الفعاليات واللقاءات
ندوات ومؤتمرات وورش عمل تتناول التحولات الكبرى — طاقيةً كانت أم جيوسياسية أم ديموغرافية أم رقمية.
الفعاليات الماضية
السيادة تحت الضغط: الطاقة والأمن الاقتصادي ومستقبل تونس
انطلقت ورشة العمل التي نظّمتها شبكة السياسات من أجل التحولات (PNT) في باريس يوم 19 ماي 2026 من صدمة جيوسياسية خارجية — الحرب في الشرق الأوسط، والتوترات حول مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة والمستلزمات — لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل لا تزال تونس تملك القدرات الاقتصادية والمؤسساتية والسياسية التي تتيح لها امتصاص صدمات ممتدة دون أن تنزلق إلى مسار من التكيّف الفوضوي؟
والدرس الرئيسي الذي خلصت إليه النقاشات أنّ الأزمة الراهنة لا تخلق مَواطن الهشاشة التونسية؛ بل تكشفها، وتسرّعها، وتربط بينها.
البرنامج التفصيلي
تحلّل هذه الجلسة الأولى قنوات انتقال أزمة الشرق الأوسط إلى الاقتصاد التونسي. وتتناول الآثار المتضافرة لارتفاع أسعار النفط، وغلاء المستلزمات، والتضخّم المستورَد، والضغط على ميزان المدفوعات، والتفاقم المحتمل للاختلالات في الموازنة. والهدف هو فهم كيف يمكن لصدمة جيوسياسية خارجية أن تتحوّل سريعاً إلى صدمة اقتصادية كلية داخلية.
تقدّم هذه المداخلة قراءة اقتصادية كلية لأثر الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد التونسي. وتحلّل آثار ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية على ميزانية الدولة، والميزان التجاري، والتضخّم، واحتياطي العملة، والنمو. كما تسعى المداخلة إلى تحديد مناطق الهشاشة الآنية: الضغط على الدعم، وتمويل العجز، وكلفة استيراد الطاقة، والتوترات على المؤسسات العمومية، ومخاطر الانتقال الاجتماعي للصدمة التضخّمية.
تنطلق هذه المداخلة من ملاحظة مفادها أنّ تونس لا تزال غير مهيّأة بالقدر الكافي لامتصاص صدمة خارجية ممتدة. وتتناول الفجوة بين الفرضيات الرسمية للموازنة والآفاق الاقتصادية الكلية الأكثر تحفّظاً التي وضعتها المؤسسات الدولية، لا سيّما في ما يتعلّق بالنمو، والتضخّم، والعجز، والمديونية.
وتطرح المداخلة سؤال التمويل المحوري: كيف يمكن مواجهة ارتفاع ممتدّ في أسعار الطاقة والحبوب والمستلزمات الزراعية في سياق تتقلّص فيه الهوامش المالية؟ وتُبرز المداخلة المخاطر المرتبطة بهبوط اقتصادي مؤلم: عجزٌ أكبر ممّا هو متوقّع، ولجوءٌ متزايد إلى الاقتراض، وتوترات على الدَّيْن، وضغط على الدينار، والحاجة المرجّحة إلى خيارات غير شعبية.
تتناول هذه الجلسة الثانية بنية التبعية الطاقوية التونسية والكلفة الاستراتيجية للتأخّر المتراكم في الانتقال الطاقوي. فلا تزال تونس شديدة الاعتماد على استيراد المحروقات والغاز الطبيعي، لا سيّما في إنتاجها الكهربائي. وتُعرّضها هذه التبعية لتقلّب الأسعار، والتوترات الإقليمية، والإكراهات الجيوسياسية المرتبطة بمسالك التزوّد.
كما تتناول الجلسة موقع تونس في المعادلة الطاقوية المتوسطية: دور الغاز الجزائري، وعبوره نحو إيطاليا، وحدود تثمين أنبوب TransMed، وخطر الالتفاف عليه بمشاريع بديلة مثل GALSI، وتنويع مصادر التزوّد النفطي، وتأخّر الطاقات المتجدّدة.
تحلّل هذه المداخلة الانسدادات البنيوية التي تكبح اعتماد الطاقات المتجدّدة في تونس. فبينما تتوفّر البلاد على إمكانات شمسية وريحية هائلة، تظلّ حصة المتجدّدات محدودة وتتقدّم المشاريع ببطء. وتتناول المداخلة العوائق التنظيمية والمؤسساتية والمالية والتقنية التي تؤخّر الانتقال: الإجراءات الإدارية، والربط بالشبكة، ودور الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG)، وحالة عدم اليقين لدى المستثمرين، وحوكمة القطاع، وغياب رؤية صناعية واضحة.
وتُبيّن المداخلة أنّ تطوير المتجدّدات لا يندرج فقط ضمن خيار بيئي، بل يشكّل ضرورة اقتصادية واستراتيجية. فتقليص التبعية للغاز المستورَد، وتأمين الإنتاج الكهربائي، وخفض الفاتورة الطاقوية، وخلق فرص العمل، وهيكلة سلاسل قيمة محلّية، كلّها أهداف تضع الانتقال الطاقوي في صميم النقاش الوطني.
تحلّل هذه الجلسة الثالثة العلاقة بين الصدمة الطاقوية والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. فارتفاع أسعار النفط واضطراب سلسلة البتروكيماويات العالمية يمكن أن يرفعا كلفة الأسمدة، واليوريا، والأمونيا، والبلاستيك، وكلفة النقل. وتؤثّر هذه الديناميات مباشرة في الزراعة، والصناعات الغذائية، والتوزيع، وأسعار الاستهلاك.
كما تتناول الجلسة دور منظومة الدعم. فهي تظلّ موازِناً اجتماعياً جوهرياً، لكنها تشكّل في الوقت ذاته قيداً مالياً كبيراً. والسؤال المحوري إذن هو سؤال الخيارات: كيف يمكن حماية الأسر الهشّة دون تفاقم العجز بلا حدود؟ وهل يمكن إصلاح الدعم دون إثارة أزمة اجتماعية؟ وكيف يمكن المواءمة بين سياسة الأسعار، والأمن الغذائي، واستدامة الموازنة؟
تحلّل هذه المداخلة آثار الأزمة الطاقوية والبتروكيماوية على الأمن الغذائي التونسي، وعلى نطاق أوسع في شمال أفريقيا. وتُبيّن كيف يمكن لارتفاع أسعار اليوريا، والأمونيا، والأسمدة، والمحروقات، والنقل أن يؤثّر في المردودية الزراعية، ويرفع كلفة الإنتاج المحلّي، ويزيد التبعية للواردات الغذائية.
