Search with AI
Dollar Index
Brent Crude
Gold (XAU)
S&P 500
USD / CNY
Shanghai Comp.
الإثنين, يونيو 15, 2026
DXY
--
GOLD
--
BRENT
--
S&P 500
--
Search with AI
موجز تحليلي · الإسلام السياسي · المغرب العربي
تحليلات

الإسلام السياسي في نظام إقليمي جديد : من فاعل عابر للحدود إلى فاعل محلي مقيّد

الأزمنة : مجلّة الـ PNTشبكة السياسات لدراسة التحوّلات الإستراتيجية

لم يخرج الإسلام السياسي من التاريخ بقدر ما جرى نزع مركزيته الإقليمية وإعادة دفعه نحو المحلي؛ فلحظة ما بعد غزة أعادت إليه الرمز، لكنها لم تُعِد إليه الفاعل.

النوعدراسة في علم الاجتماع السياسي
الكاتبفؤاد غربالي
الانتماءأستاذ علم الاجتماع السياسي، جامعة قفصة، تونس
مقدمة

لم يعد الحديث عن الإسلام السياسي في المجال العربي، وخصوصًا في المغرب العربي، ممكنًا بالمعجم نفسه الذي ساد خلال العقدين السابقين.

فالحركات التي قُدّمت طويلًا بوصفها حاملة لوعدٍ تاريخي يتجاوز الدولة الوطنية، أو بوصفها تعبيرًا عن عودة المرجعية الإسلامية إلى المجال العمومي في صيغة مجتمعية وسياسية عابرة للحدود، تجد نفسها اليوم داخل سياق مختلف جذريًا: سياق تُعاد فيه صياغة الإقليم تحت ضغط الحرب، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، وتحوّل أولويات الدولة، وتآكل الأوهام التي صاحبت لحظة 2011. بهذا المعنى، لا يبدو الإسلام السياسي اليوم مجرد فاعل تراجعت شعبيته أو تقلّص هامش حركته، بل فاعلًا تغيّرت البنية التي كانت تمنحه المعنى والامتداد والقدرة على إنتاج أفقٍ يتجاوز المحلي.

إن ما بعد غزة لا يعبّر فقط عن حدثٍ جيوسياسي جديد، بل عن لحظة انكشاف عميقة أعادت ترتيب العلاقة بين القضية الفلسطينية، والشرعية السياسية، والخطاب الإسلامي، والدولة الوطنية، والمجال الإقليمي كله.(1) وتشير المعطيات الأحدث إلى أن حرب غزة ما تزال تلقي بثقلها الإنساني والسياسي على المنطقة، وأن الرأي العام العربي ازداد رفضًا للتطبيع بعد 7 أكتوبر، بما جعل فلسطين تستعيد مركزيتها الرمزية والسياسية في المجال العربي حتى حين تعجز الأنظمة والحركات معًا عن تحويل ذلك إلى مشروع إقليمي جديد.

لقد ظهر الإسلام السياسي، في أحد أهم تمثلاته الحديثة، بوصفه نقدًا مزدوجًا: نقدًا للدولة الوطنية ما بعد الاستعمار حين فشلت في إدماج المجتمع وفي إنتاج العدالة والكرامة، ونقدًا للترتيبات الدولية والإقليمية التي أبقت المنطقة داخل التبعية والعنف والتفاوت. لذلك لم يكن صعوده مجرد صعود حزبي أو دعوي، بل كان أيضًا صعودَ لغةٍ سياسية ادّعت القدرة على وصل الأخلاقي بالسياسي، والمحلي بالأممي، والديني بالاحتجاجي، والهوية بالعدالة.(2) غير أن هذا الصعود كان يحمل منذ البداية تناقضه الخاص: إذ كلما اقترب الإسلام السياسي من الدولة، اضطر إلى الترجمة الوطنية لخطابه؛ وكلما دخل في لعبة المؤسسات، فقد جزءًا من فائضه الرمزي العابر للحدود؛ وكلما راهن على المجتمع، اكتشف أن المجتمع نفسه ليس كتلةً دينية متجانسة، بل فضاءٌ مشقّق بالطبقة، والجهة، والجيل، والمصلحة، والتعب السياسي المتراكم.(3)

هنا تحديدًا تبرز أهمية الربيع العربي، لا بوصفه لحظة صعود للإسلاميين فحسب، بل بوصفه أيضًا اللحظة التي وُضع فيها الإسلام السياسي أمام امتحانه التاريخي الأصعب. فقد منحت انتفاضات 2011 هذه الحركات فرصة نادرة للانتقال من المعارضة الأخلاقية إلى الفعل الحكومي، ومن التعبئة الاجتماعية إلى إدارة الدولة، ومن الخطاب الاحتجاجي إلى التسوية. لكن هذه النقلة لم تُنتج فقط مشكلات تقنية تتعلق بالحكم والائتلافات والاقتصاد، بل كشفت عن مفارقة بنيوية: الحركات التي راكمت مشروعيتها من نقد الدولة وجدت نفسها مطالبة بحمايتها؛ والحركات التي استثمرت في خطاب الهوية وجدت نفسها محكومة بأسئلة التشغيل والتوزيع والمالية العمومية؛ والحركات التي بنت جزءًا من قوتها على الرأسمال العابر للحدود وجدت نفسها مقيدة بحدود الوطنية السياسية وموازين القوى الإقليمية والدولية.(4) من هذه الزاوية، لم يكن فشل التجارب أو تعثرها مجرد نتيجة لمؤامرات مضادة أو أخطاء ذاتية منفصلة، بل تعبيرًا عن حدود الانتقال نفسه، أي عن استحالة الجمع السلس بين المخيال الإسلامي الحركي ومنطق الدولة المعاصرة في لحظة إقليمية مضطربة.

