Search with AI
Dollar Index
Brent Crude
Gold (XAU)
S&P 500
USD / CNY
Shanghai Comp.
الأحد, يونيو 14, 2026
DXY
--
GOLD
--
BRENT
--
S&P 500
--
Search with AI
Studies · Tunisia · 2026

تونس : الخروج من فخّ الانتقال الدائم

خلف ثنائية «الديمقراطية في مقابل الاستبداد»، تبقى الأزمة التونسية في جوهرها أزمة استراتيجية للدولة: فراغ استراتيجي يجعل الدولة تتصرّف بمنطق الطوارئ من دون عقيدة بعيدة المدى.

SCROLL ↓

مقدّمة: تونس أمام لحظة الحقيقة

على مدى أكثر من عقد، ظلّت تونس تُحلَّل عبر منظور بات اختزاليًّا: ديمقراطية مقابل ديكتاتورية، استبداد مقابل انتقال ديمقراطي، حرّيات مقابل قمع. هذا الإطار التحليلي — السائد في وسائل الإعلام الدولية وفي جزء من النقاشات التونسية — يحجب الجوهريّ: الأزمة التونسية هي قبل كلّ شيء أزمة استراتيجية للدولة.

لا تكمن المشكلة التونسية في تمركز السلطة حول قيس سعيّد وحده ولا في إخفاق نخب مرحلة ما بعد 2011 فحسب. إنّها مشكلة أعمق، تتعلّق بالعجز التاريخي للدولة التونسية عن إنتاج نموذج تنموي متوازن، وعن إدماج أطرافها، وتحديث اقتصادها، وإصلاح إدارتها، وتحديد موقعها ضمن التحوّلات الجيوسياسية الإقليمية.

تمرّ تونس اليوم بسلسلة أزمات تبدو للوهلة الأولى منفصلة بعضها عن بعض: أزمة الهجرة، والتوترات الاجتماعية، وهشاشة القطاع المصرفي، واختلالات المنظومة القضائية، والشرخ المناطقي، والأزمة البيئية، والعزلة الدبلوماسية. غير أنّ هذه الظواهر جميعها تنبع من فراغ استراتيجي واحد: دولة تتصرّف أساسًا في حالة طوارئ، من دون عقيدة بعيدة المدى، عاجزة عن بلورة رؤية وطنية متّسقة تُوائم بين التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي والاستقلالية الاستراتيجية بوصفها قدرة على القرار والفعل.

تؤكّد السلطة الحالية إرادتها في استعادة السيادة الوطنية. لكنّ السيادة لا تُختزَل في شعار سياسي أو في موقف مواجهة مع الشركاء الخارجيين. هذا التوتر بين الخطاب السيادي والتبعية الفعلية — الذي سبق توثيقه بخصوص قطاعات استراتيجية تونسية أخرى مثل الامتيازات الشمسية والعجز الاستراتيجي في تونس — يُهيكل مجمل الأزمة. فالسيادة تقوم أوّلًا على قدرات ملموسة: القدرة الإدارية على تنفيذ السياسات العامة، والقدرة المالية على دعم الاستثمار، والقدرة الصناعية على إنتاج القيمة، والقدرة الدبلوماسية على الدفاع عن مصالح وطنية متّسقة، والقدرة الاجتماعية على صون تماسك الجسم الوطني.

غير أنّ تونس المعاصرة تعاني تحديدًا من تآكل تدريجي لهذه القدرات. لم يعد السؤال المركزي: «هل لا تزال تونس ديمقراطية؟». السؤال الحقيقي صار: كيف تُعيد بناء دولة قادرة على ضمان الاستقرار والعدالة الاجتماعية والتماسك المناطقي والاستقلالية الاستراتيجية في آن واحد؟

يفرض هذا التساؤل تجاوز الثنائيات المبسَّطة بين ثوريين ومحافظين، وبين سياديين وديمقراطيين، وبين إسلاميين وحداثيين. تحتاج تونس إلى مشروع وطني قائم لا على الحنين أو الخوف أو الارتجال، بل على قراءة واعية لهشاشات البلاد وتحوّلات العالم.

0انتقال لم يُنتج أيّ رؤية
0عامًا بعد الثورة، والمناطق تعيش كأنّها في 2010
0تلاميذ سقطوا في مزّونة، 14 أبريل 2025
0تمركز السلطة حول الرئاسة
I

المشكلة التونسية الحقيقية: دولة بلا استراتيجية

انتقال لم يُنتج قطّ رؤية اقتصادية

لا يمكن فهم الأزمة التونسية من خلال المقولات السياسية التقليدية للدمقرطة أو الاستعادة الاستبدادية وحدها.

أظهرت أعمال أكاديمية عدّة مكرَّسة للمسارات ما بعد الثورية أنّ الانتقالات السياسية كثيرًا ما تفشل حين لا ترافقها تحوّلات في البنى الاقتصادية والإدارية للدولة.[1] لقد غيّر العقد الذي انفتح في 2011 آليات التمثيل السياسي والتوازنات المؤسسية وأشكال التعبير العام تغييرًا عميقًا، لكنّه لم يُفضِ قطّ إلى عقيدة اقتصادية — فضلًا عن عقيدة استراتيجية — متّسقة وقادرة على إعادة تحديد الأسس المادية للدولة التونسية.

كرّست الحكومات المتعاقبة المنبثقة عن الانتقال جلّ طاقتها لإدارة التوازنات البرلمانية والمفاوضات الحزبية والحفاظ على توافقات مؤسسية هشّة. وفي غضون ذلك، استمرّ تعمّق الاختلالات الهيكلية. فالنموذج التنموي الموروث من العقود السابقة ظلّ سليمًا عمليًّا: تركّز الثروات على الشريط الساحلي، والتبعية للاستيراد، وضعف القيمة المضافة الصناعية، وتهميش المناطق الداخلية، وتضخّم إدارة عاجزة عن إصلاح ذاتها.

«لم تفشل الديمقراطية التونسية لأنّها كانت ديمقراطية.»

أكّد عدد من المراقبين أنّ الإخفاق التونسي لم ينتج عن فرط التعددية السياسية بقدر ما نتج عن عجز مستمرّ عن الاستجابة للتطلّعات الاقتصادية والاجتماعية للفئات المهمَّشة. لقد فشلت لأنّها لم تنجح في تحويل البنى الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت الانفجار الثوري في 2010-2011. أتاح الانتقال حرّيات عامة لكنّه لم يُوفّر آفاقًا اقتصادية ذات مصداقية لشباب يعاني البطالة والهشاشة والشعور بالتخلّي عنه.