وتطرح المداخلة سؤال الأمن الغذائي بوصفه رهاناً استراتيجياً: هل تستطيع تونس مواصلة التعامل مع المستلزمات الزراعية كمجرّد سلع تجارية؟ وما آليات الاستباق والتخزين ودعم الفلاحين وتنويع مصادر التزوّد التي ينبغي إرساؤها للحدّ من آثار الصدمات الخارجية؟ وما أثر هذه الأزمة على الكبريت، المُدخَل الرئيسي للصناعة الكيميائية ومعالجة الفوسفاط في تونس؟
تتناول هذه المداخلة سياسة الأسعار وإصلاح منظومة التعويض في تونس. وتحلّل الدور التاريخي لمنظومة الدعم بوصفها أداةً للاستقرار الاجتماعي، ولكن أيضاً مصدراً للجمود في الموازنة. وفي سياق ارتفاع الأسعار الدولية للطاقة والحبوب والمستلزمات، يغدو سؤال التعويض محورياً: فالحفاظ على الدعم يكلّف أكثر فأكثر، لكن تقليصه فجأة قد يغذّي التضخّم ويثير توترات اجتماعية.
وتتناول المداخلة الشروط السياسية والاجتماعية لإصلاح ممكن: استهداف المساعدات، والتعويض المباشر، والإصلاح التدريجي، وشفافية الأسعار، وحماية الأسر الهشّة، وإعادة بناء آليات الحوار الاجتماعي. كما تناقش مخاطر إصلاح يُدار دون ثقة، ودون وساطة، ودون سردية سياسية واضحة.
تُخصَّص هذه الجلسة الأخيرة لسيناريوهات الخروج من الأزمة وللإصلاحات الممكنة. وتهدف إلى ربط التحاليل الاقتصادية والطاقوية والغذائية والاجتماعية التي طُوّرت على مدار اليوم في حوار واحد، بغية تحديد هوامش المناورة المتاحة.
يدور النقاش حول سيناريوهات المديَيْن القصير والمتوسط: سيناريو متفائل لاستقرار تدريجي، وسيناريو وسيط لتوترات ممتدّة، وسيناريو متشائم لتفاقم متزامن للإكراهات الطاقوية والمالية والغذائية والاجتماعية. كما تتناول الجلسة سؤال صندوق النقد الدولي: هل ينبغي لتونس أن تعود إلى اتفاق مالي؟ وهل يمكنها الاستغناء عنه؟ وبأيّ شروط يمكن أن يكون الدعم الخارجي محتمَلاً سياسياً واجتماعياً؟
يناقش المشاركون الإصلاحات ذات الأولوية: تسريع الانتقال الطاقوي، وإصلاح الدعم، وتكوين مخزونات استراتيجية، وتنويع مصادر التزوّد، وحماية المستلزمات الزراعية الحرجة، وتحديث التكرير، وتثمين الدور الطاقوي المتوسطي لتونس، وبناء مقاربة متكاملة للأمن الاقتصادي.
وليس الهدف من هذه الجلسة إنتاج قائمة تكنوقراطية من التوصيات، بل طرح شروط نقاش استراتيجي: كيف يمكن تحويل الهشاشة الطاقوية والمالية إلى منطلق لسياسة سيادة اقتصادية؟ وكيف يمكن تفادي أن تترجَم الأزمة فحسب إلى تكيّفات اجتماعية باهظة؟ وكيف يمكن المواءمة بين الأمن الطاقوي والأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي ضمن إطار فعل واحد؟
محضر الأعمال
السيادة تحت الضغط — الطاقة والأمن الاقتصادي ومستقبل تونس
انطلقت ورشة العمل التي نظّمتها شبكة السياسات من أجل التحولات (PNT) في باريس يوم 19 ماي 2026 من صدمة جيوسياسية خارجية — الحرب في الشرق الأوسط، والتوترات حول مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة والمستلزمات — لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل لا تزال تونس تملك القدرات الاقتصادية والمؤسساتية والسياسية التي تتيح لها امتصاص صدمات ممتدة دون أن تنزلق إلى مسار من التكيّف الفوضوي؟
الدرس الرئيسي الذي خلصت إليه النقاشات أنّ الأزمة الراهنة لا تخلق مَواطن الهشاشة التونسية؛ بل تكشفها، وتسرّعها، وتربط بينها. فالتبعية الطاقوية تزيد الضغط على الموازنة؛ والضغط على الموازنة يعمّق تبعية المنظومة المصرفية لتمويل الدولة؛ وارتفاع أسعار الطاقة وانقطاع التزوّد بالمستلزمات الزراعية التي تعبر مضيق هرمز ينتشران نحو الأسعار الغذائية والقدرة الشرائية؛ وتأخّر الانتقال الطاقوي يطيل أمد التبعية الخارجية؛ وإضعاف آليات الوساطة الاجتماعية يزيد صعوبة أيّ إصلاح للأسعار أو للدعم.
وهكذا اقترحت ورشة العمل قراءةَ الأزمة التونسية لا بوصفها تجاوراً لمشكلات قطاعية، بل بوصفها تسلسلاً منظوميّاً تغدو فيه الطاقة والزراعة والنقد والمالية العمومية والاستقرار الاجتماعي متشابكةً ومترابطة.
تدخل تونس مرحلة تتقلّص فيها هوامش المناورة في آنٍ واحد على عدّة جبهات: نمو ضعيف، واستثمار عمومي وخاص متعطّل، وتبعية طاقوية تتجاوز الثلثين عند تحييد الإتاوة الغازية الجزائرية، وحصة ضئيلة للمتجدّدات، وتبعية غذائية كبيرة، وهشاشة مصرفية، وتوسّع نقدي سريع، وصعوبة متنامية في تمويل الدولة دون مزاحمة الاقتصاد المنتِج.
لم يعد بإمكان تونس الاكتفاء بإدارة تفاعلية للأزمات. بل عليها أن تبني عقيدة سيادة اقتصادية تواكب بين الأمن الطاقوي، والأمن الغذائي، وإصلاح الدعم، وإعادة الرسملة الاستراتيجية للدولة، وإنعاش الاستثمار المنتِج، واستعادة آليات الثقة.
