظيف في القطاع العام والتحويلات الاجتماعية. حيث تتجاوز عائدات صادرات الطاقة 90 بالمئة من إيرادات البلاد، فيما تُشكِّل ما يزيد على 60 بالمئة من إيرادات الحكومة، وهي وسادة ريعية لا يملكها سعيد ولا يستطيع صنعها. لذلك فإن تبون بهذا المعنى قابل للاستدامة بطرق لا يملكها سعيد. فالرئيس التونسي دائماً يظل مجبراً للحفاظ على جاذبيته الشعبوية دون امتلاك الموارد المادية اللازمة لدعمها، مما يدفعه نحو التصعيد الخطابي الشعبوي، وفي مسار موازٍ تصعيد القمع بأشكاله الصلبة والناعمة.

تخطيط تحليلي · «الوسادة الريعية»
تبّون قابل للاستدامة بطرق لا يملكها سعيد
الفارق الحاسم بين الحالتين يكمن في الوسادة الاقتصادية. تمتلك الجزائر عائدات هيدروكربونية ضخمة تُمكِّن النظام من شراء السلم الاجتماعي، وهي وسادة ريعية لا يملكها سعيد ولا يستطيع صنعها. لذلك يظل الرئيس التونسي مجبراً للحفاظ على جاذبيته الشعبوية دون امتلاك الموارد المادية اللازمة لدعمها، مما يدفعه نحو التصعيد الخطابي الشعبوي، وفي مسار موازٍ تصعيد القمع بأشكاله الصلبة والناعمة.

القراءة. في الجزائر تتجاوز عائدات صادرات الطاقة 90% من إيرادات البلاد، وتُشكِّل ما يزيد على 60% من إيرادات الحكومة، وهي وسادة لا يملكها سعيد ولا يستطيع صنعها.

03 — الدولة المُهدَورة

دولةٌ عبرت العتبة دون أن تبني الأساس

كيف نُسمّي الحالة التونسية الراهنة؟ تقدّم علوم السياسة خيارات عدة. البعض يفضل «التراجع الديمقراطي» مع أنه يصف العملية لا الوجهة. والبعض يستعمل «الترسيخ الاستبدادي»، الذي يوحي بدرجة من القدرة التنظيمية والديمومة قد لا يمتلكها نظام قيس سعيد. وأكثر المتشائمين يستعمل مفهوم «الدولة الفاشلة»، والذي يبدو في الحالة التونسية سابقاً لأوانه، وهو في أي حال يصف ظاهرة مختلفة، عن انهيار الوظائف الدولتية الأساسية، لم تبلغها تونس بعد. أما «النظام الهجين»، فهو توصيف يستوعب الإبقاء الشكلي على بعض الإجراءات الديمقراطية ضمن إطار استبدادي لكنه يُفوِّت الطابع الديناميكي للحظة الراهنة، أي ذلك الإحساس بالتدهور المستمر والمتسارع.

تقترح هذه الورقة مفهوم «الدولة المُهدَورة» لاستيعاب الحالة التونسية بشكل أكثر تحديداً. وهي دولة عبرت عتبة تاريخية حرجة (في الحالة التونسية المرحلة الانتقالية بين 2011 و2019) دون أن تبني الأسس الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية اللازمة لجعل ذلك العبور لا رجعة فيه. فقد استُخدمت الدولة في المرحلة الانتقالية وسيلةً للتنافس السياسي لا لبناء مؤسسي، واستُنزفت الموارد في الصراع الحزبي، وأخفق الاقتصاد في توليد النمو الكفيل بمنح الديمقراطية أساساً مادياً. وحين جاءت الأزمة السياسية وجدت جميع الشروط المُهيِّئة للاستعادة الاستبدادية، وأهدرت فرصتها التاريخية في التحول. وتتسم الدولة المُهدَورة بسمات عدة.