وفي المغرب العربي، أخذ هذا التحول شكلًا أكثر تعقيدًا. فالإسلام السياسي هنا لم يتكوّن فقط داخل علاقة صدام مع الدولة، بل داخل مسارات طويلة من إعادة الضبط والاحتواء والتفاوض، ما جعله أقل ثورية من بعض نظائره المشرقية وأكثر التصاقًا بحسابات التكيّف المحلي.(18) لكنّ هذا التكيّف، الذي بدا في لحظة ما مصدر قوة ومرونة، انقلب لاحقًا إلى قيد. فبقدر ما قبلت هذه الحركات بقواعد اللعبة الوطنية، خسرت تدريجيًا صورة الفاعل التاريخي الكبير، وصارت تُقرأ كطرف حزبي من بين أطراف أخرى، بل أحيانًا كجزء من أزمة التمثيل نفسها. ومن ثَمّ، فإن التحول من فاعل عابر للحدود إلى فاعل محلي مقيّد لا يعني فقط الانتقال من الإقليمي إلى الوطني، بل يعني أيضًا الانتقال من الوعد إلى الإدارة، ومن التعبئة إلى التبرير، ومن الطموح الحضاري إلى البقاء التنظيمي.

ويبدو المثال التونسي، في هذا السياق، الأكثر كثافةً من حيث الدلالة. فمنذ 2011 مثّلت تونس، بالنسبة إلى كثير من الأدبيات، المختبر الأكثر أهمية لاختبار فرضية «دمقرطة الإسلاميين» أو «تونسنة» الإسلام السياسي، أي انتقاله من منطق الجماعة العقائدية إلى منطق الحزب المدني ذي المرجعية الإسلامية.(6) وقد بدا مسار حركة النهضة، في لحظات عديدة، تجسيدًا لهذا التحول: قبول بالتعددية، وفصل نسبي بين الدعوي والسياسي، وتموضع براغماتي داخل الدولة، واستعداد للتسوية مع خصومها. غير أن هذا النجاح النسبي أخفى بدوره مفارقة أخرى: فكلما اقتربت النهضة من نموذج «الحزب العادي»، خسرت جزءًا من التفرد الذي صنع قوتها؛ وكلما ازدادت قابليتها للاندماج، ازدادت قابليتها أيضًا لأن تُحمَّل كلفة المنظومة كلها. وهكذا لم تعد تُواجَه فقط باعتبارها خطرًا هوياتيًا، بل باعتبارها أحد وجوه الفشل السياسي العام، وأحد مكونات الأزمة الاجتماعية التي ضربت الفئات الوسطى والشباب والجهات المهمشة.

بعد 25 يوليو/تموز 2021، ثم مع إعادة هندسة النظام السياسي والدستوري في تونس بما زاد من تركّز السلطة الرئاسية وأضعف الأحزاب والبرلمان، دخلت البلاد طورًا جديدًا لم يعد فيه السؤال الأساسي: هل يشارك الإسلاميون في الحكم؟ بل: هل ما يزال هناك أصلًا فضاء سياسي يسمح بفاعلية حزبية ذات معنى؟ وتشير المعطيات المتاحة إلى أن تونس انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى بنية أكثر رئاسوية، وأن التوازنات التي صنعت استثناءها الديمقراطي القصير قد تآكلت بصورة واضحة، بينما تُظهر استطلاعات الرأي انقسامًا تونسيًا حادًا بين التفضيل الديمقراطي والانجذاب إلى الحاكم القوي. في هذا السياق، لا يبدو تراجع الإسلام السياسي التونسي مجرد نتيجة لتراجع شعبيته أو لنجاح خصومه، بل نتيجة لتحول أوسع أصاب المجال السياسي نفسه: تقلص الوساطة، تآكل الثقة في الأحزاب، صعود أخلاقيات الخلاص السلطوي، وتحوّل الدولة من موضوع تفاوض إلى جهاز احتكار جديد للسيادة والشرعية.

لكنّ لحظة ما بعد غزة أعادت هذه المسألة إلى مستوى آخر. إذ بينما كانت الأنظمة العربية تسعى إلى إعادة ترتيب الإقليم على قاعدة الأمن والاستقرار والبراغماتية، جاءت الحرب لتُظهر أن فلسطين ما تزال قادرة على إعادة شحن المجال الرمزي العربي، لا لصالح الإسلاميين بالضرورة، بل ضد السرديات التي بشّرت بإغلاق المسألة الفلسطينية داخل ترتيبات التطبيع أو داخل برودة الدولة الأمنية. هنا تكمن المفارقة الأساسية: فالحرب التي أعادت الاعتبار إلى المعجم التاريخي الذي طالما استثمر فيه الإسلام السياسي، جاءت في لحظة صار فيها هذا الإسلام السياسي ذاته أضعف تنظيميًا، وأضيق اجتماعيًا، وأكثر حصارًا مؤسساتيًا من أي وقت مضى. أي إن القضية التي تمنحه المعنى لم تعد تمنحه بالضرورة القوة. لقد استعاد الرمز كثافته، لكن الفاعل الذي بنى على هذا الرمز جزءًا من شرعيته لم يعد يمتلك الشروط الاجتماعية والسياسية نفسها لتحويله إلى مشروع تعبئة مستدامة.(14)