والسؤال المحوري إذن ليس فقط ما إذا كان على تونس أن تعود إلى صندوق النقد الدولي أم لا؛ بل سؤال أيّ مشروع اقتصادي واجتماعي يمكن أن يجعل دعماً خارجياً مفيداً سياسياً، وفعّالاً اقتصادياً، ومحتمَلاً اجتماعياً.
المحتويات
- تسييس مَواطن الهشاشة: الإطار التحليلي لشبكة PNT
- اقتصاد مُنهَك حتى قبل الصدمة الجيوسياسية
- الصدمة الشرق-أوسطية بوصفها مضاعِفاً لمَواطن الهشاشة
- التبعية الطاقوية: الكلفة الاستراتيجية للاانتقال
- الأمن الغذائي: من الحبوب إلى المستلزمات
- منظومة التعويض: بين الموازِن الاجتماعي والقفل المالي
- ثلاثة سيناريوهات للسنوات المقبلة
- نحو عقيدة للسيادة الاقتصادية
تسييس مَواطن الهشاشة: الإطار التحليلي لشبكة PNT
منذ الافتتاح، ذكّر المنظّمون بأنّ الهدف ليس تجاورَ تشخيصاتٍ متخصّصة في الطاقة أو المالية العمومية أو الزراعة، بل فهمَ كيف تتمفصل هذه الأبعاد ضمن منظومة واحدة من مَواطن الهشاشة.
وتبدو الحالة التونسية في هذا الصدد كاشفةً على نحو خاص. فتونس تجمع تبعيةً طاقويةً عالية، وانتقالاً طاقوياً غير مكتمل، وتبعيةً غذائيةً كبيرة، ومنظومة تعويض عسيرة الإصلاح، ونمواً ضعيفاً، وجهازاً إنتاجياً ناقص الاستثمار، ومؤسسات مُنهَكة. وهي بذلك تشكّل مختبراً للتوترات التي ستواجهها دول كثيرة في الجنوب ضمن سياق من التشظّي الجيوسياسي، والانتقال الطاقوي العالمي، وتكاثر الصدمات.
إنّ أسعار الطاقة، والدعم، والمستلزمات الزراعية، واحتياطي العملة، والإحصاءات النقدية، وقدرات التخزين ليست مجرّد متغيّرات تقنية. بل هي المواضع الملموسة التي تتقرّر فيها السيادة المادية للدول.
وتسييس هذه الرهانات لا يعني أدلجتها. بل يعني إبرازَ خيارات السلطة، والآثار التوزيعية، والإكراهات المؤسساتية التي تحدّد إدارتها.
اقتصاد مُنهَك حتى قبل الصدمة الجيوسياسية
إطار 1 — مؤشّرات الإنذار الاقتصادية الكلية
- تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الأول من 2026 وفق التحاليل المعروضة خلال الورشة.
- الناتج المحلي الإجمالي للفرد دون مستواه قبل جائحة كوفيد.
- نسبة النشاط حوالي 45 %، من بين الأدنى في أفريقيا.
- ارتفاع قوي في الكتلة النقدية وفي السيولة النقدية.
- تباطؤ الائتمان الموجّه للاقتصاد فيما يتزايد تمويل الدولة.
- تراجع الاستثمار العمومي وشبه توقّف للاستثمار الخاص.
أبرزت النقاشات أنّ تونس لا تواجه الصدمة الشرق-أوسطية من موقع صمود، بل انطلاقاً من اقتصاد مُنهَك أصلاً بعمق.
فالنمو المُعلَن رسمياً مقارنةً بالسنة السابقة يحجب واقعاً أكثر تدهوراً. فوفق التحاليل المعروضة خلال الورشة، يكون الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي التونسي قد تراجع بنحو 0.3 % في الربع الأول من 2026، فيما تستفيد المقارنات السنوية أساساً من أثر قاعدةٍ مرتبط بضعف النشاط في 2025.
ويظلّ الناتج المحلي الإجمالي للفرد دون مستواه قبل أزمة كوفيد-19. ويترجم هذا الركود الممتدّ أزمةً ظرفيةً بقدر أقلّ ممّا يترجم استنفاداً تدريجياً لنموذج النمو التونسي.
وتجسّد وضعية سوق العمل هذا التدهور الصامت. فقد ألحّ المتدخّلون على أنّ نسبة البطالة لم تعد كافية لوصف الحالة الفعلية للاقتصاد. إذ بات المشكل المركزي يكمن في انهيار نسبة النشاط.
ووفق الأرقام التي نوقشت خلال الورشة، تكون نسبة النشاط التونسية قد هوت إلى حوالي 45 %، وهي من بين الأدنى في أفريقيا وأقلّ بكثير من المعدّل العالمي. ويترجم هذا التراجع انعدامَ خلق فرص العمل بقدر ما يترجم الخروجَ الصامت لشريحة متنامية من السكان من سوق العمل.
ويشكّل الاستثمار مؤشّر إنذار رئيسياً ثانياً. فقد التقى المشاركون عند ملاحظة بلدٍ لم يعد يستثمر بما يكفي. فالاستثمار العمومي المُدرَج في الموازنات منقوص التنفيذ إلى حدّ بعيد، فيما يبدو الاستثمار الخاص شبه متوقّف.
بل إنّ البنوك التونسية نفسها تشير إلى غياب مشاريع استثمارية بنيوية حقيقية. ولا تزال واردات تجهيزات الإنتاج منكمشة منذ سنوات عدّة، وتبدو حالات التعافي النادرة المرصودة مرتبطةً بمشتريات ظرفية أكثر منها بدينامية إنتاجية حقيقية.
لكنّ جوهر التشخيص المعروض خلال الورشة يتعلّق بالبنية النقدية والمالية للاقتصاد التونسي.
تُظهر أرقام ECOWEEK والبنك المركزي توسّعاً قوياً في الكتلة النقدية. فوفق نشرة ECOWEEK رقم 19-26، تتقدّم الكتلة النقدية M3 بنسبة 10.5 % مقارنةً بالسنة السابقة في الربع الأول من 2026، فيما لا يرتفع الائتمان الموجّه للاقتصاد إلا بنسبة 3.1 %. وتتقدّم الأوراق والقطع النقدية بنسبة 17.8 %، لتبلغ 27.3 مليار دينار، أي 18.3 % من M3. وتبلغ نسبة السيولة النقدية إلى الناتج المحلي الإجمالي 15.1 %، مقابل 11.7 % في 2021، في حين لا يتقدّم الائتمان الموجّه للاقتصاد إلا بضعف. وترتفع الأوراق والقطع النقدية المتداولة بسرعة، فيما تبلغ حصة السيولة النقدية في الناتج المحلي الإجمالي مستويات مرتفعة تاريخياً.
