يكتسب المغرب مركزيته من الاتصال؛ فيما تستمد الجزائر مركزيتها من القدرة على الاحتفاظ، وعلى إبقاء المسافة، وعلى تثبيت التوازنات.
مقدمة
لا تختزل المنافسة بين الجزائر والمغرب في مجرد تجاور دولتين متنافستين؛ بل إنها تكشف، في جوهرها، عن تعارض بين نمطين من المركزية الاستراتيجية. ولا يستقيم فهم هذه المنافسة فهماً تاماً إلا إذا أُدرجت ضمن سياق أوسع من إعادة تركيب التوازنات الأوروبية‑المتوسطية والأفريقية وعبر الأطلسية. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، اكتسبت مسألة الأمن الطاقوي الأوروبي، وتأمين المضائق البحرية، والتنافس حول المعادن الحرجة، وإعادة رسم التحالفات الأمريكية، وزناً متزايداً، بما منح القوى الواقعة عند نقاط الوصل والعبور أهمية مضاعفة. وفي هذا السياق، لم تعد الجزائر والمغرب مجرد دولتين متنافستين في الفضاء المغاربي، بل غدتا صورتين متباينتين لشغل الموقع الاستراتيجي.
لقد غدا المغرب محوراً للتموضع الغربي: جبل طارق، والأطلسي، والفوسفات، والمعادن الحرجة، وسلاسل البطاريات، والتعاون العسكري مع واشنطن. وتؤكد خارطة الطريق الدفاعية الجديدة بين المغرب والولايات المتحدة للفترة 2026–2036 هذا الاندماج المتسارع في البنية الاستراتيجية الأمريكية.1 وتقوم هذه المركزية المغربية على منطق الإدماج: الإدماج في التدفقات البحرية، وفي السلاسل الصناعية الحرجة، وفي البنى العسكرية الأمريكية، وفي السياسات الغربية الرامية إلى التنويع في مواجهة الصين.
أما الجزائر فتمثل شيئاً مغايراً: قوة احتياط، أقل اندماجاً، لكنها أشد استقلالاً، وموقعها محوري بالنسبة إلى الطاقة الأوروبية، ومنطقة الساحل، والبحر المتوسط، والعمق الصحراوي. وهي أقل من أن تكون «شريكاً» بالمعنى التقليدي، وأكثر من أن تكون «متغيراً استراتيجياً»: فاعلٌ يتعين على واشنطن وبروكسل وموسكو وبكين أن تحسب حسابه، من غير أن تملك أيٌّ منها القدرة على تطويعه بالكامل. ولا تنبع مركزيتها أساساً من اندماجها في الشبكات العالمية، بل من قدرتها على التأثير في توازنات عدة في الوقت ذاته: إمدادات الغاز إلى أوروبا، وأمن الساحل، واستقرار المتوسط، والعلاقات مع روسيا والصين، واستقلال المغرب العربي إزاء البنى الغربية.
ويمكن اختزال هذا التعارض في عبارة دالة: المغرب يُسقِط نفوذه، والجزائر تستوعب. فالمغرب يسعى إلى أن يصبح عقدةً للحركة والعبور؛ بينما تظل الجزائر عمقاً استراتيجياً. يكتسب المغرب مركزيته من الاتصال؛ فيما تستمد الجزائر مركزيتها من القدرة على الاحتفاظ، وعلى إبقاء المسافة، وعلى تثبيت التوازنات.
مركزيتان ومنطقان
- محور للتموضع الغربي
- جبل طارق، الأطلسي، الفوسفات، سلاسل البطاريات
- قوة اندماج وتداول
- قوة احتياط أقل اندماجاً لكنها أكثر استقلالاً
- الطاقة الأوروبية، الساحل، المتوسط، العمق الصحراوي
- قوة احتفاظ وتثبيت
1. الجزائر: مركزية طاقوية، وعمق صحراوي، واستقلالية
تتمتع الجزائر بميزة لا يملكها المغرب: فهي قوة طاقوية. ومنذ الحرب في أوكرانيا، تعززت قيمتها الاستراتيجية بالنسبة إلى أوروبا، لأن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تقليص اعتماده على الغاز الروسي. وتمتلك الجزائر بنى تحتية مباشرة نحو أوروبا — من خطوط أنابيب ومحطات للغاز الطبيعي المسال — وتظل من أقرب البدائل الجغرافية المتاحة. ومع ليبيا، تنتمي إلى فضاء شمال أفريقي يملك احتياطات معتبرة من النفط والغاز الطبيعي؛ وبحسب دراسة CIDOB المنشورة في يناير 2026، يُقدَّر أن الجزائر تمتلك نحو 4.5 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز، مقابل نحو 1.05 تريليون لدى ليبيا.2