من هنا تنبثق الإشكالية الضمنية التي تؤطر هذا الموضوع: هل نحن أمام أفول الإسلام السياسي فعلًا، أم أمام تحوّل في صيغته ووظيفته ومجاله؟ وهل يكمن ضعفه الحالي في انكسار مشروعه، أم في أن الإقليم الجديد لم يعد يسمح أصلًا بفاعلين سياسيين ذوي امتداد مجتمعي مستقل عن الدولة؟ ثم هل تكشف الحالة التونسية عن فشل الإسلاميين، أم عن فشل المجال الانتقالي كله، بما في ذلك القوى التي قدّمت نفسها بديلًا عنهم؟

الإشكالية · هل هو أفولٌ أم تحوّل؟

الفرضية التي يمكن أن تقود هذا التحليل، دون التصريح الفجّ بها، هي أن الإسلام السياسي لم يخرج من التاريخ بقدر ما جرى نزع مركزيته الإقليمية وإعادة دفعه نحو المحلي، حيث لا يظهر كقوة خلاص، بل كفاعل مثقل بذاكرة الحكم، وبضعف التنظيم، وبعنف الإقليم، وبانكماش المجتمع السياسي. بذلك يصبح السؤال الحقيقي أقل تعلقًا بمصير «الإسلاميين» في حد ذاته، وأكثر تعلقًا بما يكشفه هذا المصير عن إعادة تركيب الدولة والشرعية والاحتجاج والهوية في المغرب العربي بعد الربيع العربي وبعد غزة، وبخاصة في تونس، حيث تحوّل الحزب الذي مثّل يومًا عنوان الانتقال إلى شاهد على انسداده.(8)

01 — من «التوافق» إلى التفكك

الإسلام السياسي كفاعل اندماج فقد شروط الوساطة

في التجربة التونسية، لم يكن «التوافق» مجرد خيار سياسي ظرفي، بل شكّل بنية عميقة لتنظيم المجال السياسي بعد 2011، وآلية لإعادة تركيب العلاقة بين الدولة والمجتمع في سياق انتقال هشّ. فقد مثّل هذا التوافق، الذي تبلور أساسًا بين حركة النهضة وخصومها، صيغةً لإدارة التوتر بين منطقين متعارضين: منطق الثورة الذي يطالب بإعادة توزيع السلطة والموارد، ومنطق الدولة الذي يسعى إلى استعادة الاستقرار والسيطرة. في هذا الإطار، برز الإسلام السياسي، وخاصة حركة النهضة، كفاعل مركزي في إنتاج هذه الوساطة، ليس فقط بوصفه حزبًا سياسيًا، بل كجسر بين عوالم متباعدة: بين المجال الديني والمجال السياسي، بين الفئات الشعبية والدولة، وبين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة.(1)

غير أن هذا الدور الوسيط كان يحمل في ذاته مفارقة بنيوية: فكلما تعمّق اندماج الإسلام السياسي في مؤسسات الدولة، تقلّصت قدرته على تمثيل الاحتجاج الاجتماعي، وكلما ازداد قبوله بقواعد اللعبة السياسية، تآكلت شرعيته كفاعل بديل. لقد انتقلت النهضة، في فترة قصيرة نسبيًا، من موقع الحركة التي تستمد قوتها من المعارضة ومن شبكاتها الاجتماعية، إلى موقع الحزب الذي يتحمّل كلفة الحكم دون أن يمتلك أدواته الكاملة، خاصة في ظل توازنات اقتصادية واجتماعية مختلة، وضغوط إقليمية ودولية متزايدة. هذا التحول لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل كان تعبيرًا عن حدود أعمق: حدود إمكانية التوفيق بين خطاب إسلامي حركي ومقتضيات الدولة الوطنية.(5)

في هذا السياق، يمكن فهم «التوافق» ليس فقط كحلّ، بل كآلية تأجيل للأزمة. فقد أتاح هذا الترتيب الحد الأدنى من الاستقرار السياسي، لكنه في المقابل ساهم في تمييع المسؤوليات، وإضعاف الحدود بين السلطة والمعارضة، وتفريغ الفعل السياسي من طابعه التمثيلي. ومع مرور الوقت، تحوّل التوافق إلى عبء على جميع أطرافه، وخاصة على الإسلام السياسي، الذي وجد نفسه في موقع دفاعي دائم، مطالبًا بتبرير سياسات لا يتحكم فيها بالكامل، ومتهمًا في الوقت ذاته بالعجز أو التواطؤ. وهكذا، بدأ يتآكل تدريجيًا كفاعل وساطة، لا لأنه فشل فقط في الحكم، بل لأنه فقد الموقع الذي كان يمنحه القدرة على الربط بين الدولة والمجتمع.(11)

يُضاف إلى ذلك عامل حاسم آخر، يتمثل في التحولات الاجتماعية العميقة التي شهدها المجتمع التونسي بعد الثورة، وخاصة تآكل الطبقة الوسطى، وتصاعد البطالة، واتساع الفجوة بين المركز والجهات. هذه التحولات لم تخلق فقط طلبًا اجتماعيًا جديدًا، بل أعادت تشكيل أنماط التمثيل السياسي، بحيث لم تعد الأحزاب، بما في ذلك الإسلاميون، قادرة على احتكار التعبير عن المطالب الاجتماعية. في هذا الإطار، فقد الإسلام السياسي جزءًا مهمًا من قاعدته الاجتماعية، ليس بسبب تحوّل أيديولوجي جذري، بل نتيجة عجزه عن الاستجابة لتوقعات مادية متزايدة، وعن ترجمة خطابه الأخلاقي إلى سياسات ملموسة.(7)

مع انتخابات 2019، بدأ هذا التفكك يظهر بوضوح أكبر. فقد تراجعت الثقة في الأحزاب عمومًا، وصعدت أشكال جديدة من التعبير السياسي تقوم على رفض الوساطة نفسها, لا على إعادة تشكيلها. وفي هذا السياق، لم يعد الإسلام السياسي يُنظر إليه كجزء من الحل، بل كجزء من المشكلة، أي كعنصر من عناصر المنظومة التي يُراد تجاوزها. هذا التحول في الإدراك الجماعي كان حاسمًا، لأنه لم يستهدف فقط أداء الإسلاميين، بل استهدف أيضًا موقعهم كفاعل وسيط، أي كقناة لتمثيل المجتمع داخل الدولة.