ويترجم هذا التطوّر ظواهر متزامنة عدّة: تضخّمٌ حقيقي أقوى من المُقاس رسمياً، وارتيابٌ متنامٍ تجاه المنظومة المصرفية، وصعودٌ للقطاع غير المهيكل، وتفضيلٌ لحيازة العملة.
وقد ألحّت النقاشات على نحو خاص على تحوّل المنظومة المصرفية التونسية إلى أداة لتمويل الخزينة.
فالبنوك باتت تحوز حصةً متنامية من الدَّيْن السيادي، فيما يتباطأ الائتمان الموجّه للمؤسسات بقوة. فكلّما موّلت البنوك الدولة أكثر، قلّ تمويلها للاقتصاد الحقيقي. وكلّما راكمت مخاطر سيادية أكثر، ازدادت هشاشتها أمام أزمة في الموازنة.
والبنك المركزي نفسه يبدو منخرطاً على نحو متزايد في خدمة تمويل الدولة، ما يغذّي المخاوف حول مَوْلَنة العجز نقدياً.
وتغذّي هذه الدينامية ما وصفه عدّة مشاركين بأزمة ثقة حقيقية في النقد. فقد باتت القروض الموجّهة للدولة المركزية تمثّل 37.2 % من الناتج المحلي الإجمالي وفق الأرقام التي نوقشت خلال الورشة، مقابل 17.6 % في 2021. ويحوز البنك المركزي 35.5 % من الديون على الدولة ضمن ميزانيّته، فيما تحمل البنوك التونسية قرابة 18.7 % من الديون السيادية ضمن أصولها.
يواصل الاقتصاد عمله، لكن بثمن تبعيةٍ متنامية للتوسّع النقدي، وللمديونية الداخلية، ولاستحواذ الدولة على الموارد المالية.
الصدمة الشرق-أوسطية بوصفها مضاعِفاً لمَواطن الهشاشة
تعمل الحرب في الشرق الأوسط كاختبار إجهاد منظوميّ للاقتصاد التونسي.
وألحّت النقاشات على نقطة محورية: لا تنتقل الأزمة عبر الأسعار وحدها. بل تنتقل أيضاً عبر التوفّر المادي للسلع، والاختلال اللوجستي، والتوترات على المسالك البحرية، وتمدّد آجال التزوّد.
وهكذا تتحوّل الصدمة الطاقوية سريعاً إلى صدمة في الموازنة، ثمّ إلى صدمة إنتاجية، فإلى صدمة اجتماعية.
فارتفاع أسعار النفط والغاز يرفع فوراً كلفة الدعم الطاقوي، ويثقل العجز التجاري، ويمارس ضغطاً إضافياً على احتياطي العملة.
لكنّ الآثار تنتشر بعد ذلك نحو المستلزمات الزراعية، وكلفة النقل، والأسمدة، والمواد المكرَّرة، ومجمل سلاسل الإنتاج.
وأظهرت النقاشات أنّ تونس هشّة على نحو خاص أمام منطق الانتقال المتسلسل هذا.
فالتبعية الطاقوية تزيد الضغط على الموازنة؛ وهذا الضغط على الموازنة يعمّق تبعية المنظومة المصرفية لتمويل الدولة؛ وارتفاع الكلفة الطاقوية ينتقل إلى الأسعار الغذائية؛ والتضخّم يقلّص القدرة الشرائية للأسر الهشّة أصلاً.
كما أبرزت مداخلات عدّة أنّ التكيّف التونسي يجري بالفعل جزئياً عبر النُّدرة.
فحين تعجز الدولة عن تمويل جميع الواردات الضرورية في آنٍ واحد، تفضّل بعض المواد التي تُعتبر حسّاسة سياسياً — لا سيّما القمح اللّيّن الموجّه للخبز المدعوم — على حساب مكوّنات أخرى من المنظومة الغذائية أو الصناعية.
ويُضعِف هذا المنطق تدريجياً شُعَب الحليب واللحوم وتغذية الماشية، مع تدهور الجودة التغذوية للاستهلاك.
وهكذا تكشف الأزمة الشرق-أوسطية مشكلاً مؤقتاً بقدر أقلّ ممّا تكشف تبعيةً بنيويةً متنامية لسلاسل تزوّد خارجية باتت غير مستقرّة.
التبعية الطاقوية: الكلفة الاستراتيجية للاانتقال
إطار 2 — التبعية الطاقوية التونسية في 2026
- التبعية الطاقوية: حوالي 65-66 % باحتساب الإتاوة الغازية الجزائرية.
- تبعية تقارب 70 % دون احتساب الإتاوة.
- أكثر من 90 % من الكهرباء المنتَجة انطلاقاً من الغاز الطبيعي.
- حصة المتجدّدات في الإنتاج الكهربائي: حوالي 3 % وفق النقاشات.
- واردات ظرفية من الكهرباء الجزائرية خلال ذُرَى الصيف.
- تأخّر كبير في التخزين والبنى التحتية للشبكة.
أتاحت الجلسة الثانية من الورشة توضيحَ طبيعة التبعية الطاقوية التونسية.
فوفق الأرقام التي أُثيرت خلال النقاشات والعروض التقنية، لا تغطّي تونس سوى ما بين 30 و35 % من حاجاتها الطاقوية بحسب احتساب الإتاوة الغازية المرتبطة بالعبور الجزائري أو عدم احتسابها.
وتبلغ النسبة الرسمية للتبعية الطاقوية حوالي 65 %، لكنّها تقارب 70 % لو جرى تحييد إتاوة TransMed.
وهذا التدقيق مهمّ، لأنّ جزءاً من الطاقة المحتسَبة كمورد وطني يعتمد في الواقع على تدفّق جيوسياسي خارجي.
ويشكّل الغاز العقدة المركزية لهذه التبعية. فالإنتاج الكهربائي التونسي لا يزال يعتمد بأكثر من 90 % على الغاز الطبيعي، المستورَد أساساً من الجزائر. وهكذا تغدو التبعية الغازية تبعيةً كهربائيةً وصناعيةً ومالية.
وذكّرت النقاشات بأنّ تونس اضطرّت إلى استيراد الكهرباء الجزائرية خلال ذُرَى الاستهلاك الصيفية الأخيرة، حتى في فترات كانت الجزائر نفسها تجري فيها انقطاعات للكهرباء على أراضيها.