وتستند هذه المركزية إلى بنية مادية قديمة، لكنها ما تزال ذات شأن استراتيجي. فالجزائر مرتبطة بأوروبا عبر عدة منشآت بحرية وعبر‑متوسطية، ولا سيما خط «ترانسمد» نحو إيطاليا عبر تونس، وخط «ميدغاز» نحو إسبانيا. ويضاف إلى ذلك قدرتها على تصدير الغاز الطبيعي المسال من أرزيو وسكيكدة. وهذا القرب الجغرافي يمنحها أفضلية هيكلية مقارنة بالغاز الطبيعي المسال العابر للأطلسي: فالغاز المنقول بالأنابيب تكون بصمته الكربونية، في الغالب، أدنى من الغاز المسال الذي يتطلب التسييل، ثم الشحن البحري، ثم إعادة التغويز.3
غير أن هذه المركزية تنطوي على مفارقة. فالجزائر تملك الاحتياطات، والبنية التحتية، وإرثَ المورد الموثوق، لكن سوناطراك تواجه عدة معوقات: ارتفاعاً سريعاً في الاستهلاك الداخلي، وتقادماً صناعياً، وصعوبات في الحوكمة، وضعفاً في استغلال بعض القدرات التصديرية، وضغطاً متصاعداً من المعايير الأوروبية المرتبطة بانبعاثات الميثان. ففي عام 2023، كانت الجزائر عاشر أكبر منتج للغاز في العالم، بإنتاج يقارب 102 مليار متر مكعب، كما كانت السابعة عشرة عالمياً في إنتاج النفط والمكثفات. وكان الغاز حينها يمثل أكثر من نصف صادراتها، متقدماً على النفط والمنتجات المكررة وغاز البترول المسال والمكثفات.4
ومن ثم فإن معضلتها الاستراتيجية يمكن تلخيصها على النحو الآتي: الجزائر لا غنى عنها، لكنها ليست متاحة بالكامل بعد. فهذه الصيغة تختصر الفجوة بين طاقتها الكامنة وقدرتها الفعلية على التصدير. فقد تراجعت صادرات سوناطراك من الغاز من 55 مليار متر مكعب في 2010 إلى 39 ملياراً في 2020، قبل أن ترتفع مجدداً إلى نحو 49 ملياراً في 2025، منها 14 ملياراً في صورة غاز طبيعي مسال.5 غير أن هذا التعافي لا ينبغي أن يحجب حدود المنظومة. ففي 2024، لم يمر عبر خط «ترانسمد» سوى 21 مليار متر مكعب على الأرجح، رغم أن طاقته تبلغ 33.5 ملياراً. كما ظلت إسبانيا ثاني أكبر زبون لسوناطراك في 2025، بما يقارب 9.4 مليار متر مكعب، معظمها عبر «ميدغاز».6
بوسع الجزائر أن تعزز الأمن الطاقوي الأوروبي، ولكن بشرط أن تحل ثلاثة اختناقات: أن تنتج أكثر، وأن تستهلك أقل داخلياً، وأن تُحدّث سوناطراك. وإلا فستظل مورداً موثوقاً، وإن يكن مكمِّلاً، فيما تستحوذ الولايات المتحدة أو قطر أو النرويج على حصة متزايدة من السوق الأوروبية. وهذا، في جانب منه، ما وقع بالفعل بعد 2021: إذ وسّعت الولايات المتحدة دورها في واردات الغاز الأوروبية، فعوّضت جزءاً من الكميات الروسية، ودفعت الجزائر إلى موقع أكثر تكميلاً منه تأسيسياً.7 غير أن هذا التهميش النسبي ليس قدراً محتوماً. فإذا ما خلص المشترون الأوروبيون إلى أن الغاز الأمريكي أقل موثوقية سياسياً أو تجارياً، فقد تستعيد سوناطراك ميزتها الكبرى بوصفها مورداً مستقراً.
وتظل مسألة الاستهلاك الداخلي مفصلية. فأبرز خطر يثقل نمو الصادرات الجزائرية يتمثل في ارتفاع الاستهلاك المحلي بنحو 6% سنوياً، وهو ما بات يلتهم أكثر من نصف الإنتاج. كما أن الأسعار المنخفضة جداً للغاز، والمدعومة بإعانات تُقدَّر بعدة مليارات من الدولارات سنوياً، تشجع طلباً داخلياً يصعب استدامته.8 ومن هنا يظهر التناقض في أوضح صوره: فالغاز هو في آنٍ واحد أداة تماسك اجتماعي داخلي ورافعة قوة خارجية. وكلما حافظت الدولة على الأسعار المنخفضة اتقاءً للاحتقان الاجتماعي، قلّصت قدرتها على التصدير، وبالتالي نفوذها الجيوسياسي.
وتشكل حوكمة سوناطراك عاملاً حاسماً آخر. فقد مرت الشركة بفترة طويلة من الاضطراب الإداري، اتسمت بفضائح فساد، وبطء في اتخاذ القرار، وعجز عن صياغة تخطيط بعيد المدى. وقد مثلت استقالة شكيب خليل سنة 2009 رمزاً لتلك المرحلة، حتى وإن سعت الإدارات الأحدث إلى استعادة قدر من المصداقية التشغيلية.9 كما جعل قانون المحروقات لسنة 2019 الإطار الاستثماري أكثر جاذبية للشركات الأجنبية، مما أسهم في توقيع اتفاقات استكشاف في 2025 مع كل من Sinopec وENI وTotalEnergies وChevron وExxonMobil.10 ومع ذلك، فإن هذه الاتفاقات تتركز غالباً في أحواض معروفة سلفاً، بما يشي بحذر واضح في إعادة الانتشار الطاقوي الجزائري.