ينبغي قراءة النجاح السياسي لقيس سعيّد في هذا السياق. لا يعكس صعوده مجرّد طلب على السلطوية، بل يعكس أولًا استنفاد دورة سياسية عاجزة عن إنتاج رؤية وطنية. استطاع الرئيس التونسي أن يستقطب تطلّعًا مشتّتًا إلى استعادة هيبة الدولة وعموديّة القرار وإعادة تأكيد السيادة. غير أنّ مشروعه ذاته يصطدم الآن بالعائق الجوهري نفسه: غياب استراتيجية اقتصادية وإدارية بعيدة المدى.

Visualisation 01 · الرئاسوية بديلًا عن الاستراتيجية
التناوب السريع لرؤساء الحكومات
«التعديلات الحكومية المتواصلة، والتناوب السريع لرؤساء الحكومات، وتكاثر الإعلانات الرئاسية من دون آليات تنفيذ حقيقية»: تميل شخصنة السلطة تدريجيًّا إلى أن تحلّ محلّ بناء سياسات عامة مهيكلة.
رسم بياني توضيحي مقارن لمدّة ولايات رؤساء الحكومات قبل تمركز السلطة حول الرئاسة وبعده. لغرض التوضيح.

الرئاسوية بديلًا عن الاستراتيجية

منذ 2021، رافق تمركز السلطة حول رئاسة الجمهورية شخصنة متصاعدة للقرار السياسي. أعطى هذا التطوّر أحيانًا انطباعًا بعودة الدولة. لكنّه في الواقع يكشف ضعف الآليات المؤسسية العادية.

يرتكز النظام الراهن إلى حدّ بعيد على تدخّل الرئيس المباشر في الشؤون الحكومية، والتعديلات المتتالية، والتحكيمات الظرفية، والحملات السياسية المستهدِفة ضدّ الفساد أو شبكات النفوذ. تُنتج هذه الطريقة شدّة سياسية عالية لكنّها لا تكفي لبناء قدرة فعل عام مستدامة. ويوضّح تعاقب رؤساء الحكومات هذه الصعوبة؛ إذ يبدون أقلّ شبهًا بمسؤولين سياسيين مستقلّين وأكثر شبهًا بمنفّذين إداريين مكلَّفين بتطبيق توجيهات تُحدَّد في قمّة الدولة.

«لا يمكن لدولة حديثة أن تشتغل على الدوام بمنطق التعبئة الدائمة.»

قد يُنتج التمركز المفرط قرارات سريعة، لكنّه يميل أيضًا إلى تفكيك آليات التنسيق الإداري وإبطاء الإجراءات وتعميق الخوف من تحمّل المسؤولية داخل الوظيفة العمومية العليا. يكمن التحدّي التونسي الحقيقي إذن لا في الاختيار بين برلمانية ورئاسوية، بل في إعادة بناء جهاز دولة قادر على تحديد الأولويات وتخطيط الاستثمارات وتقييم السياسات العامة وإنتاج استمرارية استراتيجية مستقلّة عن الدورات السياسية.

تتصرّف الدولة التونسية إذن أساسًا في حالة طوارئ، عبر مراسيم وحملات أمنية وتحكيمات ظرفية أو إصلاحات مرتجلة. ينتج هذا المنطق شدّة سياسية عالية لكنّه يُقوّض قدرة التخطيط الاستراتيجي. تعاني تونس اليوم من نقص في الاستمرارية الاستراتيجية أكثر ممّا تعانيه من نقص في القرارات.

II

الشرخ المناطقي: القنبلة السياسية الحقيقية لتونس

مزّونة: مرآة البلد الحقيقي

في 14 أبريل 2025، شكّل انهيار جدار معهد مزّونة — الذي أودى بحياة 3 تلاميذ — أكثر بكثير من مجرّد حادث. إنّه صورة شعاعية قاسية لإخفاق الدولة التونسية في مناطقها الداخلية.

هذه المأساة — التي وقعت في ولاية سيدي بوزيد، هناك حيث اندلعت ثورة 2010-2011 — أثارت موجة تأثّر عارمة في كامل البلاد، وتختزل وحدها أبعادًا عدّة من الأزمة التونسية المعاصرة: تدهور البنى التحتية العمومية، وغياب الصيانة، والشلل البيروقراطي، وضعف خدمات الإسعاف، والفقر الهيكلي، وخصوصًا القطيعة التدريجية في الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

Interactive Map · Sidi Bouzid Governorate

مزّونة، في قلب تونس الداخلية

خريطة تفاعلية (OpenStreetMap). تقع مزّونة في ولاية سيدي بوزيد (وسط-غرب تونس)، المنطقة التي اندلع منها الانتفاض في 2010-2011. الإحداثيات التقريبية: 34,73° شمالًا، 9,87° شرقًا. يمكن السحب والتقريب أو استخدام الأزرار لاستكشاف الخريطة.

بعد 14 عامًا من الثورة، لا تزال المناطق التي حملت الانتفاضة تعيش في ظروف قريبة من ظروف 2010. تبقى المسألة المناطقية على الأرجح عامل الهشاشة السياسية الأوّل في تونس. وتُبيّن أعمال عديدة حول تونس المعاصرة أنّ المناطق الداخلية لا تزال بؤرة الإحباطات الاجتماعية ومخاطر زعزعة الاستقرار السياسي. فالتفاوتات المناطقية المُلاحَظة منذ السبعينيات تحوّلت تدريجيًّا إلى تصدّعات هيكلية تهدّد التماسك الوطني مباشرةً.[2]

«لا يزال البلد يشتغل بمنطق تونس المزدوجة.»
Visualisation 02 · تونس المزدوجة
واقعان يكادان يكونان غير قابلين للمصالحة
«من جهة، شريط ساحلي مندمج نسبيًّا في الاقتصاد العالمي؛ ومن جهة أخرى، مجموعة مناطق داخلية يسمها البطالة الهيكلية والعجز المزمن في الاستثمار والانهيار التدريجي للخدمات العامة.» مؤشّرات مستخلصة من البنك الدولي والمعهد الوطني للإحصاء.
اختر بُعدًا

الشرخ المناطقي

يُقابل الشرخ المناطقي بين واقعين اقتصاديين واجتماعيين وإداريين يكادان يكونان غير قابلين للمصالحة. كلّ القيم مستمدّة من مصادر رسمية.