وتخلق هذه العلاقة تبعيةً متبادلةً غير متماثلة: فتونس تظلّ أكثر هشاشةً بكثير أمام انقطاع التزوّد ممّا هي الجزائر أمام فقدان العبور التونسي.
غير أنّ المداخلة المخصّصة للانتقال الطاقوي ألحّت على نقطة جوهرية: لا يمكن التفكير في الانتقال نحو الطاقات المتجدّدة بوصفه مجرّد استبدال تقني.
فالطاقة الشمسية والريحية موردان متقطّعان. ويستلزم إدماجهما قدرات تخزين، وشبكات متينة، وترابطات، وحوكمة ملائمة، وشركةً تونسية للكهرباء والغاز (STEG) قادرةً على ضمان استقرار المنظومة الكهربائية.
كما أنّ الكهرباء لا تمثّل سوى جزء من الاستهلاك النهائي للطاقة. فالنقل، وبعض الاستخدامات الصناعية، والاستخدامات الحرارية تظلّ شديدة الاعتماد على المحروقات.
والتأخّر التونسي في المتجدّدات لا يُفسَّر إذن بغياب الإمكان الشمسي أو الريحي. بل ينتج عن تضافر عوامل: أزمة في الموازنة، وصعوبات في التمويل، وضعف الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وبطء إداري، وعدم استقرار تنظيمي، وغياب منظومة صناعية مهيكلة.
كما أبرزت النقاشات خطر انتقال طاقوي يُختزَل في منطق استخراجي محض.
إن طُوّرت المشاريع المتجدّدة الكبرى حصراً من قِبل شركات دولية دون محتوى محلّي، ودون استراتيجية صناعية، ودون تكوين، فإنّ تونس ستخفّض بالتأكيد جزءاً من فاتورتها الطاقوية، لكن دون بناء نسيج إنتاجي وطني حقيقي.
عندئذ يغدو الانتقال الطاقوي آليةً لتقليص العجز الخارجي، دون تحويل عميق لنموذج الاقتصاد.
الأمن الغذائي: من الحبوب إلى المستلزمات
إطار 3 — هرمز: عُنق زجاجة غذائي بقدر ما هو طاقوي
- نحو 20 % من التجارة العالمية للنفط تعبر مضيق هرمز.
- خُمس التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال يعتمد على المضيق.
- 35 % من الصادرات العالمية لليوريا تعبر منه.
- تظلّ الأسمدة الآزوتية شديدة الارتباط بأسواق الغاز.
- أيّ اضطراب ممتدّ سيؤثّر مباشرة في الكلفة الزراعية العالمية.
أزاحت الجلسة الثالثة من الورشة النقاش الغذائي إزاحةً عميقة.
فالمشكل التونسي لا يكمن فقط في التبعية للواردات من الحبوب؛ بل يطال مجمل سلسلة الإنتاج الزراعي.
وذكّر العرض المخصّص للمستلزمات الزراعية بفكرة محورية: البلد الهشّ على مستوى مستلزماته هشٌّ على امتداد سلسلته الغذائية كلّها.
فالزراعة الحديثة تقوم على استهلاك كثيف للطاقة والأسمدة والنقل والمواد الكيميائية.
وقد غدا الغاز الطبيعي، والأمونيا، واليوريا، والكبريت، والمحروقات، والتأمينات البحرية، والمسالك التجارية مكوّنات جوهرية للأمن الغذائي.
وهكذا قُدّم مضيق هرمز بوصفه عُنق زجاجة غذائياً بقدر ما هو طاقوي. وتذكّر المعطيات التي نوقشت خلال الورشة بأنّ نحو 20 % من التجارة العالمية للنفط، وخُمس التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال، و35 % من الصادرات العالمية لليوريا تعبر هذا المسلك البحري.
إذ يعبر منه جزءٌ كبير من التجارة العالمية للنفط، والغاز الطبيعي المسال، واليوريا. وأيّ اضطراب ممتدّ لهذا المسلك يؤثّر مباشرة في كلفة الأسمدة، ثمّ في المردودية الزراعية، فالأسعار الغذائية العالمية.
وتبدو تونس هشّةً على نحو خاص ضمن هذا التشكّل.
فنسبة اكتفائها الذاتي من الحبوب تظلّ ضعيفة، فيما تظلّ قدراتها التخزينية، ومواردها المائية، وإنتاجها من المستلزمات محدودة.
وتزيد الأزمة المناخية من حدّة هذه الإكراهات. فاستغلال المائدات المائية العميقة يبلغ مستويات حرجة، وتدفع الهشاشة المائية الزراعةَ إلى التعويض بمزيد من المستلزمات الكيميائية، ما يزيد التبعية الخارجية بدوره.
وهكذا اقترحت النقاشات تجاوزَ الهدف غير الواقعي المتمثّل في الاكتفاء الذاتي الكامل من الحبوب، نحو التفكير في سيادة غذائية حقيقية عبر الأعالي (المستلزمات).
وتقتضي هذه المقاربة تأمينَ المستلزمات الحرجة، وتنويعَ المورّدين، وتكوينَ مخزونات استراتيجية، وإعادةَ التفكير في السياسات الزراعية بربطها بالإكراهات الطاقوية والمناخية.
منظومة التعويض: بين الموازِن الاجتماعي والقفل المالي
أظهر النقاش حول التعويض أنّ الدعم التونسي لا يمكن اختزاله في مجرّد عبء على الموازنة.
فمنظومة التعويض تشكّل في آنٍ واحد آليةً للاستقرار الاجتماعي، وأداةً تاريخيةً لإدارة الأسعار، ومكوّناً ضمنياً للعقد الاجتماعي التونسي.
وذكّرت النقاشات بأنّ التعويض تأسّس مؤسساتياً تدريجياً منذ أربعينيات القرن الماضي في سياق التموين، والجفاف، ومراقبة الأسعار.
ومع الوقت، غدا حاجزاً فاصلاً بين الأسعار الدولية والأسعار المحلّية.
ويفسّر هذا العمق التاريخي لماذا يبدو أيّ إصلاح حسّاساً سياسياً.
فالتعويض لا يحمي المستهلكين وحدهم. بل يقلّص أيضاً حالة عدم اليقين لدى بعض المنتجين، لا سيّما في شُعَب المخابز والحبوب والمنتجات الغذائية المحوَّلة.
لكنّ هذه المنظومة تُنتِج كذلك تشوّهات: تأخّر في التسديد، وتركّز الفاعلين القادرين على تحمّل الآجال الإدارية، وتبعية للدولة، وغموض متزايد في الكلفة الحقيقية.