ويضاف إلى ذلك عمقٌ تعديني معتبر. فمكمن الحديد في غار جبيلات، الذي تُقدَّر احتياطياته بنحو 3.5 مليار طن، قد يصبح رافعة صناعية كبرى إذا أُحسن التحكم فيه تقنياً. كما تملك الجزائر إمكانات في الغاز الصخري، غير أن استغلاله يظل حساساً سياسياً وبيئياً، ولا سيما بسبب المخاوف المتعلقة بالمياه الجوفية الصحراوية.11 فقد استند نجاح الغاز الصخري في الولايات المتحدة إلى شروط مخصوصة — سلاسل إمداد فائقة الكفاءة، وحقوق منجمية مواتية لمالكي الأراضي، وبنية صناعية كثيفة، وأسواق مالية عميقة — وهي شروط لا تتوافر على النحو ذاته في شمال أفريقيا.12 وفي الحالة الجزائرية، يشكل الخوف من تلويث المياه الصحراوية، وهي شريان حياة واحات الجنوب، قيداً سياسياً بالغ الحساسية.
ويضيف الضغط الأوروبي المتعلق بانبعاثات الميثان مستوى آخر من القيود. فالتنظيم الأوروبي 2024/1787 يفرض التزامات في الإبلاغ والأداء قد تؤثر في واردات المحروقات ذات الكثافة الانبعاثية المرتفعة.13 وبالنسبة إلى الجزائر، يحمل ذلك في آن واحد خطراً وفرصة. أما الخطر فيكمن في احتمال تضاؤل فرص النفاذ إلى الأسواق، أو ارتفاع كلفة الصادرات، إذا لم تتمكن سوناطراك من تقليص الحرق والانبعاثات المتسربة بالقدر الكافي. وأما الفرصة فتتمثل في إمكان التعاون التقني مع الاتحاد الأوروبي: خفض الحرق، وتحديث المنشآت، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الطاقات المتجددة. ويمكن لهذا المسار أن يعزز مكانة الجزائر بوصفها مورداً للغاز منخفض الكربون نسبياً مقارنة بالغاز الطبيعي المسال القادم من مسافات بعيدة.
وهكذا تقوم المركزية الجزائرية على ثلاث طبقات: الطاقة، والعمق الترابي، والاستقلالية الاستراتيجية. غير أن هذه الطبقات لا تُنتج قوة إلا إذا جرى تفعيلها على نحو متسق. ومع ذلك، تظل الجزائر أسيرة توتر بين الحفظ والتثمين: فالحفاظ على المحروقات للأجيال المقبلة قد يبدو خياراً حكيماً، لكنه ينطوي أيضاً على خطر أن تتحول بعض هذه الموارد إلى أصول عالقة في عالم يتجه باطراد نحو الانتقال الطاقوي.
الطبقات الثلاث للمركزية الجزائرية
2. الجزائر بوصفها مُثبِّتاً في الساحل: الاحتواء لا الإسقاط
لا تنحصر المركزية الجزائرية في الطاقة وحدها. فهي تتجلى كذلك في علاقتها بمنطقة الساحل، التي لا تبدو بالنسبة إليها فضاءً خارجياً بقدر ما تبدو امتداداً مباشراً لأمنها الوطني. فبفضل عمقها الصحراوي وحدودها مع مالي والنيجر وموريتانيا وليبيا، تتعرض الجزائر بصورة مباشرة للتشظي السياسي والأمني الذي يطبع الحزام الساحلي. ومن ثم لا يمكنها أن تتعامل مع هذا الفضاء وكأنه شأن بعيد عنها، حتى حين ترفض التدخل العسكري المباشر فيه.
لقد آثرت الجزائر تاريخياً نموذجاً للتثبيت من غير إسقاط عسكري واسع. وتنبع هذه المقاربة من عقيدتها في السيادة، وعدم التدخل، ورفض القواعد الأجنبية. فبدلاً من إرسال قوات إلى ما وراء الحدود، تسعى الجزائر إلى احتواء الأزمات، والتوسط في التسويات، وإحكام السيطرة على مجالها الجنوبي. وقد مثّلت اتفاقات الجزائر الخاصة بمالي مثالاً واضحاً على ذلك: إذ أدت الجزائر دور الوسيط، ساعيةً إلى إنتاج توازن سياسي، لا إلى فرض حل بالقوة.14
وتقوم هذه الوظيفة التثبيتية على منطق العمق. فالجزائر لا تسعى بالضرورة إلى السيطرة على الساحل؛ بل إلى الحيلولة دون أن يتحول الساحل إلى مصدر زعزعة لها. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة استراتيجيتها بوصفها شكلاً ضمنياً من «استراتيجية المنع»: منع الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، والتنافسات الخارجية، أو الديناميات التمردية، من بلوغ أراضيها أو من تعديل التوازن الإقليمي على نحو يضر بمصالحها. فهي ليست إسقاطاً للقوة على شاكلة التدخلات الفرنسية أو الأمريكية، بقدر ما هي سياسة امتصاص وترشيح واحتواء.