تتعمّق هذه الدينامية بشكل حاد بعد 25 يوليو 2021، حيث دخلت تونس طورًا جديدًا من إعادة تشكيل الدولة، قائمًا على تقليص دور الأحزاب، وتركيز السلطة في يد الرئاسة، وإعادة تعريف الشرعية السياسية خارج الأطر التمثيلية التقليدية. في هذا السياق، لم يكن تراجع الإسلام السياسي استثناءً، بل كان الأكثر وضوحًا، بحكم موقعه المركزي في المرحلة السابقة. فقد تم تفكيك جزء كبير من بنيته المؤسسية، وتقييد حضوره السياسي، وإعادة تأطيره ضمن خطاب يربطه بالفشل العام للمنظومة.(8)

غير أن هذا التحول لا يمكن اختزاله في بعده السياسي فقط، بل يجب فهمه أيضًا في إطار إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع. فمع انكماش المجال السياسي، وصعود خطاب يركّز على السيادة والقرار المركزي، تراجعت الحاجة إلى الفاعلين الوسيطين، بما في ذلك الأحزاب والنقابات. وفي هذا السياق، يفقد الإسلام السياسي أحد أهم مصادر قوته: قدرته على لعب دور الوسيط بين مستويات مختلفة من الفعل الاجتماعي. لم يعد هناك طلب قوي على هذا النوع من الوساطة، بل على العكس، أصبح يُنظر إليه كعائق أمام الفعل المباشر للدولة.

لكن المفارقة الكبرى تظهر عند إدخال عنصر ما بعد غزة في التحليل. فقد أعادت هذه الحرب إحياء العديد من الرموز والمعاني التي شكّلت جزءًا من خطاب الإسلام السياسي: التضامن، الأمة، المظلومية، العدالة. غير أن هذه الاستعادة الرمزية لم تُترجم إلى استعادة سياسية للإسلاميين. بل على العكس، ظهرت أشكال جديدة من التعبئة، غالبًا خارج الأطر الحزبية، وأكثر سيولة، وأقل ارتباطًا بالبنى التنظيمية التقليدية. في الحالة التونسية، تجلّى ذلك في تحركات شبابية ومدنية، وفي حضور قوي للفضاء الرقمي، دون أن يكون للإسلام السياسي دور قيادي واضح فيها.

هنا تتجلى المفارقة في أوضح صورها: الإسلام السياسي يستعيد لغته، لكنه لا يستعيد موقعه؛ الرموز تعود، لكن الفاعل الذي بنى عليها جزءًا من شرعيته يفقد قدرته على تعبئتها. وهذا ما يدفع إلى إعادة التفكير في طبيعة التحول الجاري: هل نحن أمام أفول نهائي، أم أمام إعادة توزيع للأدوار داخل مجال سياسي جديد؟ وهل فقد الإسلام السياسي شروط الوساطة لأنه فشل، أم لأن المجال نفسه لم يعد يسمح بهذا النوع من الفاعلية؟

المفارقة الأولى · أزمة التمثيل

في هذا الإطار، يمكن القول إن ما حدث في تونس لا يعكس فقط أزمة الإسلام السياسي، بل أزمة أوسع في بنية التمثيل السياسي. فالتفكك الذي أصاب «التوافق» لم يؤدِّ إلى بناء بديل مستقر، بل إلى فراغ نسبي، تُملؤه الدولة بشكل متزايد، على حساب الفاعلين الوسيطين. بذلك، يصبح الإسلام السياسي في تونس اليوم مثالًا مكثفًا لتحول أوسع: من فاعل كان يُقدَّم كبديل للنظام، إلى فاعل أصبح جزءًا من أزمة النظام، ومن وسيط بين المجتمع والدولة، إلى فاعل فاقد لشروط هذه الوساطة.

02 — إعادة تشكيل الدولة بعد 25 جويلية

انكماش المجال السياسي وتقييد الفاعلين

لم يعد ممكنًا قراءة ما حدث في تونس بعد 25 جويلية بوصفه مجرد إعادة توزيع للسلطة داخل الحقل السياسي، بل يتعيّن فهمه كتحوّل في منطق الدولة ذاتها، أي كإعادة بناء لشروط إنتاج السلطة والشرعية، بما يستتبع بالضرورة إعادة تعريف موقع الفاعلين، وفي مقدمتهم الإسلام السياسي. فالدولة، في هذا الطور الجديد، لا تعيد فقط تركيز القرار، بل تعيد أيضًا رسم حدود المجال السياسي، عبر تقليص الوساطات، وإعادة ضبط قنوات التعبير، وتحويل العلاقة مع المجتمع إلى علاقة أكثر مباشرة، لكنها في الآن ذاته أكثر عمودية وأقل تفاوضية.(9) ضمن هذا التحول، لا يعود السؤال الأساسي متعلقًا بمشاركة الإسلاميين في الحكم، بل بقدرتهم على البقاء كفاعلين سياسيين ذوي معنى داخل مجال يعاد تشكيله على نحو يحدّ من إمكانات الفعل الوسيط.