وألحّ المشاركون على أنّ إلغاءً مفاجئاً للدعم سيكون قابلاً للانفجار اجتماعياً.
لكنّ غياب الإصلاح سيطيل أمد نوع آخر من التكيّف: تضخّم مستتر، ونُدرة، وتدهور في جودة المنتجات، وتفاقم في العجوزات.
الرهان الحقيقي إذن هو الانتقال تدريجياً من منظومة معمَّمة لدعم غامض إلى منظومة حماية اجتماعية مستهدَفة، وواضحة، ومستدامة.
غير أنّ مثل هذا الإصلاح لا يمكن أن ينجح دون وساطة اجتماعية، ودون سجلّ اجتماعي موثوق، ودون استراتيجية سياسية قادرة على شرح الخيارات.
ثلاثة سيناريوهات للسنوات المقبلة
التقت النقاشات عند ثلاثة سيناريوهات ممكنة.
السيناريو الأول، المتفائل، يقوم على استقرار تدريجي للسياق الشرق-أوسطي، وانفراج في أسعار الطاقة والمستلزمات، وتعافٍ محدود للاستثمار، ودعم مالي خارجي يتيح استعادةً تدريجيةً لبعض هوامش المناورة.
ويظلّ هذا السيناريو متصوَّراً، لكنه يفترض تحسّناً ملحوظاً في الحوكمة الاقتصادية، والتنسيق المؤسساتي، ومصداقية الإصلاحات.
أمّا السيناريو الثاني، الذي يُعتبر الأرجح على المدى القصير، فهو سيناريو التوترات الممتدّة.
عندئذ يواصل الاقتصاد عمله بوتيرة منخفضة: نمو ضعيف، وتضخّم مستمرّ، واستثمار غير كافٍ، وتمويل داخلي متنامٍ للعجز، وتكيّف اجتماعي منتشر.
وفي هذا التشكّل، تظلّ حالات النُّدرة ظرفيةً لكن متكرّرة، وتواصل الدولة تفضيل النفقات غير القابلة للضغط على حساب الاستثمار وصيانة البنى التحتية.
والسيناريو الثالث هو سيناريو تفاقم متزامن للإكراهات الطاقوية والغذائية والمالية والنقدية.
وفي هذه الحالة، قد يؤدّي ارتفاع ممتدّ في أسعار الطاقة، مقروناً باضطرابات لوجستية وبإضعاف للدينار، إلى توترات كبرى: صعوبات في الاستيراد، وتدهور سريع للمؤسسات العمومية الطاقوية، وتسارع التضخّم الغذائي، وتكاثر التوترات الاجتماعية.
عندئذ لا يجري التكيّف عبر الإصلاح، بل عبر التقنين، والنُّدرة، والتدهور المتسارع للخدمات العمومية.
نحو عقيدة للسيادة الاقتصادية
| السيناريو | الخصائص الرئيسية | المخاطر المهيمِنة |
|---|---|---|
| استقرار تدريجي | انفراج طاقوي جزئي، ودعم خارجي، وتعافٍ محدود للاستثمار | إصلاحات غير كافية، ونمو ضعيف |
| توترات ممتدّة | تضخّم مستمرّ، وركود، وتكيّف منتشر | تآكل القدرة الشرائية، وإرهاق اجتماعي |
| تفاقم منظوميّ | ارتفاع ممتدّ للأسعار الطاقوية، وتوترات على العملة والواردات | نُدرة، وتوترات اجتماعية، وأزمة مؤسساتية |
| المجال | الأولوية |
|---|---|
| الاقتصاد الكلي | استعادة المصداقية في الموازنة والنقد |
| البنوك والائتمان | تقليص الرابط بين البنك والدَّيْن السيادي |
| الطاقة | تطوير المتجدّدات والتخزين والشبكة |
| الزراعة | تأمين المستلزمات الحرجة |
| التعويض | إصلاح تدريجي ومستهدَف |
| الصناعة | بناء محتوى محلّي حول الانتقال |
بناء مؤشّرات جديدة للسيادة
يكمن أحد أكثر إسهامات الورشة أصالةً في الاقتراح الضمني بتجاوز المؤشّرات الكلاسيكية المستخدَمة لقياس الهشاشة الاقتصادية التونسية.
فقد أظهرت النقاشات أنّ مؤشّرات من قبيل النسبة الرسمية للتبعية الطاقوية أو نسبة الاكتفاء الذاتي من الحبوب لم تعد كافية لوصف مَواطن الهشاشة الفعلية للبلد.
ففي ما يتعلّق بالطاقة، اقترح عدّة متدخّلين التفكيرَ بمنطق سيادةٍ طاقويةٍ فعلية. وينبغي لمؤشّر من هذا القبيل أن يدمج لا الإنتاج الوطني الرسمي فحسب، بل أيضاً التبعية للغاز الجزائري، ووزن إتاوة TransMed، والتبعية للمواد المكرَّرة المستورَدة، وقدرات التخزين، والترابطات الكهربائية، والمتانة المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز، وقدرة البلد على استبدال مصادر تزوّده سريعاً.
والمنطق ذاته يصحّ على الغذاء. فقد ألحّت النقاشات على ضرورة بناء مؤشّرٍ للهشاشة الغذائية عبر المستلزمات. وينبغي له أن يدمج التبعية لليوريا، والأمونيا، والأسمدة الفوسفاتية، والكبريت، والمحروقات الزراعية، والشحن البحري، والعملة الضرورية للاستيراد.
وتتيح هذه المقاربات إزاحةَ النقاش: فالسيادة لم تعد تُقاس بالإنتاج النهائي وحده، بل بقدرة منظومةٍ ما على مقاومة اضطرابات ممتدّة في سلاسل التزوّد.
ويفتح هذا التفكير ورشةً أوسع أمام شبكة PNT: إعادة بناء أدوات قراءة قادرة على التفكير في مَواطن الهشاشة المنظومية لدول شمال أفريقيا في عالم موسوم بالصدمات الجيوسياسية والمناخية والطاقوية.
الأولويات الاستراتيجية الخمس
أرست الجلسة الأخيرة من الورشة بوضوح أنّ الردود التونسية لم يعد بإمكانها أن تتّخذ شكل مجرّد تراكمٍ لإصلاحات تقنية.
فعلى تونس أن تبني عقيدةً حقيقيةً للسيادة الاقتصادية تواكب بين الأمن الطاقوي، والأمن الغذائي، والاستقرار النقدي، والعدالة الاجتماعية.