غير أن هذا النموذج يتعرض اليوم لضغوط متزايدة. فالانسحاب الفرنسي من مالي ثم بوركينا فاسو فالنيجر، وصعود الفاعلين الروس، وتكاثر الأنظمة العسكرية، وتفكك الترتيبات الأمنية الإقليمية، كل ذلك غيّر بعمق البيئة الاستراتيجية للجزائر. وهنا تجد الجزائر نفسها أمام معضلة: إما أن تتمسك برفض التدخل المباشر، مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر اقتراب عدم الاستقرار من حدودها؛ وإما أن تكيّف عقيدتها بما يسمح لها بممارسة نفوذ أشد حضوراً في الجنوب. وفي كلتا الحالتين، تصبح مركزيتها الساحلية أكثر كلفة.
وهذا البعد الساحلي يميز الجزائر بجلاء عن المغرب. فالرباط تنظر إلى غرب أفريقيا وإلى الأطلسي بوصفهما مجالاً لإسقاط النفوذ؛ في حين تنظر الجزائر إلى العمق الصحراوي‑الساحلي باعتباره مجالاً يجب صونه. فالمغرب يرى في الساحل فضاءً ممكناً للترابط؛ أما الجزائر فترى فيه، قبل كل شيء، منطقة هشاشة استراتيجية. وهذه المغايرة تغذي تنافساً غير مباشر: فكلما وسّع المغرب سياسته الأفريقية، أمكن للجزائر أن تقرأ في ذلك محاولة للالتفاف على مجال نفوذها الخاص.
3. المغرب: مركزية لوجستية ومعدنية وعسكرية
لا يملك المغرب الغاز الجزائري. ومن ثم فإن مركزيته تنبع من مواضع أخرى: من مضيق جبل طارق، وطنجة المتوسط، والفوسفات، والمعادن الحرجة، واصطفافه المتزايد مع واشنطن.
يشكل جبل طارق إحدى نقاط العبور العالمية الكبرى. وفي منطق أمريكي يقوم على «استراتيجية المنع»، فإن التحكم في مثل هذه العقد أو تأمينها يعني الحيلولة دون تمكّن خصم — سواء أكان الصين أو روسيا أو إيران أو شبكات هجينة — من تهديد التدفقات الاستراتيجية. وهكذا يغدو المغرب الضفة الجنوبية لقفل غربي: في الشمال إسبانيا والمملكة المتحدة وحلف الناتو؛ وفي الجنوب الرباط. ويظل المضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 14 كيلومتراً، المنفذ البحري الوحيد بين الأطلسي والمتوسط بالنسبة إلى الطرق الغربية. وتتعاظم مركزيته كلما أصبحت نقاط عبور أخرى — هرمز، باب المندب، السويس، أو البوسفور — أكثر عرضة للتوترات الإقليمية، أو للاستراتيجيات الصينية، أو لتحديات قوى مراجِعة.15
ومن هذا المنظور، يكتسب المغرب قيمة خاصة لدى واشنطن. فالمنطق العقائدي المرتبط بإلبريدج كولبي، والقائم على إعطاء الأولوية للتنافس مع الصين، وتقاسم الأعباء مع الحلفاء، وتأمين العقد الاستراتيجية، يفضّل الشراكات الموجَّهة على الالتزامات العالمية الثقيلة.16 والمغرب ينسجم مع هذا النموذج؛ إذ يوفر موقعاً جغرافياً نافعاً، واستقراراً نسبياً، وتعاوناً عسكرياً عريقاً، وقدرة على الاندماج التكنولوجي. وتندرج خارطة الطريق الدفاعية 2026–2036 في هذا السياق، من خلال تعميق قابلية التشغيل البيني والتعاون الصناعي.17
ولا تقف هذه القيمة عند الجغرافيا وحدها، بل تعززها قيمة مادية ملموسة. فالمغرب يمتلك نحو 70% من الاحتياطيات العالمية المعروفة من الفوسفات، وهو مورد أساسي للأسمدة، لكنه أيضاً ضروري لبطاريات LFP، التي يتسع استخدامها في المركبات الكهربائية على نحو مطرد.18 وفي عالم تهيمن فيه الصين على حلقات واسعة من تكرير المواد الحرجة ومعالجتها، تكتسب هذه المادة قيمة استراتيجية متزايدة. فبطاريات الليثيوم‑حديد‑فوسفات تقوم على فوسفات مكرر، والتوسع السريع لهذا النمط من البطاريات في السوق العالمية للسيارات الكهربائية يجعل الفوسفات المغربي أصلاً ذا بعد زراعي وتكنولوجي في آن.