مصادر المؤشّرات: البنك الدولي، الثورة غير المكتملة (الفصل 10، «معالجة التفاوتات المناطقية») وTunisia Urbanization Review؛ المعهد الوطني للإحصاء (INS، خريطة الفقر). حصّة الناتج المحلّي الإجمالي على الساحل (تونس الكبرى، صفاقس، سوسة): نحو 85%؛ المؤسسات الصناعية: نحو 92%. معدّل البطالة: 7-11% على الساحل مقابل 20-23% في ولايات الداخل (الكاف، جندوبة، القصرين، قفصة). تقرير البنك الدولي.

يُقابل الشرخ المناطقي التونسي اليوم بين واقعين اقتصاديين واجتماعيين وإداريين يكادان يكونان غير قابلين للمصالحة. من جهة، شريط ساحلي مندمج نسبيًّا في الاقتصاد المعولم، يحتكر البنى التحتية والاستثمارات والجامعات والخدمات المتخصّصة والأنشطة الإنتاجية الأكثر ربحية. ومن جهة أخرى، مجموعة مناطق داخلية تسمها البطالة الهيكلية والعجز المزمن في الاستثمار والانهيار المتدرّج للخدمات العمومية.

تُنتج هذه الثنائية نتائج عميقة على الاستقرار الوطني. يُفرّغ النزوح الداخلي تدريجيًّا بعض المناطق من كفاءاتها وشبابها الفاعل. وتنكفئ الاقتصادات المحلّية على القطاع غير المنظّم أو على أنشطة البقاء. ويُغذّي الشعور بالهجران عدم الثقة بالمؤسسات المركزية ويُعزّز إدراك مواطنة بسرعات متفاوتة.

في مناطق عديدة من الداخل، لم تعد الدولة تُدرَك محرّكًا للتنمية بل بنية بعيدة حاضرة أساسًا عبر الأجهزة الأمنية أو الإدارية. يُضعف هذا التصوّر الرابط الوطني ويُقلّص تدريجيًّا قدرة الدولة على إنتاج الالتفاف الجماعي. يكمن الخطر الأكبر في الطابع التراكمي لهذا التهميش: كلّ تأخّر في البنية التحتية يُنتج فجوات تعليمية واقتصادية واجتماعية جديدة. وكلّ إخلال بالخدمات العمومية يُسرّع ديناميكيات الهجرة الداخلية ويُعزّز تركّز الموارد على الساحل. وعلى المدى البعيد، تُهدّد هذه الديناميكية التوازن المناطقي ذاته للإقليم التونسي.

أزمة وجودية للدولة التونسية

لا تستطيع الدولة التونسية أن تدّعي لأمد طويل تجسيد الوحدة الوطنية فيما تترك جزءًا من الإقليم في حالة شبه هجران. وقد بلغ التمركز المفرط حول تونس العاصمة حدوده التاريخية. ولن تكفي الهندسات المؤسسية الجديدة المقترحة في السنوات الأخيرة لتصحيح اختلالات هي قبل كلّ شيء ميزانية وإدارية وإنتاجية. لا يندرج الشرخ المناطقي التونسي إذن ضمن مشكلة حوكمة محلّية فحسب؛ إنّه يكشف استنفاد نموذج تنموي عاجز عن توزيع الموارد والاستثمارات والفرص الاقتصادية بإنصاف.

III

الاقتصاد التونسي: نموذج وصل إلى نهايته

منظومة الصكوك كاشفةً للاختلالات الهيكلية

في فبراير 2025، شكّلت الأزمة الناتجة عن إصلاح منظومة الصكوك كاشفًا صارخًا لهشاشات الاقتصاد التونسي العميقة.

خلف إصلاح قُدّم بوصفه تقنيًّا، كانت تختبئ آلية غير رسمية باتت ضرورية لاشتغال الاقتصاد الوطني. فعلى مدى سنوات، أدّت الصكوك المؤجَّلة وظيفة بديل عن القرض المصرفي؛ وكما وثّقته صحيفة لوموند، لجأت إليها الأسر للحفاظ على مستوى استهلاكها في ظلّ تآكل القدرة الشرائية. واستخدمتها المؤسسات الصغيرة لتمويل خزينتها ومواصلة نشاطها في بيئة تتّسم بندرة التمويل. فرضت هذه الممارسة نفسها تدريجيًّا لأنّ الجهاز المصرفي التونسي لم يعد يؤدّي وظيفته الاقتصادية كاملةً.

تُفضّل المصارف تمويل الدين العام بدل القطاع الإنتاجي الذي تعتبره شديد المخاطر. وتظلّ المؤسسات الصغرى والمتوسطة — التي تشكّل عماد النسيج الاقتصادي التونسي — مقصيّة إلى حدّ بعيد من القرض التقليدي. في هذه الظروف، نشأ اقتصاد موازٍ للتمويل عبر تسهيلات الدفع والترتيبات غير الرسمية وسلاسل الثقة المبنيّة حول الصكوك.

أراد الإصلاح المُقَرّ في 2025 إعادة الصكّ إلى وظيفته الأصلية بوصفه مجرّد أداة دفع فوري. لكنّ إلغاء آلية محورية بصورة مفاجئة من دون بديل موثوق أحدث صدمة اقتصادية ونفسية هائلة. وتعكس المخاوف التي عبّر عنها التجّار والحرفيون والأُجراء قلقًا أمام غياب حلول تمويل ملائمة أكثر ممّا تعكس مقاومة ثقافية للتغيير. توضّح هذه الحلقة مشكلة أوسع: لا تزال تونس تُدير اختلالاتها الهيكلية بتعديلات قانونية أو إدارية في حين تستوجب تحوّلات مؤسسية عميقة.

اقتصاد تابع وضعيف الإنتاجية

بلغ النموذج الاقتصادي التونسي اليوم حدوده التاريخية. تتقاطع تحليلات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وعدد من الاقتصاديين التونسيين على تشخيص نموذج نمو عاجز عن إنتاج قيمة مضافة كافية ووظائف مؤهَّلة.[3] منذ عقود، يرتكز النمو أساسًا على ثلاث ركائز: السياحة، والمناولة الصناعية الموجَّهة نحو السوق الأوروبية، وتحويلات التونسيين المقيمين بالخارج.