الأولوية الأولى تتمثّل في استعادة المصداقية الاقتصادية الكلية.
ويفترض ذلك تشخيصاً شفافاً للوضع المالي والنقدي، وتوضيحاً لحقيقة احتياطي العملة، وتنسيقاً أفضل بين وزارة المالية والبنك المركزي، وتجسيداً موضوعياً للكلفة الحقيقية للدعم.
الأولوية الثانية تتعلّق بإعادة بناء الاستثمار المنتِج.
فاقتصادٌ تموّل فيه البنوك الدولةَ أساساً لا يمكنه توليد نمو مستدام. ويغدو من الضروري تقليصُ الرابط بين البنك والدَّيْن السيادي تدريجياً، ومعالجةُ وضعية البنوك العمومية، وإعادةُ توجيه الائتمان نحو القطاعات المنتِجة.
الأولوية الثالثة هي تسريع الانتقال الطاقوي ضمن منطق صناعي.
فالمتجدّدات ينبغي إدماجها ضمن استراتيجية للشبكة، والتخزين، والمحتوى المحلّي، والتكوين، والعدالة الترابية.
ويجب إصلاح الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) دون تفكيكها. إذ ينبغي أن تغدو متعاملاً قادراً على تثبيت منظومة كهربائية تقوم على نحو متزايد على إنتاجات متقطّعة.
الأولوية الرابعة تتمثّل في إعادة التفكير في الأمن الغذائي انطلاقاً من المستلزمات.
فالمخزونات الاستراتيجية لم يعد ينبغي أن تطال الحبوب وحدها، بل أيضاً الأسمدة، وبعض المستلزمات الحرجة.
وأخيراً، الأولوية الخامسة هي الإصلاح التدريجي لمنظومة التعويض.
فالإصلاح المستدام ينبغي أن يكون تدريجياً، ومستهدَفاً، ومتفاوَضاً عليه اجتماعياً. وعليه أن يحمي الأسر الهشّة مع الاعتراف بالوظائف الإنتاجية لبعض أشكال الدعم.
خاتمة — من السيادة الخطابية إلى السيادة المادية
أظهرت الورشة أنّ تونس لا تفتقر إلى الموارد فحسب؛ بل تفتقر إلى هوامش المناورة.
والحال أنّ السيادة لا تُقاس أوّلاً بالخطاب الوطني، بل بقدرة الدولة على الاستباق، والتمويل، والاختيار، والحماية، والتحويل.
تكشف الحرب في الشرق الأوسط تونس هشّةً أمام الصدمات الطاقوية والغذائية والمالية والاجتماعية.
لكنّ هذه الأزمة قد تفتح كذلك لحظةً استراتيجية.
فإذا قبلت تونس أن تنظر إلى مَواطن هشاشتها وجهاً لوجه، أمكنها تحويلُ الإكراه إلى أجندة لإعادة البناء: عقيدة طاقوية، واستراتيجية غذائية عبر المستلزمات، وإصلاح ذكيّ للتعويض، وإعادة رسملة للمنظومة المصرفية، وإنعاش للاستثمار المنتِج، وإعادة بناء لعقد اجتماعي حول العدالة والسيادة الاقتصادية.
والسؤال المحوري إذن ليس فقط: كيف نتفادى الأزمة؟
بل هو أعمق: كيف نعيد بناء مشروع وطني في عالم تغدو فيه الصدمات هي القاعدة؟
الاستدراك قبل انقلاب الموازين: أزمة التنمية، انحسار التعددية، والتحديات الاستراتيجية لدول الجنوب
انبثقت شبكة PNT من قناعة مشتركة: باتت مجتمعات شمال أفريقيا وحكوماتها تدخل مرحلةً لم تعد فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والجيوسياسية قابلةً للمعالجة باستجابات قطاعية أو تكنوقراطية أو انفعالية محضة. فالانسحاب التدريجي للجهات المانحة التقليدية، وإضعاف التعددية، وتغوّل العلاقات الدولية، باتت تفرض اليوم بناءَ قدرة استراتيجية ذاتية.
والهدف من شبكة PNT هو حثّ نخب شمال أفريقيا على اعتماد مقاربة استراتيجية بعيدة الأمد لمواجهة تحديات باتت مُلِحّة، لا سيّما الدخول في مرحلة ما بعد التنمية، وتصاعد آثار التغير المناخي، والانتقال الطاقوي، وتفكّك الاقتصاد العالمي.
البرنامج التفصيلي
انبثقت شبكة PNT من قناعة مشتركة: باتت مجتمعات شمال أفريقيا وحكوماتها تدخل مرحلةً لم تعد فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والجيوسياسية قابلةً للمعالجة باستجابات قطاعية أو تكنوقراطية أو انفعالية محضة. فالانسحاب التدريجي للجهات المانحة التقليدية، وإضعاف التعددية، وتغوّل العلاقات الدولية، باتت تفرض اليوم بناءَ قدرة استراتيجية ذاتية.
والهدف من شبكة PNT هو حثّ نخب شمال أفريقيا على اعتماد مقاربة استراتيجية بعيدة الأمد لمواجهة تحديات باتت مُلِحّة، لا سيّما الدخول في مرحلة ما بعد التنمية، وتصاعد آثار التغير المناخي، والانتقال الطاقوي، وتفكّك الاقتصاد العالمي.
تسعى الندوة التأسيسية لشبكة السياسات من أجل التحولات إلى فتح فضاء للتفكير في تحوّل كبير يطال المنظومة الدولية: الأزمة المتزامنة للتنمية والعمل الإنساني ضمن سياق من إعادة التركيب الجيوسياسي المتسارع.
إنّ التقليص الحادّ في ميزانيات المساعدة الإنمائية، وفقدان المؤسسات متعددة الأطراف لمصداقيّتها، وانهيار القوة المعيارية للجهات المانحة الغربية، وصعود نظام دولي صفقاتي، كلّها تطرح تحديات جسيمة على دول الجنوب.
وفي هذا السياق الجديد، تجد دول الجنوب نفسها أمام تحدٍّ ثلاثي: النزوع إلى الإنكار وتأجيل القرارات؛ والاختفاء التدريجي للأطر التقليدية للمساعدة والاستقرار؛ وضرورة إعادة التفكير في أشكال الاندماج بالاقتصاد العالمي.
ويحتلّ شمال أفريقيا، بموقعه عند ملتقى أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا، موقعاً استراتيجياً محورياً في قلب هذه التحولات.