كما يملك المغرب الكوبالت في بو عزر، وهو مكمن فريد من نوعه لأن الكوبالت يُستخرج فيه بوصفه الخام الرئيس، لا مجرد ناتج ثانوي للنحاس أو النيكل.19 وهذه الخصوصية تميز المغرب عن منتجين آخرين، ولا سيما جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث ترتبط صناعة الكوبالت كثيراً بفاعلين صينيين وبمخاطر اجتماعية وسياسية وسمعية. كما أن عقود التوريد المستدام التي أبرمتها شركات أوروبية مع Managem تُظهر أن الكوبالت المغربي بات مندمجاً بالفعل في استراتيجيات تأمين السلاسل الغربية.20
وهذا الجمع بين جبل طارق، والفوسفات، والكوبالت، وسلاسل البطاريات، يفسر لماذا يثير المغرب اهتمام واشنطن وبكين والفاعلين الصناعيين الأوروبيين في الوقت ذاته. فالبلد لم يعد مجرد منصة لوجستية، بل يغدو حلقة محتملة في الانتقال الطاقوي، وفي الأمن الغذائي العالمي، وفي التنافس التكنولوجي. ويضاف إلى ذلك امتلاكه موارد من النحاس والمنغنيز والنيكل والكروم والغرافيت والفضة والعناصر الأرضية النادرة، مع ما توحي به بعض الاستكشافات الحديثة من إمكانات معتبرة.21
غير أن هذا هو أيضاً موضع هشاشته. فالرباط تريد استقطاب الرساميل الصينية إلى قطاع البطاريات، وفي الوقت نفسه تعميق شراكتها العسكرية مع الولايات المتحدة. وقد يصبح من العسير التوفيق بين هذين المنطقين إذا أصرت واشنطن على تأمين «غربي» لسلاسل الإمداد الحرجة. فوجود فاعلين صينيين في مواد الكاثود الخاصة ببطاريات LFP، أو في الأنودات، أو في مكونات الليثيوم‑أيون، يخلق توتراً محتملاً مع منطق «التموضع بين الأصدقاء» الذي تتبناه الولايات المتحدة. ويحاول المغرب الحفاظ على هامش مناورة عبر اللعب على أكثر من لوحة؛ لكن كلما اشتد التنافس الصيني‑الأمريكي، غدا هذا الغموض أكثر هشاشة.
ومن ثم فالمغرب قوة اندماج. إنه يكتسب مركزيته لأنه ينخرط في الشبكات الأمريكية والأوروبية والصينية. غير أن هذا الانخراط نفسه يجعله عرضة لضغوط متعارضة. فقوته تأتي من الترابط، كما أن هشاشته تنبع من هذا الترابط ذاته.
4. الصحراء الغربية، فك العزلة، والإسقاط الأفريقي للمغرب
لا يمكن فهم المركزية الاستراتيجية للمغرب من غير استحضار الصحراء الغربية. فهذا الإقليم ليس، في نظر الرباط، مجرد مسألة سيادة أو هوية وطنية؛ بل هو عنصر بنيوي في جيوبوليتيكا المملكة. فهو يمنحها عمقاً جنوبياً، وواجهة أطلسية ممتدة، وموطئ قدم نحو أفريقيا جنوب الصحراء. ومن دون هذا الفضاء، كان المغرب سيبدو أشد انغلاقاً على محوره الشمالي، وأكثر اعتماداً على جبل طارق وطنجة والدار البيضاء وعلاقاته بأوروبا.
لقد أفضى إغلاق الحدود البرية مع الجزائر منذ 1994 إلى شكل من أشكال الانحصار النسبي. صحيح أن المغرب منفتح على الأطلسي والمتوسط، لكنه مغلق شرقاً، ولا يستطيع بناء تكامل مغاربي قاري. وقد ساهم هذا القيد في توجيه سياسته الخارجية نحو الجنوب والغرب. وهكذا أصبحت الصحراء الغربية محوراً لفك العزلة عبر الأطلسي وعبر أفريقيا.
ومنذ اعتلاء محمد السادس العرش، شهدت السياسة الأفريقية للمغرب تحولاً عميقاً. فهي تقوم على مزيج من الاستثمارات البنكية، والاتصالات، والزراعة، والروابط الدينية، والموانئ، والطاقة. وقد شكلت عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي سنة 2017 محطة مهمة في هذه الاستراتيجية.22 ولم يكن الهدف دبلوماسياً فحسب؛ بل كان أيضاً ترسيخ التأييد الأفريقي للموقف المغربي من الصحراء الغربية، وبناء عمق اقتصادي قاري في الوقت نفسه.
ويجسد مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب هذه الطموحات خير تجسيد. فسواء نُفذ بالكامل أو جزئياً، فإنه يعبر عن رؤية محددة: جعل المغرب ممراً بين غرب أفريقيا وأوروبا والأطلسي. وبالمثل، فإن تطوير الداخلة بوصفها منصة مينائية ولوجستية يرمي إلى تحويل الصحراء من هامش إلى واجهة. وهكذا تقوم الاستراتيجية المغربية على تحويل إقليم متنازع عليه إلى أصل جيو‑اقتصادي.