أولاً، التحلل المؤسسي، وهو التفكيك التدريجي للضوابط والتوازنات، وتكبيل الهيئات المستقلة، وإخضاع القضاء للسلطة التنفيذية، وإلغاء الرقابة التشريعية الحقيقية. وقد نجح سعيد في تحقيق كل ذلك. وثانياً، الركود الاقتصادي دون تحول هيكلي، حيث تُحافظ الدولة على نظام واسع من الدعم والتوظيف في القطاع العام، لا بوصفه سياسة اجتماعية بل آليةً لتهدئة سياسية، في حين يتعطل التحول البنيوي للاقتصاد بفعل تكاليفه السياسية على قاعدة النظام. وتُجسِّد تونس هذه المقايضة بدقةٍ. وثالثاً، تأميم العمل المدني، من خلال توظيف الأدوات القانونية لقمع الصحافة والمعارضة والمجتمع المدني، بالاستعاضة عن الفضاء العام التعددي للمرحلة الانتقالية ببيئة معلوماتية مُدارة تسودها الرقابة الذاتية والخوف. ورابعاً، وفي أشد ميزاتها خصوصية، تتسم الدولة المُهدَورة بالضياع، أي غياب أي مشروع متماسك للمستقبل لا يقدم رؤية واضحة للدولة فقط، بل أملاً للناس. فكّك سعيد النظام دون أن يُعدَّ ما يحل محله. وبخلاف أشكال التشكيلات الاستبدادية الأخرى، فهو لا يعرض على المجتمع مقايضة طبقية، بل العكس تماماً، يسير مسار تدهور الأحوال المعيشية في عهد سعيد بشكل متسارعٍ وموازٍ لمسار تدهور الأحوال السياسية والحقوقية.

وبهذا المعنى، فالدولة المُهدَورة هي الحصيلة المحددة لشعبوية لا موارد لها. فالشعبويات الثرية والريعية، قادرة على صون نفسها بتقديم منافع مادية لقواعدها الأساسية، وبالحفاظ على دولة الرعاية أو توزيع الريع أو تمويل شبكات المحسوبية. أما الشعبويات الرثة المُعدَمة، كشعبوية قيس سعيد، فلا تستطيع العمل إلا في المستوى الرمزي، أي بيع الخطاب حول كرامة الأمة، وهزيمة أعدائها، وأصالة علاقة الزعيم بالشعب. ورغم أن هذا الاقتصاد الرمزي لا يخلو من قوة. لكنه ليس كافياً للحكم وإعادة إنتاجه المستمرة. وهو يُنتج، مع مرور الوقت، دولة تزداد قمعاً وعجزاً في الوقت ذاته، لا يجد لها المرء اسماً سوى «دولة مُهدَرة».

السمات الأربع · التحلل · الركود · التأميم · الضياع

تتسم الدولة المُهدَورة بأربع سمات متضافرة: التحلل المؤسسي، والركود الاقتصادي دون تحول هيكلي، وتأميم العمل المدني، وفي أشدها خصوصية الضياع: أي غياب أي مشروع متماسك للمستقبل. فقد فكّك سعيد النظام دون أن يُعدَّ ما يحل محله.

04 — دولة تطرد أولادها

النزيف الديموغرافي وإهدار الماضي والمستقبل

لعلّ أكثر أبعاد الدولة المهدورة إثارة للقلق، وهو البعد الذي يميزها بشكل واضح عن مجرد التراجع الاستبدادي، هو ما يمكن تسميته بالنزيف الديموغرافي، المتجلي في الرحيل المتسارع لشريحة واسعة من التونسيين، الذين تحتاج الدولة إلى عملهم ومهاراتهم وطاقاتهم أكثر من أي وقت مضى لتحقيق انتعاشها. بين 2021 و2025، هاجر حوالي 6000 طبيب و39000 مهندس، مما أدى إلى حرمان البلاد من المهارات اللازمة للنظام الصحي والاقتصادي. وهي تجسيد لخسارة ملموسة لا رجعة فيها لعقود من الاستثمار في التعليم، وهو استثمار دفعت الدولة التونسية فيها الكثير من الموارد العامة، في الجامعات وكليات الطب والمعاهد التقنية التي خرّجت كوادر مهنية هاجرت لاحقًا إلى أوروبا وكندا والخليج.

0
طبيب هاجروا بين 2021 و2025
0
مهندس غادروا البلاد في الفترة ذاتها
~0%
من التونسيين يرغبون في مغادرة البلاد
~0%
من الشباب يرغبون في مغادرة البلاد

فهذه الدولة المُهدَورة لا تهدر حاضرها فحسب، بل تهدر ماضيها ذلك أن الاستثمارات المتراكمة للأجيال السابقة تُصفّى عبر الهجرة دون أن تُحقق العوائد التي كانت ستبررها. ويعرب ما يقرب من نصف التونسيين، بمن فيهم ثلاثة أرباع شبابهم، عن رغبتهم في مغادرة البلاد. وفي حال استمر هذا الوضع، فإنه يصف مجتمعًا يمر بمرحلة انفصال جماعي عن مشروعه الوطني. ويصعب قياس العواقب النفسية والاجتماعية لهذا التوجه كمياً، لكنها تبدو عميقة، فعندما تصبح الهجرة الخيار الأمثل للمتعلمين والموهوبين، يصبح من يبقون في الغالب من ذوي الخيارات المحدودة، ورأس المال الأقل، والروابط الأضعف بالاقتصاد العالمي. ويتغير تركيب السكان المتبقين تدريجيًا بطرق تجعل التعافي مستقبلاً أكثر صعوبة.