Visualisation 03 · اندماج هامشي في العولمة
الركائز الثلاث لنمو وصل إلى نهايته
«يرتكز النمو أساسًا على ثلاث ركائز: السياحة، والمناولة الصناعية الموجَّهة نحو السوق الأوروبية، وتحويلات التونسيين بالخارج.» ركيزة لم تُنتج قطّ تحوّلًا إنتاجيًّا كافيًا.
مخطّط تحليلي للركائز الثلاث المذكورة في المقال. نسب تقديرية لغرض التوضيح. حول ثقل تحويلات المهجر (نحو 6,5% من الناتج المحلّي الإجمالي في 2024) والسياحة، انظر بيانات وكالة إيكوفين.

أتاح هذا النموذج استقرارًا ماكرو-اقتصاديًّا نسبيًّا لكنّه لم يُنتج قطّ تحوّلًا إنتاجيًّا كافيًا. لا تزال تونس حبيسة اندماج هامشي في العولمة، إذ ترتكز تنافسيتها إلى حدّ بعيد على تدنّي كلفة العمل لا على الابتكار أو التكنولوجيا أو الارتقاء الصناعي. وتظلّ القطاعات ذات القيمة المضافة العالية ضعيفة التطوّر فيما تراوح الاستثمارات الإنتاجية مكانها.

يُفرز هذا الوضع مفارقة محورية: يمتلك البلد سكّانًا متعلّمين نسبيًّا لكنّه لا يخلق وظائف مؤهَّلة كافية لاستيعاب خرّيجيه. فتصبح الهجرة ليست فقط تطلّعًا اجتماعيًّا بل أيضًا صمّام أمان اقتصادي. وبالتوازي، تُعمّق التبعية لاستيراد الطاقة والغذاء هشاشة البلاد أمام الأزمات الدولية — وهي تبعية يوثّقها تحليل ثمن التبعية الطاقية التونسية.

«لا تعاني تونس فقط من نقص في النمو، بل تعاني خصوصًا من عجز هيكلي عن خلق فرص العمل.»

كلّ صدمة خارجية — جائحة، أو حرب في أوكرانيا، أو ارتفاع الأسعار العالمية — تُضعف أكثر اقتصادًا مُجهَدًا أصلًا. ما دامت هذه المسألة لم تُعالَج، ستظلّ الإصلاحات الظرفية غير كافية.

IV

المسألة المهاجراتية: أزمة جيوسياسية كبرى

تونس تتحوّل إلى منطقة عازلة

باتت المسألة المهاجراتية تدريجيًّا إحدى أبرز نقاط التوتر الاستراتيجي لتونس.

تُبرز تحليلات عدّة مكرَّسة للسياسات المهاجراتية الأورو-متوسّطية خطر تحوّل تونس إلى فضاء مناولة أمنية في خدمة الأولويات الأوروبية.[4] ينبغي وضع هذا التطوّر في الإطار الأوسع لسياسات الاتحاد الأوروبي في إخراج الحدود المتوسّطية. سرّع الاتفاق المبرَم مع الاتحاد الأوروبي في 2023 تحوّلًا صامتًا في الدور الجيوسياسي للبلاد. إذ تميل تونس الآن إلى أن تُعامَل فضاء احتجاز لِلَجم المغادرين نحو أوروبا بدل شريك تنموي.

يُغيّر هذا التطوّر التوازنات الداخلية تغييرًا عميقًا. يجد المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء أنفسهم غالبًا عالقين في مناطق هشّة، من دون وضع قانوني مستقرّ حقيقي ولا آفاق اقتصادية واضحة. ونبّهت عدّة منظّمات — منها منظّمة العفو الدولية — إلى الانتهاكات الحقوقية الناجمة. ومن جهتها، تتأرجح السلطات التونسية بين المنطق الأمني والضرورات الدبلوماسية والإدارة الارتجالية للأزمات. يُنتج هذا الوضع آثارًا بالغة الخطورة في سياق موسوم بالركود الاقتصادي والهشاشة الاجتماعية. وتتحوّل التوترات حول المهاجرين سريعًا إلى محفّزات لإحباطات أوسع مرتبطة بالبطالة والتضخّم وتراجع الخدمات العامة. ويجد الخطاب الهوياتي ونظريات المؤامرة تربة خصبة.

الخطر مزدوج. من جهة، قد تشهد تونس تطبيع أشكال من العنف العرقي والاستقطاب الهوياتي غير المسبوقة في تاريخها المعاصر. ومن جهة أخرى، قد تفقد البلاد تدريجيًّا السيطرة السياسية على سياستها المهاجراتية ذاتها تحت وطأة الضغوط الأوروبية والإكراهات المالية.

الغياب الكامل لعقيدة هجرة

لا يُشكّل الشعار الرسمي القائل بأنّ تونس «ليست بلد عبور ولا بلد إقامة» استراتيجية. إنّه صيغة دفاعية لتفادي مواجهة سياسية مع واقع بات حتميًّا. فتونس جزء فعلًا من أبرز المسارات المهاجراتية التي تربط أفريقيا جنوب الصحراء بأوروبا المتوسطية.

«إنكار هذا الواقع لن يجعله يختفي.»

بل على العكس، يُفضي غياب عقيدة هجرة متّسقة إلى الارتجال الأمني، والتوظيف السياسي للمسألة المهاجراتية، والحملات العنصرية، والتبعية المتصاعدة للأولويات الأوروبية. تتجاوز المشكلة بكثير القدرات التونسية. ستستمرّ النزاعات الإقليمية والأزمات الاقتصادية الأفريقية وآثار التغيّر المناخي وانهيار بعض اقتصادات الساحل في تغذية التدفّقات المهاجراتية خلال السنوات المقبلة. وفي هذا السياق، لا يمكن لمقاربة أمنية صرفة إلّا أن تُراكم التوترات الإنسانية والاجتماعية.