لقد شكّل الإسلام السياسي، في المرحلة التي تلت 2011، أحد الأعمدة الأساسية لبنية الوساطة السياسية في تونس. فحركة النهضة لم تكن مجرد حزب، بل فاعلًا يتوسط بين مستويات متعددة: بين الدولة والمجتمع، بين المرجعية الدينية ومتطلبات السياسة، وبين الداخل والخارج. هذا الموقع الوسيط مكّنها من لعب دور مركزي في إدارة التوازنات، لكنه جعلها أيضًا أكثر عرضة للتآكل عندما تغيّرت شروط اللعبة. فمع تراجع التعددية التفاوضية، وانكماش المجال السياسي، لم يعد هناك طلب فعلي على هذا النوع من الوساطة، بل على العكس، أصبح يُنظر إليه كجزء من الأزمة، لا كجزء من الحل.(10)

في هذا السياق، يندرج تراجع الإسلام السياسي ضمن دينامية أوسع لما يمكن تسميته بإعادة التشكيل السلطوي، حيث لا يتم فقط تقليص نفوذ فاعل بعينه، بل إعادة ترتيب الحقل السياسي بما يقلّص إمكانات جميع الفاعلين الوسيطين. غير أن خصوصية الإسلام السياسي تكمن في كونه الأكثر ارتباطًا بالمرحلة السابقة، والأكثر استثمارًا في منطق التوافق، ما جعله الهدف الأبرز لخطاب «تصحيح المسار». بهذا المعنى، لا يُفهم تقييده فقط كإجراء سياسي، بل كجزء من إعادة كتابة سردية المرحلة، حيث يُعاد تأطيره كرمز للفشل، وكأحد أسباب الانسداد الذي يفترض تجاوزه.(10)

لكن هذا التقييد لا يعمل فقط على مستوى الخطاب أو المؤسسات، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والسياسية التي كان يتحرك ضمنها الإسلام السياسي. فمع انكماش المجال العمومي، وتراجع الأحزاب، وتفكك أنماط التعبئة التقليدية، يفقد هذا الفاعل إحدى أهم وظائفه، أي قدرته على تحويل المطالب الاجتماعية إلى خطاب سياسي منظم. لم يعد قادرًا على لعب دور القناة التي تربط الاحتجاج بالمؤسسة، أو التي تترجم التوترات الاجتماعية إلى مواقف سياسية قابلة للتفاوض. وهنا يتجلى أحد أعمق أبعاد التحول: ليس فقط إقصاء الإسلاميين من مواقع القرار، بل نزع وظيفتهم الوسيطة التي كانت تمنحهم معنى داخل النظام السياسي.(12)

يتقاطع هذا المسار مع تحولات أوسع في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تتجه الدولة إلى احتكار متزايد لمجالات التعريف والتأويل، بينما يتجه المجتمع إلى أشكال أكثر تشتتًا من التعبير، أقل قابلية للتنظيم، وأكثر انفصالًا عن الأطر الحزبية. في هذا السياق، يجد الإسلام السياسي نفسه محاصرًا بين مستويين: من الأعلى، دولة تعيد بناء سلطتها على حساب الوساطة؛ ومن الأسفل، مجتمع لم يعد ينتج نفس الأشكال الجماعية التي يمكن تأطيرها سياسيًا. هذا الوضع يضعه في موقع هشّ، لا يسمح له بإعادة إنتاج دوره السابق، ولا يتيح له بسهولة التحول إلى شكل جديد من الفاعلية.(13)

غير أن المفارقة الأهم تظهر عند النظر إلى البعد الرمزي. فبينما يتم تقييد الإسلام السياسي تنظيميًا وسياسيًا، تعود بعض القضايا التي شكّلت جزءًا من رأسماله الرمزي، مثل القضية الفلسطينية، إلى الواجهة بقوة، خاصة في سياق ما بعد غزة. لكن هذه العودة لا تُترجم إلى استعادة سياسية لهذا الفاعل، بل إلى أشكال جديدة من التعبئة، غالبًا خارج الأطر الحزبية، وأكثر سيولة وأقل ارتباطًا بالبنى التنظيمية التقليدية. هنا تتجلى مفارقة حادة: الإسلام السياسي يستعيد لغته، لكنه لا يستعيد موقعه؛ الرموز تعود، لكن الفاعل الذي بنى عليها جزءًا من شرعيته يفقد قدرته على تعبئتها.

بذلك، لا يمكن فهم وضعية الإسلام السياسي في تونس اليوم كأفول بسيط، بل كتحول في موقعه داخل حقل يعاد تشكيله. فهو لم يُقصَ بالكامل، لكنه فقد الشروط التي كانت تمنحه القدرة على التأثير: الوساطة، الامتداد الاجتماعي، والقدرة على الربط بين مستويات مختلفة من الفعل السياسي. وهذا ما يجعله نموذجًا مكثفًا لفهم التحول الأوسع في المنطقة، حيث لا يتم فقط تقييد الإسلاميين، بل إعادة تعريف السياسة نفسها، على نحو يقلّص دور الفاعلين الوسيطين لصالح دولة أكثر تركيزًا للسلطة.

03 — ما بعد غزة

استعادة الرمز دون استعادة الفاعل

«الإسلام السياسي يستعيد لغته، لكنه لا يستعيد موقعه؛ الرموز تعود، لكن الفاعل الذي بنى عليها جزءًا من شرعيته يفقد قدرته على تعبئتها».