ويزداد الوضع الديموغرافي تعقيداً مع تسارع شيخوخة السكان في البلاد. حيث تشهد شيخوخة سكانية أسرع من أي دولة أخرى في المنطقة، فمعدلات الخصوبة تقل عن مستوى الإحلال، ويتناقص عدد السكان في سن العمل نسبياً بينما يتزايد عدد كبار السن. وكل هذا يُنذر بقنبلة مالية موقوتة ذات فتيل مشتعل. فقد تجد الدولة المُهدَورة نفسها عاجزة عن دفع مستحقات المتقاعدين، وفي الوقت نفسه عاجزة عن توظيف شبابها، وهو إفلاسٌ جيليّ يصعب تصور عواقبه الإنسانية. فضلاً عن إهدار إمكانية أي تطور اقتصادي، عبر اجتراح حلول قديمة جديدة، تنتمي لنفس المنطق الشعبوي في تصور المشاكل وتصور حلولها، وتكشف في الوقت نفسه عن العجز الهيكلي للشعبويات في إعادة بناء الاقتصاد. مثل نموذج الشركات الأهلية والأموال والامتيازات المرصودة لها، على حساب الفاعلين الاقتصاديين ومن دون أي عائد لناحية خلق الثروة أو خلق فرص عمل جديدة.

هناك مظهر آخر لهذا الهدر أقترح إضافته وهو الأموال المرصودة لتمويل الشركات الأهلية على حساب الفاعلين الاقتصاديين ومن دون أي عائد لناحية خلق الثروة أو خلق فرص عمل جديدة. نحن أمام هدر ناتج عن لوثة أيديولوجية وعن قصور وعجز حقيقي على إعادة بناء الاقتصاد.

المظهر الآخر لهذا الهدر هو توزيع أملاك الدولة على هذه الشركات. التفريط في أصول الدولة للإبقاء على الوضع الراهن ولضبط الشارع ولضمان التهدئة. نحن لسنا أمام نظام يسعى لبناء قاعدة اجتماعية موالية من خلال التفريط في مقدرات الدولة، إنهاكها وتقويضها.

«فهذه الدولة المُهدَورة لا تهدر حاضرها فحسب، بل تهدر ماضيها؛ إذ تُصفّى عبر الهجرة استثماراتٌ تراكمت عبر أجيال، دون أن تُحقق العوائد التي كانت ستبررها».
خاتمة

الهدر ليس حالة نهائية مستقرة، بل حالة ديناميكية مفتوحة على الاحتمالات

ومع ذلك فإن حالة الهدر التي نعيشها في تونس ليست حالة نهائية مستقرة، بل هي حالة ديناميكية تنطوي على مسارات متعددة محتملة، لا يوجد منها يقين. فتونس تحتفظ بموارد اجتماعية تميزها عن «الدول الفاشلة» حقاً في المنطقة، كالحركة النقابية رغم المصاعب التي نمر بها، وقطاعات مهنية حرة ذات تاريخ عريق في المقاومة المؤسسية، ومهاجرين يحافظون على صلاتهم بالبلاد ويساهمون بتحويلات مالية تخفف جزئياً من وطأة الانهيار المالي.

والأهم من كل ذلك ثقافة مدنية يشغل فيها المجتمع موقعاً أساسياً كموازن للدولة، تشكلت عبر عقود من التراكم والتجارب والأخطاء، وإن كانت غير مكتملة. ورغم أن تونس أُهدرت، بمعنى أنها فقدت واستُهلكت وسُمح لها بالتدهور، إلا أنها مازالت قادرةً على تجاوز هذا الهدّر، أولاً من خلال محركات داخلية، وثانياً عبر استغلال التناقضات التي أصبحت تواجهها الموجة الشعبوية الرجعية العالمية.

كالتناقض بين الشعارات والنتائج، وحدود السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وأفول أحلامها في تغيير العالم، عبر مزيد الانخراط في الحروب، ولعل سقوط أوروبا في المجر يكون أول الغيثّ.

أحمد نظيف · مقالات