خطر الانفجار الاجتماعي

تكشف التوترات المرتبطة بوجود المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء مسألة هوياتية أقلّ ممّا تكشف أزمة أعمق للعقد الاجتماعي التونسي. ففي سياق يتّسم بتنامي الهشاشة وتآكل الحمايات الاقتصادية، يصبح المهاجرون أشكالًا مريحة لإزاحة القلق الجماعي. ويُمثّل الانتشار المتزايد لخطابات «الاستبدال الكبير» في هذا الصدد منعطفًا مثيرًا للقلق. تُعيد هذه السرديات — المستورَدة إلى حدّ بعيد من سياقات أجنبية — تنظيم النقاش العام حول منطق عرقي وأمني يصرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للأزمة التونسية.

لا تنبع الصعوبات الهيكلية للبلاد من الهجرة الأفريقية، بل من نمو غير كافٍ وعجز مزمن في الاستثمار وعدم القدرة على تحديث الاقتصاد وأزمة مستدامة في الفعل العام. حين تتحوّل المسألة المهاجراتية إلى نزاع هوياتي، تُجازف السلطة السياسية بتغذية ديناميكيات اجتماعية يصعب التحكّم فيها. فمجتمع مُهشَّش اقتصاديًّا يكون هشًّا بصفة خاصة أمام ظواهر الاستقطاب. وعلى المدى البعيد، قد يُضعف هذا التطوّر التماسك الوطني أكثر ويعزل تونس دبلوماسيًّا.

V

الأزمة المؤسسية: دولة تفقد مصداقيتها

القضاء تحت الضغط

تعكس التطوّرات المؤسسية المُلاحَظة منذ سنوات تمركزًا متصاعدًا للسلطة التنفيذية وتقلّصًا تدريجيًّا لفضاءات الرقابة المضادّة.

نبّهت عدّة منظّمات دولية وقانونيون تونسيون كثيرون إلى المخاطر التي يُرتّبها هذا التطوّر على مصداقية المؤسسات وعلى الثقة العامة.[5] تُسهم الملاحقات التي تستهدف معارضين سياسيين وصحفيين وقضاة في ترسيخ مناخ ريبة معمَّمة تجاه المؤسسات. قد تُعزّز هذه الاستراتيجية على المدى القصير سيطرة السلطة المركزية السياسية. لكنّها تُنتج أيضًا آثارًا أعمق على اشتغال الدولة. حين يُدرك جزء كبير من المجتمع أنّ القضاء تابع للسلطة السياسية، تتدهور المصداقية المؤسسية تدريجيًّا.

لا يقتصر فقدان الثقة هذا على الفاعلين السياسيين أو منظّمات الدفاع عن حقوق الإنسان؛ بل يطال أيضًا المستثمرين ورجال الأعمال والإدارات ذاتها. فمنظومة قضائية يبدو استقلالها غير مؤكّد تُقلّص التوقّعية الاقتصادية وتُهشّم الأمان القانوني الضروري للتنمية. لا تتعلّق المسألة المؤسسية إذن بالحرّيات العامة وحدها؛ إنّها أيضًا رهان اقتصادي واستراتيجي بالغ الأهمية.

الخوف الإداري

من أكثر الظواهر المستهان بها في تونس: الشلل التدريجي للإدارة العمومية. يتردّد كبار الموظفين أكثر فأكثر في اتخاذ قرارات تُلزم مسؤوليتهم. وقد أفرزت كثرة التحقيقات وعدم الاستقرار السياسي والتغطية الإعلامية المكثّفة لقضايا الفساد مناخ حذر مفرط داخل الجهاز الإداري.

«يصبح الهدف الضمني في الغالب تفادي أيّ مخاطرة بدل إنتاج الفعالية.»

يُنتج هذا الوضع شللًا منتشرًا لكنّه عميق. تتأخّر مشاريع الاستثمار، وتتعقّد التحكيمات الإدارية، وتتراجع المبادرة. تشتغل الإدارة التونسية بمنطق دفاعي يجعل الهدف الضمني في الغالب تفادي أيّ مخاطرة بدل إنتاج الفعالية. تبقى مكافحة الفساد ضرورية بالطبع، لكن حين ترافقها تجريم عام للقرار الإداري قد ينتهي الأمر إلى إضعاف قدرة الدولة ذاتها على الفعل. يكمن التحدّي في بناء آليات رقابة شفّافة من دون تحويل الإدارة إلى فضاء ارتياب دائم. وتُصبح مكافحة الفساد عكسية حين تُدمّر في الآن ذاته قدرة الإدارة على الفعل وتُرسي ثقافة خوف بيروقراطي مستدامة.

VI

الهشاشات الجيوسياسية التونسية

سيادة محدودة بالتبعية الاقتصادية

يلقى الخطاب السيادي لقيس سعيّد صدى حقيقيًّا في الرأي العام التونسي.

تندرج هذه الديناميكية ضمن اتجاه أوسع مُلاحَظ في مجتمعات عدّة تواجه العولمة غير المتكافئة والمديونية الخارجية والشعور بالانحطاط الوطني.[6] فهو يستجيب لإرهاق جماعي تجاه التدخّلات الخارجية والسياسات الاقتصادية المفروضة منذ عقود. غير أنّ السيادة لا تُختزَل في موقف سياسي أو خطابي؛ إنّها تفترض موارد مالية وقدرات صناعية وهوامش ميزانية واستقلالية طاقية كافية — وهي نقطة تطوّرها دراستنا حول السيادة والعجز الاستراتيجي في تونس.

«تكمن المفارقة التونسية في هذه الهوّة المتنامية بين خطاب سياسي شديد السيادية وواقع اقتصادي يُقلّص هوامش مناورة الدولة.»

لا تزال تونس شديدة التبعية للتمويلات الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية واستيراد الطاقة والسوق الأوروبية. وتؤدّي تحويلات المهجر أيضًا دورًا جوهريًّا في التوازن الاقتصادي للبلاد. تُقيّد هذه التبعية الهيكلية بصورة ملموسة قدرة تونس على رسم سياسة مستقلّة تمامًا.

عودة تنافس القوى

تجد تونس نفسها اليوم عند مفترق ديناميكيات جيوسياسية كبرى عدّة: الاستراتيجية المهاجراتية الأوروبية، وإعادة التموضع الأمريكي في شمال أفريقيا، وتحوّلات الشرق الأوسط، والتوترات حول غزّة، والتنافس الجزائري-المغربي، وعدم الاستقرار الليبي، وأزمة الساحل.