ويمكن قراءة هذا الإسقاط الأفريقي باعتباره جواباً مغربياً عن قيد جيوسياسي. فإزاء الانسداد المغاربي والعداء الجزائري، تسعى الرباط إلى بناء مجالها الخاص من العمق في الجنوب. وإذا كانت الجزائر تملك عمقاً ترابياً ورثته من الجغرافيا الاستعمارية، فإن المغرب يحاول أن يُنتج عمقه عبر البنى التحتية، والتحالفات، والاستثمارات، والدبلوماسية. وهنا تتجلى بأوضح صورة المعارضة بين الإسقاط المغربي والعمق الجزائري.
5. نموذجان متعارضان
الاختلاف الجوهري بسيط في صيغته، عميق في آثاره.
فالمغرب قوة مترابطة. إنه يعظّم قيمته عبر الموانئ، والسلاسل الصناعية، والاتفاقات العسكرية، والمعادن الحرجة، وقابلية التشغيل البيني مع الولايات المتحدة. ومركزيته مركزية عقدية: فهي تقوم على قدرته على تنظيم التدفقات، والتقاطها، وإعادة توزيعها. فطنجة المتوسط، وجبل طارق، والداخلة، وسلاسل LFP، والاتفاقات العسكرية، والشراكات الأفريقية، جميعها تنتمي إلى منطق واحد: جعل المغرب نقطة عبور لا يُستغنى عنها.
أما الجزائر فهي قوة متحفظة. إنها تعظم قيمتها عبر احتياطاتها، واستقلاليتها، ورفضها للقواعد الأجنبية، ودورها الطاقوي، وعمقها الصحراوي‑الساحلي. ومركزيّتها ترابية: فهي تتوقف على قدرتها على التحكم في فضاء واسع، وصون مواردها، وتثبيت هوامشها، والحفاظ على مسافة إزاء بُنى الاصطفاف. فالجزائر لا تسعى أولاً إلى أن تصبح محوراً؛ بل إلى أن تبقى سيدة قرارها في بيئة متشظية.
يقبل المغرب الاندماج ليكسب القوة. وتحافظ الجزائر على المسافة لتصون سيادتها. وهذا الفرق لا يقتصر على المستوى الدبلوماسي، بل يكاد يندرج في صميم الفهم الكلاسيكي للجيوسياسة. فالمغرب يعوض ضعف عمقه القاري بالإسقاط البحري والأفريقي والصناعي؛ بينما تعوض الجزائر محدودية اندماجها الدولي بعمقها الترابي والطاقوي والأمني.
ولهذا تستطيع واشنطن أن «تستخدم» المغرب داخل بنية استراتيجية، لكنها لا تستطيع أن تفعل الشيء نفسه مع الجزائر. فالجزائر أكثر استقلالاً، وأكثر ارتباطاً بعدة أقطاب، وأكثر تمسكاً بعقيدة عدم الانحياز. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل المغرب شريكاً وظيفياً، في حين تمثل الجزائر فاعلاً ينبغي التعامل معه بحذر. فالأول يمكن إدماجه في استراتيجية لإحكام السيطرة على التدفقات؛ أما الثانية فلا يمكن تعبئتها إلا ضمن منطق معاملاتي، حذر، وقطاعي.
6. تحديات المغرب
يواجه المغرب أربعة تحديات كبرى.
أول هذه التحديات هو تحدي الاصطفاف. فكلما ازداد تموضع الرباط في قلب الاستراتيجية الأمريكية، تعين عليها أن توضح علاقتها بالصين، ولا سيما في مجالات البطاريات، والموانئ، وبيانات اللوجستيات، والمعادن الحرجة. فالوجود الصيني في الموانئ الأفريقية والمتوسطية، وفي سلاسل البطاريات، يثير سؤالاً استراتيجياً رئيساً بالنسبة إلى واشنطن: هل يمكن لحليف عسكري أن يستضيف بنى اقتصادية حرجة ترتبط على نحو وثيق بفاعلين صينيين؟23 وسيغدو هذا السؤال أشد حساسية إذا كانت المنظومات المينائية أو اللوجستية أو الصناعية تولد بيانات استراتيجية عن التدفقات، والعملاء، والمسارات، وسلاسل الإمداد.
وثانيها تحدي التبعية الخارجية. فجزء من صعود المغرب يستند إلى رساميل، وتقنيات، وأسواق أجنبية. وهذا يمنحه سرعة في الصعود، لكنه يحد في المقابل من استقلاليته. فالمغرب قد يصبح محوراً، غير أن المحور يظل معتمداً على التدفقات التي يلتقطها. فإذا ما تفككت سلاسل القيمة، أو شددت واشنطن مطالبها، أو خففت بكين استثماراتها، فقد يصبح الموقع المغربي أكثر هشاشة.
أما التحدي الثالث فهو التحدي الصحراوي. فالصحراء الغربية تظل قلب التنافس مع الجزائر. وكل تعميق أمريكي للشراكة مع الرباط يُقرأ في الجزائر بوصفه اختلالاً استراتيجياً. وكلما حوّل المغرب الصحراء إلى منصة أطلسية وأفريقية، تعزز موقعه؛ لكنه يزيد كذلك من حساسية الملف بالنسبة إلى الجزائر وإلى جبهة البوليساريو.