تكشف لحظة ما بعد غزة، في السياق التونسي، عن مفارقة تحليلية دقيقة تتجاوز القراءة المباشرة لعودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة، لتطرح سؤالًا أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الرمز والفاعل داخل المجال السياسي المعاصر. فمن الواضح أن الحرب أعادت شحن المجال العمومي بلغة التضامن والعدالة والمظلومية، وهي مفردات شكّلت تاريخيًا جزءًا من الرأسمال الرمزي للإسلام السياسي، الذي بنى جزءًا من شرعيته على قدرته على تمثيل القضايا العابرة للحدود وربطها بالفضاء المحلي.(14) غير أن هذه الاستعادة المكثفة للرمز لم تُترجم إلى استعادة موازية للفاعل الذي طالما ادّعى احتكاره، بل على العكس، كشفت عن انزياح عميق في بنية المجال السياسي، حيث لم يعد الرمز يؤدي تلقائيًا إلى إعادة إنتاج الفاعل الذي يستثمر فيه.

في هذا الإطار، لا يمكن فهم التحركات التضامنية التي شهدتها تونس باعتبارها امتدادًا مباشرًا للأنماط التعبوية التقليدية، بل بوصفها تعبيرًا عن تحوّل في أشكال الفعل الجماعي، حيث تتخذ التعبئة صيغًا شبكية، مرنة، وأقل ارتباطًا بالبنى الحزبية. فالمجال الاحتجاجي لم يعد محكومًا بالضرورة بمنطق التنظيم المركزي، بل أصبح يتشكل عبر تفاعلات متعددة، تتقاطع فيها الفضاءات الرقمية مع الحضور الميداني، وتُنتج أشكالًا من التعبير يصعب احتواؤها ضمن الأطر الكلاسيكية.(15) هذا التحول يضع الإسلام السياسي أمام معضلة مزدوجة: فمن جهة، يستعيد الخطاب الذي يغذي رمزيته، ومن جهة أخرى، يفقد القدرة على تحويل هذا الخطاب إلى مورد تعبوي مستدام، لأن شروط التعبئة نفسها قد تغيّرت.

تخطيط تحليلي · الرمز مقابل الفاعل
«فجوة الفاعلية»: حين يصعد الرمز وينحسر الفاعل
منحنيان متعاكسان يجسدان جوهر التحول: صعود مطرد لمركزية القضية الفلسطينية كزخم رمزي، مقابل تراجع القدرة التنظيمية والتمثيلية للإسلام السياسي كفاعل ميداني. يمثل تقاطعهما لحظة الانفصال البنيوي بين الوجدان الشعبي والأداة السياسية، وهو ما يشكل جوهر منطق التحليل في النص.
كثافة الرمز (مركزية فلسطين / رفض التطبيع) قوة الفاعل (تمثيل وتنظيم الإسلام السياسي)

القراءة. يصعد الرمز بفعل حرب غزة وانهيار سرديات التطبيع، بينما يهبط الفاعل بفعل تفكك التوافق وإعادة تشكيل الدولة. «القضية التي تمنحه المعنى لم تعد تمنحه بالضرورة القوة».(16)

تتعمّق هذه المفارقة عند النظر إلى تحولات المجال العمومي، الذي لم يعد فضاءً تُحتكر فيه القضايا من قبل فاعلين محددين، بل مجالًا مفتوحًا لإعادة التأويل المستمر، حيث تتعدد الأصوات وتتنافس على تعريف معنى الحدث. فالقضية الفلسطينية، في هذا السياق، لم تعد مجرد قضية سياسية، بل أصبحت إطارًا رمزيًا يُعاد من خلاله التعبير عن مظالم متعددة، تتجاوز البعد الجيوسياسي إلى أبعاد اجتماعية وأخلاقية.(16) غير أن هذا التوسع في الدلالة لا يخدم بالضرورة الفاعلين الذين بنوا مشروعهم على احتكار هذا الرمز، بل قد يؤدي إلى تفكيك هذا الاحتكار، عبر إدماج القضية في شبكات أوسع من المعاني والتجارب.

في الحالة التونسية، يظهر هذا التحول بوضوح في انفصال المجال الاحتجاجي عن التنظيمات الحزبية، حيث تتخذ التعبئة أشكالًا أقرب إلى ما يمكن تسميته بالفعل الجماعي غير المؤطر، الذي لا يسعى بالضرورة إلى التمأسس أو إلى التحول إلى قوة سياسية منظمة. هذا النمط من الفعل، الذي يتغذى على الديناميات الرقمية وعلى شبكات التضامن العابرة للحدود، يعكس انتقالًا من منطق التعبئة إلى منطق الحضور، أي من السعي إلى التأثير المباشر في القرار السياسي إلى إنتاج لحظات كثيفة من التعبير الرمزي.(13) وهنا تحديدًا يفقد الإسلام السياسي إحدى أهم ميزاته، أي قدرته على تحويل الرمز إلى تنظيم، وعلى ربط العاطفة السياسية ببنية مؤسساتية.

لا يعني هذا التحول اختفاء الإسلام السياسي من المجال العمومي، بل إعادة تعريف موقعه داخله. فهو لم يعد الفاعل المركزي الذي يحتكر التعبير عن القضايا الكبرى، بل أصبح أحد الفاعلين ضمن فضاء أكثر تعددية، وأقل قابلية للاحتكار. هذا التراجع لا يرتبط فقط بضعف تنظيمي أو بأخطاء سياسية، بل بتحول أعمق في طبيعة الفعل السياسي، حيث لم تعد الشرعية تُبنى فقط عبر التمثيل، بل أيضًا عبر القدرة على التفاعل مع شبكات معقدة من المعاني والرموز. في هذا السياق، يبدو الإسلام السياسي وكأنه يواجه أزمة مزدوجة: أزمة في التمثيل، لأنه لم يعد قادرًا على احتكار التعبير عن القضايا العابرة للحدود، وأزمة في التنظيم، لأنه لم يعد يمتلك الأدوات الكفيلة بتحويل هذه القضايا إلى قوة سياسية فعالة.