في هذا السياق، لا تستطيع تونس الاكتفاء بدبلوماسية ردّ فعل أو دفاعية صرفة. عليها أن تُحدّد مصالحها الاستراتيجية بوضوح أكبر. يُخاطر غياب عقيدة جيوسياسية مهيكلة بتعريض البلاد لضغوط متناقضة من القوى الإقليمية والدولية. ويُعزّز الضعف الاقتصادي التونسي هذه الهشاشة. فكلّما ازدادت تبعية دولة لشركائها الخارجيين ماليًّا، زادت حساسيتها للمشروطيات الدبلوماسية والأمنية والتجارية المرافقة للمساعدات والشراكات.

خطر إخراج السيادة

الخطر الأكبر أن تتحوّل تونس تدريجيًّا إلى مجرّد مُتعهّد أمني فرعي لأوروبا، وسوق هامشية تابعة، ومنطقة عازلة مهاجراتية مندمجة في منظومات الرقابة المتوسّطية. سيُهشّم مسار كهذا الدولة التونسية على المدى البعيد، ويُقلّص قدرتها على تحديد أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية الخاصة، ويُعمّق الشعور بالإهانة الاستراتيجية الملحوظ أصلًا في جزء من الرأي العام. السؤال المركزي يتعلّق إذن بالعمق الاستراتيجي التونسي: بلد لا يُنتج ثروة كافية ويعتمد على تمويلات خارجية ويخضع للتحوّلات الإقليمية الكبرى من دون عقيدة واضحة يُخاطر تدريجيًّا بفقدان قدرته على القرار المستقلّ.

Visualisation 04 · السيادة أمام اختبار الأرقام
حين تُقاس التبعية
«تفترض السيادة موارد مالية وقدرات صناعية وهوامش ميزانية واستقلالية طاقية كافية.» ثلاثة مؤشّرات رسمية تُعطي المقياس الملموس لهذه التبعية — وتفاقمها الأخير.
Energy Independence

معدّل الاستقلالية الطاقية

0 %
47 % (2023) → 45 % (2024) → 39 % (2025)

تتراجع الاكتفاء الذاتي الطاقي عامًا بعد عام: تُنتج تونس حصّة متناقصة باستمرار من الطاقة التي تستهلكها.

Budget Margins

العجز التجاري الطاقي

0
8 977 MDT (2023) → 10 718 MDT (2024) · +19 %

في 2024، مثّل العجز الطاقي وحده نحو 57% من العجز التجاري الإجمالي: عبء متنامٍ على الحسابات الخارجية.

Social Capacity

بطالة خرّيجي التعليم العالي

0 %
سكّان متعلّمون لا يستوعبهم الاقتصاد

«يمتلك البلد سكّانًا متعلّمين نسبيًّا لكنّه لا يخلق وظائف مؤهَّلة كافية لاستيعاب خرّيجيه.»

المصادر: معدّل الاستقلالية الطاقية 47% (2023) ← 45% (2024) ← 39% (2025) وعجز الميزان التجاري الطاقي 8 977 ← 10 718 م.د.ت (+19%، نحو 57% من العجز التجاري 2024)، وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، الظرف الطاقي في نهاية ديسمبر 2024، وIACE؛ بطالة خرّيجي التعليم العالي نحو 23,5% في الربع الأوّل 2025، المعهد الوطني للإحصاء (بحسب لابراس). م.د.ت: ملايين الدنانير التونسية.
VII

لماذا النموذج الحالي غير مستدام

الاستقرار بالسيطرة لا يكفي

يرتكز النظام السياسي الراهن إلى حدّ بعيد على الجهاز الأمني وتمركز السلطة الرئاسية وتشتّت المعارضة واستنفاد القوى السياسية المنبثقة عن الانتقال الديمقراطي.

نبّه عدد من المحلّلين أيضًا إلى حدود استراتيجية استقرار قائمة أساسًا على السيطرة السياسية من دون تحوّل اقتصادي عميق. قد تُنتج هذه التشكيلة استقرارًا ظاهريًّا على المدى القصير، لكنّها لا تكفي لحلّ الهشاشات الهيكلية للبلاد. فالبطالة الواسعة والدين العام والفقر والشرخ المناطقي وأزمة الخدمات العامة وضعف الاستثمار تستمرّ في تقويض التوازنات الاجتماعية. ويُقلّص نزيف الكفاءات نحو الخارج تدريجيًّا قدرة البلاد على الإسقاط في المستقبل.

لا يمكن لاستقرار مستدام أن يرتكز حصريًّا على السيطرة السياسية أو الأمنية. إنّه يفترض القدرة على إنتاج النمو واستعادة الثقة الاجتماعية وتقديم آفاق ذات مصداقية للأجيال الجديدة.

Visualisation 05 · منظومة هشاشات تراكمية
دائرة الهشاشات التي يُعزّز بعضها بعضًا
«التفكّك المناطقي والهشاشة الاقتصادية والتوترات الاجتماعية ونزيف الكفاءات والتبعية الخارجية والاستقطاب السياسي والإنهاك الجماعي تُشكّل اليوم مشهد هشاشات تراكمية.» لا تعمل أيّ هشاشة وحدها: كلّ واحدة تُغذّي التالية.

Hover or tap a node to explore feedback loops
خريطة نوعية ومفاهيمية للهشاشات السبع الموصوفة في خاتمة المقال وروابط التعزيز المتبادل بينها. لا تُطرَح أيّ قيمة عددية: هذا مخطّط تحليلي للديناميكيات لا مقياس شدّة.

مجتمع يتفكّك بصمت

ربّما تكون الظاهرة الأشدّ إثارة للقلق في تونس أقلّ ارتباطًا بالقمع السياسي منها بالتفكّك التدريجي للنسيج الاجتماعي. يصف عدد من علماء الاجتماع التونسيين اليوم أزمة عميقة في الثقة الجماعية والانتماء إلى المشروع الوطني.[7] يتجلّى هذا التفكّك في الهجرة الواسعة للشباب، وانهيار الثقة الجماعية، وتنامي السخرية، وهشاشة الطبقات الوسطى، وتوسّع الاقتصاد غير المنظّم، والعنف الرمزي والاجتماعي الذي يخترق الآن جزءًا من البلاد.