ويبقى التحدي الرابع اجتماعياً وترابياً: إذ إن استراتيجية مينائية ومعدنية وعسكرية بالغة الطموح قد تُحدث فجوات بين مناطق مندمجة في العولمة — مثل طنجة والدار البيضاء، وربما الداخلة غداً — وبين أطراف أكثر هشاشة. ومن ثم فإن نجاح المغرب الجيوستراتيجي سيعتمد أيضاً على قدرته على تحويل مركزيته الخارجية إلى تنمية داخلية.
التحديات الأربعة للمغرب
7. تحديات الجزائر
أما الجزائر فتواجه نوعاً آخر من الضغوط.
أول تحدياتها هو التحدي الطاقوي. فإذا استمر الاستهلاك الداخلي في الارتفاع بوتيرة قوية، فإن قدرتها على التصدير قد تتراجع، ومعها نفوذها الأوروبي. وهنا تبرز أهمية مسألة إعانات الطاقة. فخفض هذه الإعانات يبدو عقلانياً من منظور اقتصادي، لكنه شديد الحساسية من الناحية السياسية. فالعقد الاجتماعي الجزائري يقوم، في جانب منه، على إعادة توزيع الريع؛ وأي إصلاح حاد قد يفضي إلى توترات داخلية.
أما التحدي الثاني فهو التحدي الصناعي. فسوناطراك مطالبة بتحديث بنيتها التحتية، وخفض الحرق، واحترام المعايير الأوروبية الخاصة بالميثان، واستقطاب الاستثمار من غير أن تفقد السيطرة الاستراتيجية. وقد خفّضت الجزائر بعض كميات الحرق، لكن الانبعاثات ما تزال مشكلة كبرى. ففي عام 2023، يُرجَّح أن حجم الغاز المحروق بلغ نحو 8 مليارات متر مكعب، أي ما يعادل حصة معتبرة من الإنتاج الوطني.24 وفي سياق التشدد التنظيمي الأوروبي، لم تعد هذه المسألة بيئية فحسب؛ بل أصبحت مسألة تجارية وجيوسياسية أيضاً.
والتحدي الثالث جيوسياسي. فالجزائر تريد أن تظل غير منحازة، غير أن العالم يعيد الاصطفاف من حولها. وكلما اشتد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، غدت كلفة عدم الانحياز أعلى. فالعلاقات العسكرية مع روسيا، والعلاقات الاقتصادية مع الصين، وصادرات الطاقة إلى أوروبا، والحاجة إلى الحفاظ على حوار مع واشنطن، كلها تضع الجزائر في وضع موازنة دائمة.
أما التحدي الرابع فهو التحدي الساحلي. فالجزائر تريد أن تثبت من غير أن تتدخل تدخلاً واسعاً. غير أن تراجع المنظومات الغربية في الساحل، والحضور الروسي، وتفكك الدول المجاورة، كلها عوامل تجعل هذه المقاربة أكثر تعقيداً. فإذا تحول الساحل، على نحو مستدام، إلى فضاء تتنافس فيه القوى الخارجية والجماعات المسلحة والدول الهشة، فقد تجد الجزائر نفسها مضطرة إلى مراجعة عقيدتها القائمة على التحفظ.
وأخيراً، تواجه الجزائر تحدي التحول الاقتصادي. فعلى خلاف بعض الدول الريعية التي أنشأت صناديق سيادية قوية تستثمر في الاقتصادات الأوروبية أو الآسيوية، امتنعت الجزائر طويلاً عن إقامة أداة مماثلة للإسقاط المالي. وهذا الغياب يحد من قدرتها على تحويل الريع الطاقوي إلى نفوذ صناعي دولي. ومن جديد، تبدو الجزائر هنا كقوة احتياط: فهي تملك الموارد، لكنها لا تحولها بعد بالقدر الكافي إلى أصول جيوسياسية متنوعة.
التحديات الأربعة للجزائر
8. هل ثمة مخاطر صراع بين المغرب والجزائر؟
ليس الخطر الأرجح هو اندلاع حرب شاملة بالضرورة. فالسيناريو الأكثر احتمالاً هو استمرار حالة من التوتر الصراعي تحت عتبة الحرب المفتوحة. ويمكن أن تتخذ هذه الصراعية صوراً متعددة: حوادث حدودية، وتصعيدات خطابية، وحرباً معلوماتية، وتنافساً دبلوماسياً في أفريقيا، ودعماً غير مباشر لفاعلين من غير الدول، وسباق تسلح، أو انسدادات اقتصادية.
أما نقاط الاحتكاك فهي جلية.
الصحراء الغربية: إنها النواة الصلبة للنزاع. فكل تقدم دبلوماسي أو عسكري يحققه المغرب هناك يُنظر إليه في الجزائر بوصفه تهديداً استراتيجياً. وبالنسبة إلى الرباط، تمثل الصحراء الغربية شرط إسقاطها نحو أفريقيا والأطلسي؛ أما بالنسبة إلى الجزائر، فهي الموضع الذي يتقرر فيه التوازن الإقليمي وحدود القوة المغربية.