تتداخل هذه الأزمة مع التحولات التي عرفها المجال السياسي التونسي بعد 25 جويلية، حيث أدى انكماش الفضاء المؤسسي إلى تقليص إمكانات الفعل الحزبي، بما في ذلك الإسلام السياسي. فغياب قنوات التمثيل الفعالة، وتراجع دور الأحزاب، يعززان من انتقال الفعل السياسي إلى فضاءات أقل مؤسساتية، حيث يصعب على الفاعلين التقليديين إعادة إنتاج دورهم.(17) بذلك، يجد الإسلام السياسي نفسه في موقع معقّد: فهو مُقيّد من الأعلى بفعل إعادة تشكيل الدولة، ومُتجاوز من الأسفل بفعل تحولات أنماط التعبئة.

غير أن المفارقة لا تكتمل إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن استعادة الرمز لا تعني بالضرورة استعادة الفاعل، بل قد تعكس على العكس تفكك العلاقة بينهما. فالقضية الفلسطينية، رغم مركزيتها المتجددة، لم تعد تُترجم تلقائيًا إلى دعم سياسي للفاعلين الذين تبنوها تاريخيًا، بل أصبحت موردًا رمزيًا مشاعًا، يمكن أن يُعاد توظيفه بطرق متعددة، وأحيانًا متعارضة. هذا الانفصال بين الرمز والفاعل يكشف عن تحول في بنية المجال السياسي، حيث لم يعد بالإمكان بناء مشروع سياسي مستدام على أساس رأسمال رمزي فقط، دون القدرة على التكيف مع تحولات التنظيم والتمثيل.

من هذا المنظور، لا يبدو ما بعد غزة مجرد لحظة استعادة للمعنى، بل أيضًا لحظة اختبار لقدرة الفاعلين على التكيف مع شروط جديدة للفعل السياسي. والإسلام السياسي، في الحالة التونسية، يبدو كأنه يواجه هذا الاختبار من موقع هش، حيث لم تعد شروط إعادة إنتاج دوره قائمة، لا على مستوى المجال المؤسسي، ولا على مستوى أنماط التعبئة الاجتماعية. بذلك، فإن المفارقة التي تكشفها هذه اللحظة لا تتعلق فقط بتراجع فاعل معين، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الرمز والسياسة، وبين التعبير والتنظيم، في سياق يتسم بتزايد السيولة وتقلص الوساطات. وهذا ما يعيدنا إلى الإشكالية العامة للمقال: ليس فقط كيف تراجع الإسلام السياسي، بل لماذا لم يعد قادرًا على تحويل لحظات كثيفة من المعنى إلى قوة سياسية مستدامة.

خاتمة

ليس أفولًا خطيًا، بل تحوّلٌ في شروط إنتاج الفعل السياسي

لا تقودنا قراءة التحولات الثلاثة، تفكك منطق التوافق، إعادة تشكيل الدولة بعد 25 جويلية، ومفارقة ما بعد غزة، إلى استنتاج خطي عن «أفول» الإسلام السياسي، بقدر ما تدفع نحو إعادة صياغة السؤال نفسه: ماذا يعني أن يكون الفاعل السياسي ممكنًا اليوم في مجال يعاد تعريف حدوده ووظائفه؟ إن ما تكشفه الحالة التونسية ليس نهاية فاعل بعينه، بل تحوّل في شروط إنتاج الفعل السياسي، حيث لم تعد الوساطة، كما عرفناها بعد 2011، هي الإطار الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، ولم يعد الرأسمال الرمزي، مهما بلغت كثافته، كافيًا لإعادة إنتاج موقع سياسي مستقر.

فمن جهة أولى، أظهر تفكك التوافق أن الاندماج داخل الدولة قد يفضي إلى نزع القدرة على تمثيل الاحتجاج، وأن التحول إلى فاعل «وطني» قد يأتي على حساب الامتداد الاجتماعي الذي يمنح الشرعية. ومن جهة ثانية، بيّنت إعادة تشكيل الدولة أن المجال السياسي نفسه يمكن أن يُعاد ضبطه بما يقلّص إمكانات الفاعلين، ويحوّل التعددية إلى شكل محدود من الحضور دون تأثير. ومن جهة ثالثة، كشفت لحظة ما بعد غزة أن استعادة الرمز لا تعني بالضرورة استعادة الفاعل، وأن التعبئة يمكن أن تنتقل إلى أشكال شبكية وسيولة لا تُختزل في الأطر الحزبية. بين هذه المستويات الثلاثة، يتشكل أفق جديد لا تُقاس فيه قوة الفاعلين فقط بقدرتهم على التنظيم أو الخطاب، بل بقدرتهم على التكيّف مع تحولات عميقة في بنية المجال ذاته.

في هذا السياق، يمكن اقتراح أفق تحليلي يتجاوز ثنائية الصعود/الأفول، نحو فهم الإسلام السياسي، وغيره من الفاعلين، كجزء من إعادة تركيب أوسع للسياسة في المنطقة. هذا الأفق يقوم على ثلاث فرضيات ضمنية. أولًا، أن الدولة لم تعد مجرد إطار للفعل، بل أصبحت فاعلًا يعيد تعريف شروطه وحدوده، عبر تقليص الوساطة وإعادة تركيز السلطة، بما يفرض على الفاعلين إعادة التفكير في استراتيجياتهم خارج منطق المشاركة التقليدية. ثانيًا، أن المجال العمومي لم يعد فضاءً مستقرًا للتمثيل، بل مجالًا متحركًا تتداخل فيه الشبكات الرقمية، والتعبيرات العابرة، والاحتجاجات غير المؤطرة، ما يجعل العلاقة بين التنظيم والتعبئة أكثر هشاشة وتعقيدًا. ثالثًا، أن الرمز السياسي، مهما كانت قوته، لم يعد قابلًا للاحتكار، بل أصبح موضوع تنازع دائم، يُعاد توظيفه خارج الأطر التي أنتجته، ما يضع الفاعلين أمام تحدي تحويل المعنى إلى ممارسة دون امتلاك أدوات السيطرة عليه.