«مجتمع لا يقدّم أيّ أفق لشبابه يدخل منطقة خطر استراتيجي.»

يبدو المجتمع التونسي يفقد تدريجيًّا قدرته على إنتاج متخيَّل جماعي تعبوي. تبدّدت وعود الثورة من دون أن يحلّ محلّها أفق وطني جديد ذو مصداقية. لا يقتصر الخطر إذن على البعد الاقتصادي أو المؤسسي؛ إنّه أيضًا نفسي وثقافي. تكفّ الهجرة عندئذٍ عن كونها ظاهرة هامشية لتصبح أفقًا جماعيًّا. تُضعف هذه الديناميكية تدريجيًّا القدرات البشرية للبلاد وتُغذّي حلقة مفرغة من الإحباط والركود.

VIII

نحو استراتيجية وطنية تونسية

لن تستطيع تونس الخروج من المأزق الراهن بصورة مستدامة من دون بلورة عقيدة وطنية متّسقة تُوائم بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية والجيوسياسية.

لا يمكن لاستراتيجية كهذه أن تقتصر على إجراءات ظرفية أو ردود أمنية على الأزمات المتتالية. إنّها تفترض إعادة تعريف دور الدولة والأولويات الوطنية.

Visualisation 06 · تشريح استراتيجية وطنية
ستّة ركائز لإعادة بناء الدولة
«عقيدة وطنية متّسقة تُوائم بين الأبعاد الاقتصادية و الاجتماعية و المناطقية و الجيوسياسية.» ستّة ركائز ذات أولوية، درجة بعد درجة، من القاعدة الإدارية إلى التماسك الاجتماعي. انقر على درجة لاستكشاف روافعها.
    القدرات الإدارية إعادة التوازن المناطقي سياسة صناعية تمويل الاقتصاد عقيدة مهاجراتية العقد الاجتماعي
    إطار تحليلي يُلخّص الركائز الستّة للاستراتيجية الوطنية المذكورة في الفصل الثامن من المقال.

    تتمثّل الأولوية القصوى في إعادة بناء القدرات الإدارية للدولة. لا تزال الإدارة التونسية إحدى أبرز موارد البلاد، لكنّها تعاني من استنزاف تدريجي. فالخوف من الملاحقات وثقل الإجراءات وعدم الاستقرار السياسي أضعفت بعمق قدرتها على المبادرة. ينبغي أن تصبح التحديث الإداري أولوية وطنية. يتطلّب ذلك تبسيطًا جذريًّا للإجراءات ورقمنة الخدمات العمومية وتوضيح المسؤوليات وحماية الموظّفين من التعسّف السياسي. لا تستطيع دولة مشلولة إداريًّا قيادة أيّ تحوّل اقتصادي جدّي.

    ينبغي أيضًا إعادة المسألة المناطقية إلى صميم الفعل العام. فالتفاوتات بين الساحل والمناطق الداخلية تُشكّل اليوم الشرخ الوطني الأوّل. ولم يعد انهيار البنى التحتية المدرسية والصحية في بعض المناطق يندرج ضمن مجرّد تأخّر تنموي؛ إنّه يُهدّد التماسك الوطني مباشرةً. تحتاج تونس إلى خطّة عشرية لإعادة التوازن المناطقي ترتكز على البنى التحتية والنقل والصحة والتعليم والاستثمار الإنتاجي في المناطق المهمَّشة.

    على الصعيد الاقتصادي، يتوجّب على البلاد حتميًّا الخروج من نموذج نمو قائم على المناولة ذات القيمة المضافة المنخفضة. يستوجب ذلك سياسة صناعية صريحة موجَّهة نحو القطاعات التكنولوجية والاقتصاد الرقمي والطاقات المتجدّدة والتحويل الغذائي. وقد يُشكّل إنشاء بنك عمومي للاستثمار مخصَّص لتمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة المبتكرة رافعة محورية لهذه الاستراتيجية. كما ينبغي إعادة توجيه الجهاز المصرفي بعمق نحو تمويل الاقتصاد الحقيقي. فاليوم يمتصّ جزء كبير من الموارد المالية تمويل الدين العام، ممّا يحرم المؤسسات الإنتاجية من الرساميل اللازمة لتطوّرها. لم يعد تأجيل إعادة هيكلة القطاع المصرفي ممكنًا.

    ينبغي أيضًا معالجة المسألة الاجتماعية معالجة هيكلية. يُمثّل تآكل الطبقات الوسطى خطرًا سياسيًّا بالغًا. فلأمد طويل، شكّلت هذه الفئات عامل استقرار نسبي. ويُغذّي تهشيشها التدريجي التشاؤم الجماعي وعدم الثقة بالمؤسسات والهجرة الواسعة للشباب الخرّيجين. تستوجب إعادة بناء عقد اجتماعي إصلاح الحماية الاجتماعية ونفاذًا أكثر إنصافًا إلى القرض وسياسة تشغيل فاعلة ومكافحة أنجع للتضخّم.

    فيما يتعلّق بالهجرة، على تونس أن تتخلّى عن منطق الإنكار الاستراتيجي. البلد جزء فعلًا من الفضاءات الكبرى للتنقّل المهاجراتي بين أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا. ولا يؤدّي رفض هذا الواقع إلّا إلى تصعيد التوترات الاجتماعية وتسهيل شبكات التهريب. ينبغي أن تُوائم عقيدة هجرة ذات مصداقية بين التعاون الأفريقي والإدارة الشفّافة ومكافحة الشبكات الإجرامية وتفاوض أكثر توازنًا مع الاتحاد الأوروبي. لا يمكن للتعاون المهاجراتي مع أوروبا أن يستمرّ مرتكزًا حصريًّا على البعد الأمني. تتحمّل تونس اليوم حصّة متنامية من التكاليف الاجتماعية والسياسية للسياسة المهاجراتية الأوروبية من دون أن تمتلك الوسائل اللازمة لإدارة هذا الوضع على الأمد البعيد. ويصبح إعادة التفاوض على الشراكة الأورو-تونسية حول التنمية الاقتصادية والاستثمار والتنقّل القانوني أمرًا لا بدّ منه.