سباق التسلح: إن الاندماج العسكري المغربي مع الولايات المتحدة، والمشتريات الجزائرية من روسيا، يغذيان دوامة من الريبة المتبادلة. فاقتناء أنظمة متطورة، وتعزيز التعاون البحري، وامتلاك قدرات استخبارية متقدمة، كلها عوامل ترفع احتمال سوء التقدير في أوقات الأزمات.
أنبوب المغرب العربي–أوروبا: إن إغلاقه منذ 2021 يرمز إلى القطيعة. وقد يكون فتحه من جديد عقلانياً من الناحية الاقتصادية، لكنه يبدو غير مرجح سياسياً في الأمد القصير. وكان يمكن لهذه البنية، نظرياً، أن تسهم في خفض التصعيد، غير أنها ما تزال أسيرة النزاع السياسي.
الساحل والأطلسي: تريد الرباط أن تصبح محوراً أطلسياً أفريقياً؛ بينما تريد الجزائر أن تحافظ على عمقها الساحلي. وهذان الطموحان قد يتقاطعان. فالسياسة الأفريقية للمغرب تُقرأ في الجزائر على أنها التفاف على الفضاء المغاربي؛ في حين تُقرأ السياسة الجزائرية في الساحل، من جانب الرباط، على أنها سعي إلى صون مجال نفوذ حصري.
المعادن الحرجة والنفوذ الخارجي: ترى الولايات المتحدة في المغرب شريكاً لتأمين السلاسل الاستراتيجية؛ وقد ترى الجزائر في ذلك امتداداً غربياً عند حدودها. وفي المقابل، قد يرى المغرب في العلاقات العسكرية الجزائرية‑الروسية تهديداً مباشراً، ولا سيما في ظل التوترات المحيطة بالصحراء.
ويبقى السيناريو الأخطر هو انزلاق أزمة حول الصحراء الغربية على نحو سيئ الإدارة، بما قد يشمل حادثة عسكرية، أو استخدام طائرات مسيرة، أو ضربات محدودة، أو تصعيداً غير مباشر عبر فاعلين محليين. وستظل الحرب المفتوحة باهظة الكلفة على الطرفين، غير أن الخطر الحقيقي يكمن في المنطقة الرمادية: في تراكم حوادث متتالية تقع دون عتبة الحرب، لكنها قد تجعل التصعيد أكثر احتمالاً مع مرور الوقت.
نقاط الاحتكاك المحددة في النص
خاتمة
الجزائر والمغرب كلاهما يحتل موقعاً مركزياً، لكن ليس للأسباب نفسها.
فالمغرب مركزي لأنه يشكل قفلاً: جبل طارق، والأطلسي، والفوسفات، والبطاريات، والشراكة الأمريكية. وهو يجسد مركزية الإسقاط، القائمة على الموانئ، والتدفقات، والمعادن الحرجة، والتحالفات، والقدرة على الاندراج في السلاسل العالمية.
أما الجزائر فمركزيتها نابعة من كونها عمقاً: الغاز، والصحراء، والساحل، والاستقلالية، والاحتياطيات الطاقوية والمعدنية. وهي تجسد مركزية التحفظ، القائمة على الأرض، والموارد، والسيادة، والتثبيت.
والمفارقة أن هاتين المركزيّتين تبدوان، نظرياً، متكاملتين: إحداهما لوجستية وصناعية، والأخرى طاقوية وترابية. غير أنهما، في السياق الراهن، تغدوان متنافستين، لأن كلاً منهما يتشكل في مواجهة التصور الاستراتيجي للآخر. فالمغرب يرى في إسقاطه نحو أفريقيا والأطلسي وسيلة لتجاوز الانسداد المغاربي؛ بينما ترى الجزائر في ذلك محاولة للتطويق أو للتهميش. والجزائر ترى في استقلاليتها شرطاً للسيادة؛ وقد يرى المغرب في ذلك صلابةً تعيق الاندماج الإقليمي.
ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس فحسب: من الأقوى؟ بل لعل السؤال الأدق هو: أي المركزيتين ستغدو أكثر ضرورة بالنسبة إلى القوى الكبرى — مركزية المغرب المترابط، أم مركزية الجزائر المستقلة؟
في عالم متشظٍ، لا تبدو الإجابة بديهية. فقد تمنح قوة المغرب المترابطة سرعة وحضوراً، لكنها قد تعرضه أيضاً للتبعيات والضغوط الخارجية. وقد تمنح القوة العميقة للجزائر قدراً من الصمود، لكنها قد تحبسها كذلك في شكل من أشكال التعطيل الاستراتيجي الجزئي. وهكذا، بين الإسقاط والعمق، لا يضع المغرب العربي دولتين في مواجهة فحسب؛ بل يضع نموذجين متعارضين من نماذج القوة.
فريق PNT، 4 مايو 2026.