انطلاقًا من ذلك، يصبح السؤال المركزي أقل ارتباطًا بمصير الإسلام السياسي كتيار، وأكثر ارتباطًا بمستقبل الفعل السياسي في سياق يتسم بانكماش الوساطة وتزايد السيولة. هل يمكن أن تظهر أشكال جديدة من التنظيم قادرة على الربط بين التعبئة الشبكية والعمل المؤسسي؟ هل تستطيع القوى السياسية إعادة بناء شرعيتها خارج منطق التوافق الذي تآكل، ودون السقوط في التبعية للدولة المعاد تشكيلها؟ أم أن المجال يتجه نحو نمط أكثر انغلاقًا، حيث تتراجع السياسة لصالح إدارة تقنية أو سيادية للصراع؟

في هذا المعنى، تظل الحالة التونسية مفتوحة على احتمالات متعددة. فهي، رغم كل ما شهدته من انكماش، ما تزال تحتفظ بذاكرة سياسية كثيفة، وبقدرة كامنة على إعادة إنتاج الفعل الجماعي في لحظات الأزمات. غير أن هذه الإمكانات لا يمكن أن تتحقق إلا إذا أعيد التفكير في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الرمز والتنظيم، وبين الاحتجاج والتمثيل. بذلك، لا تنتهي هذه الدراسة عند حدود توصيف التحول، بل تفتح أفقًا لتحليل أعمق: كيف يمكن للسياسة أن تُعاد اختراعها في زمن تتفكك فيه وسائطها التقليدية، دون أن تفقد قدرتها على إنتاج معنى جماعي وتنظيم فعّال؟

فؤاد غربالي · أستاذ علم الاجتماع السياسي، جامعة قفصة، تونس

المراجع والإحالات

  1. Asef Bayat, Post-Islamism: The Changing Faces of Political Islam, Oxford University Press, 2013.
  2. Dale F. Eickelman & James Piscatori, Muslim Politics, Princeton University Press, 1996 ; François Burgat, Face to Face with Political Islam, I.B. Tauris, 2003.
  3. Carrie R. Wickham, The Muslim Brotherhood: Evolution of an Islamist Movement, Princeton University Press, 2013 ; Robert W. Hefner (ed.), Remaking Muslim Politics, 2005.
  4. Shadi Hamid, Temptations of Power: Islamists and Illiberal Democracy in a New Middle East, Oxford University Press, 2014.
  5. Nathan J. Brown, When Victory Is Not an Option, Cornell University Press, 2012 ; Shadi Hamid, Temptations of Power, 2014.
  6. Rached Ghannouchi, الحريات العامة في الدولة الإسلامية, 1993 ; Asef Bayat, Making Islam Democratic, 2007 ; Andrew F. March, 2009.
  7. Tarek Masoud, Counting Islam: Religion, Class, and Elections in Egypt, Cambridge University Press, 2014 ; Asef Bayat, Making Islam Democratic, 2007.
  8. Frédéric Volpi, « Tunisia: From Democratic Transition to Authoritarian Reconfiguration », 2021 ; Nicolas Dot-Pouillard, 2022 ; François Burgat, 2018.
  9. Michel Foucault, Sécurité, territoire, population, Gallimard/Seuil, 2004 ; Joel S. Migdal, State in Society, Cambridge University Press, 2001.
  10. Nathan J. Brown, When Victory Is Not an Option, 2012 ; Francesco Cavatorta, 2015 ; Steven Levitsky & Daniel Ziblatt, How Democracies Die, 2018 ; Nancy Bermeo, « On Democratic Backsliding », 2016.
  11. Frédéric Volpi, Political Islam Observed, 2010 ; Francesco Cavatorta & Fabio Merone (eds.), Salafism After the Arab Awakening, 2017.
  12. Sidney Tarrow, Power in Movement, Cambridge University Press, 2011 ; Pierre Bourdieu, Sur l’État, Seuil, 2012.
  13. Asef Bayat, Life as Politics, 2010 ; Salwa Ismail, Rethinking Islamist Politics, I.B. Tauris, 2006 ; Alberto Melucci, Challenging Codes, 1996.
  14. Judith Butler, Frames of War, Verso, 2009 ; Rashid Khalidi, The Hundred Years’ War on Palestine, 2020.
  15. Manuel Castells, Networks of Outrage and Hope, Polity, 2012 ; Paolo Gerbaudo, Tweets and the Streets, 2012.
  16. Nancy Fraser, « Rethinking the Public Sphere », Social Text, 1990 ; Stuart Hall (ed.), Representation, 1997.
  17. Doug McAdam, Sidney Tarrow & Charles Tilly, Dynamics of Contention, 2001 ; Sidney Tarrow, Power in Movement, 2011.
  18. Mohamed Tozy, Monarchie et islam politique au Maroc, Presses de Sciences Po, 1999 ; François Burgat, L’islamisme au Maghreb, 1988 ; Frédéric Volpi, 2015 ; Fawaz Gerges, 2024.