    أخيرًا، على تونس أن توضّح عقيدتها الجيوسياسية. يدخل العالم مرحلة تحوّلات إقليمية ودولية كبرى. وفي هذه البيئة غير المستقرّة، لا تستطيع تونس الاكتفاء بدبلوماسية ردّ فعل. عليها بناء استراتيجية قائمة على مصالحها الوطنية، قادرة على صون استقلاليتها مع تنويع شراكاتها. وينبغي أن يصبح تطوير العلاقات مع أفريقيا جنوب الصحراء وتعزيز الروابط المغاربية وتنويع المنافذ الاقتصادية أولويات استراتيجية.

    خاتمة: أيّ دولة لأيّ تونس؟

    لا يزال النقاش التونسي اليوم أسير ثنائية عقيمة إلى حدّ بعيد. فمن جهة، يختزل البعض كلّ نقد للسلطة في دفاع عن الديمقراطية الليبرالية. ومن جهة أخرى، يُماهي البعض بين كلّ نقد للدولة أو الاستبداد وبين التشكيك في السيادة الوطنية.

    يحجب هذا الاستقطاب الجوهريّ. تحتاج تونس في آن واحد إلى دولة قوية ومؤسسات شرعية. لا تتناقض سلطة الدولة والضمانات المؤسسية؛ بل تتكاملان. لا تكمن السيادة الحقيقية في رفض الضغوط الخارجية فحسب أو في خطابات الحزم الدبلوماسي. إنّها تكمن في القدرة الملموسة لدولة على إطعام سكّانها وتمويل اقتصادها وحماية مؤسساتها وإدماج أقاليمها وتقديم آفاق لشبابها وصون تماسكها الاجتماعي.

    «السيادة قبل كلّ شيء مسألة قدرات داخلية.»

    دولة عاجزة عن إنتاج النمو أو تقليص تصدّعاتها المناطقية أو تحديث إدارتها تبقى هشّة مهما بلغت حدّة خطابها السياسي. تتجاوز المسألة التونسية إذن بكثير النقاش بين ديمقراطية واستبداد. إنّها تتعلّق بإعادة بناء سلطة عامة قادرة على تحقيق استقرار البلاد وإنتاج الثقة والاستعداد للمستقبل.

    ليست تونس دولة منهارة ولا نجاحًا مستقرًّا. إنّها تقع في منطقة وسطى بالغة الخطورة حيث لا تزال المؤسسات قائمة لكنّ الهشاشات الهيكلية تتراكم. تستمرّ الإدارة في العمل رغم استنزافها التدريجي. ويظلّ المجتمع متعلّمًا نسبيًّا ويحتفظ بقدرات تكيّف مهمّة. ويبقى الجيش جمهوريًّا ولم تتفكّك هياكل الدولة. ويحتفظ البلد أيضًا بمزايا جغرافية وبشرية كبيرة.

    لكنّ إشارات الإنذار تتكاثر. التفكّك المناطقي والهشاشة الاقتصادية والتوترات الاجتماعية ونزيف الكفاءات والتبعية الخارجية والاستقطاب السياسي والإنهاك الجماعي تُشكّل اليوم مشهد هشاشات تراكمية. لا تفتقر تونس إلى الديمقراطية فحسب؛ إنّها تفتقر خصوصًا إلى أفق استراتيجي مشترك قادر على تنظيم الفعل العام واستعادة الثقة الجماعية.

    «الخطر الأعمق هو خطر الانحطاط الوطني البطيء: دولة تنجو من دون أن تتحوّل فعلًا.»

    لا يتمثّل الخطر الرئيسي بالضرورة في ديكتاتورية كلاسيكية. الخطر الأعمق هو خطر الانحطاط الوطني البطيء: دولة تنجو من دون أن تتحوّل فعلًا، ومجتمع يفتقر من دون انفجار فوري، وشباب يغادر البلاد بكثافة، واقتصاد يراوح مكانه بصورة مستدامة، وسلطة مُستغرَقة في الإدارة الدائمة للطوارئ.

    لا يزال بإمكان تونس تفادي هذا المسار. لكنّ ذلك يفترض قطيعة فكرية كبرى. على البلاد أن تخرج من سياسة ردّ الفعل الدائم ومن الحكم بالأزمات ومن الانتقال اللامتناهي. وعليها خصوصًا أن تُعيد بناء ما ينقصها منذ عقود: استراتيجية وطنية بعيدة المدى قادرة على المواءمة بين السيادة والتنمية والتماسك الاجتماعي والقدرة المؤسسية.

    الهوامش والمراجع
    1

    حول إخفاق الانتقالات المفتقرة إلى تحوّل اجتماعي-اقتصادي: Asef Bayat, Revolution without Revolutionaries, Stanford University Press, 2017; Hamza Meddeb, «Tunisia's Fragile Stability», Carnegie Middle East Center, 2021.

    2

    حول الاقتصاد السياسي للدولة التونسية والتفاوتات المناطقية: Béatrice Hibou, La Force de l'obéissance, La Découverte, 2006; Hèla Yousfi, L'UGTT, une passion tunisienne, Karthala, 2018; INS, خريطة الفقر في تونس.

    3

    التشخيص الماكرو-اقتصادي والتفاوتات المناطقية: البنك الدولي، الثورة غير المكتملة (الفصل 10) وTunisia Economic Monitor, 2022-2025; صندوق النقد الدولي، تقارير المادة الرابعة؛ حول المناولة ذات القيمة المضافة المنخفضة، البنك الأفريقي للتنمية، تحليل الجهاز الإنتاجي التونسي; حول أزمة الصكوك، لوموند.

    4

    حول إخراج الحدود الأورو-متوسّطية: Claire Rodier, Xénophobie Business, La Découverte, 2012; تقارير المنظّمة الدولية للهجرة (OIM); منظّمة العفو الدولية، اتفاق الاتحاد الأوروبي-تونس حول الهجرة (2023).

    5

    حول الضغوط المؤسسية: اللجنة الدولية للحقوقيين، تقارير حول تونس 2023-2025; ياض بن عاشور، أعمال حول الانتقال الدستوري التونسي.

    6

    حول الدولة والسيادة والتبعية: Jean-François Bayart, L'État en Afrique, Fayard, 2006; Achille Mbembe, Politiques de l'inimitié, La Découverte, 2016.

    7

    حول الديناميكيات الاجتماعية والهجرة: Olfa Lamloum، أعمال حول الحركات الاجتماعية في تونس؛ حول مأساة مزّونة وتداعياتها، انظر فرانس 24.