دخل العالم لحظةً جيوسياسيةً غير مسبوقة، تُعاد فيها صياغة قواعد التجارة، والمساعدة الإنمائية، والعمل الإنساني، والحوكمة العالمية من جديد.
وتجد دول الضفة الجنوبية للمتوسط نفسها اليوم مُلزَمةً بإعادة التفكير في هذه اللحظة وبالملاحة في خضمّ هذه التحولات العميقة.
إنّ صعود الحمائية والحواجز الجمركية بشتّى أنواعها، وعودة السياسات الصناعية، وتأكيد ضرورة الأمن الطاقوي، وتحوّل قواعد المالية العالمية، كلّها ترسّخ تدريجياً تفتّت النظام العالمي.
ودون ادّعاء رسم وصفةٍ للنجاح في عالم موسوم على نحو متزايد بعدم اليقين، تدفع هذه اللحظة العالمية دولَ الجنوب إلى التزوّد بتموضع استراتيجي يواكب بين الصمود والفاعلية والاستقلالية الاستراتيجية.
ستحلّل هذه المداخلة الأزمة البنيوية للمنظومة الدولية للتنمية والمساعدة الإنسانية ضمن سياق من التشظّي الجيوسياسي والانسحاب المستدام للجهات المانحة التقليدية.
وستتناول بزوغ نماذج جديدة تقوم على إدارة المخاطر، وآليات التأمين، والانخراط المتزايد للقطاع الخاص في السياقات الهشّة وفي مراحل ما بعد النزاعات.
محضر الأعمال
الاستدراك قبل انقلاب الموازين: أزمة التنمية، نهاية التعددية، والتحديات الاستراتيجية لدول الجنوب
أكّدت الندوة التأسيسية لشبكة السياسات من أجل التحولات، التي عُقدت في باريس بمشاركة نحو ثلاثين شخصاً، الحدسَ المؤسِّس للمنظمة: لم نعد في لحظة انتقال آتية، بل في عالم تحوّل فعلاً، حيث فقدت المقولات الموروثة — التنمية، والتعددية، والحوكمة، والديمقراطية — قدرتها التفسيرية والإجرائية.
المحتويات
إسهامات الندوة في هوية شبكة PNT
أبرزت النقاشات تشخيصاً مشتركاً: لقد تمّ الانقلاب الجيوسياسي بالفعل. فالتعددية لم تعد إطاراً ناظماً، بل منظومة في حالة تآكل. والمعايير الدولية باتت موضع تنازع أو التفاف. وموازين القوى تُعاد صياغتها وفق منطق القوّة الخام، والتشظّي الإقليمي، والصفقاتية المعمَّمة. وفي هذا السياق، تبدو الدول، بما فيها دول شمال أفريقيا، كيانات مُنهَكة على نحو متزايد، تتنازعها التوترات بين الخطاب السيادوي والفقدان الفعلي للسيادة.
تعيد هذه القراءة تعريف رسالة شبكة PNT تعريفاً عميقاً. فالمنظمة لا يمكنها أن تموقع نفسها في امتداد الأطر التقليدية للمساعدة، ولا في امتداد المقاربات التكنوقراطية القطاعية. بل تتموضع بوصفها فضاءً لإعادة تسييس القضايا الراهنة، يسعى إلى إعادة إدراج البُعد السياسي حيث جرى إجلاؤه لصالح مقولات تقنية (المرونة، والحوكمة، والنجاعة، والانتقال).
كما كشفت المداخلات عن تحوّل جوهري في نموذج التنمية ذاته. فالمساعدة الدولية، التي ارتبطت تاريخياً بنظام تعددي وبوظيفة إسقاط النفوذ، تتحوّل اليوم إلى منظومة لإدارة المخاطر، مُمَوْلَنة إلى حدّ بعيد، وموجَّهة نحو تعبئة القطاع الخاص. ويرافق هذا التحوّل نقلٌ للمسؤولية نحو الفاعلين المحلّيين، دون إعادة توزيع حقيقية لقدرات الفعل. وهكذا تكفّ التنمية عن كونها مشروع تحويل لتغدو آليةَ تكيّف مع إكراهات خارجية.
في هذا السياق، برز مفهوم القدرة على الفعل (Agency) بوصفه مفهوماً مركزياً. مَن يقرّر؟ مَن يفعل؟ مَن يتحمّل مسؤولية التحولات؟
الإجابة السائدة اليوم تنزع إلى تهميش المجتمعات المحلّية، مع إخراج القرارات الاستراتيجية إلى الخارج. وتحدّد شبكة PNT لنفسها هدفاً دقيقاً يتمثّل في الإسهام في إعادة بناء هذه القدرة على الفعل، عبر التعبير المتزامن عن التفكير الاستراتيجي والتحليل النقدي وإنتاج أُطر بديلة.
ومن أبرز الدروس الأخرى التي تمخّضت عن النقاشات، ضرورةُ التفكير في التحولات في تعدّديتها وتشابكها. فالانتقال الطاقوي، والتحوّل الصناعي، والتحولات التكنولوجية، وإعادة التركيب الجيوسياسي، والتطورات الاجتماعية، لم يعد ممكناً تناولها بمعزل عن بعضها البعض. إنّها تنتمي إلى لحظة تاريخية واحدة تتّسم بعدم اليقين، وعدم القابلية للتنبّؤ، والتسارع.
وفي هذه البيئة، لم يعد ممكناً تصوّر الاستراتيجيا بوصفها تخطيطاً خطّياً قائماً على فرضيّات مستقرّة. بل عليها أن تستوعب التقلّب، والصراعية، وإمكان القطائع المفاجئة. وهذا يستلزم تجاوز المقاربات الإدارية للحوكمة لإعادة استحضار التفكير السياسي في المفاضلات، والأولويّات، والمسارات.
وأخيراً، أبرزت الندوة التأسيسية الدور الخاصّ لشمال أفريقيا بوصفه فضاءً استراتيجياً. فالمنطقة، الواقعة عند مفترق الطرق بين أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، تتركّز فيها آثار إعادة التركيب العالمي: تشظّي التعددية، وإعادة تعريف سلاسل القيمة، والتوترات الأمنية، وتحوّل نماذج التنمية. وهي فضاء هشاشة ومختبر محتمَل لإعادة التركيب الاستراتيجي في آنٍ واحد.
في هذا الإطار، ترى شبكة PNT في نفسها حاضنةً للتفكير الاستراتيجي الجماعي، قادرةً على جمع فاعلين من آفاق مختلفة — باحثين، وممارسين، وصانعي قرار، وأعضاء من المجتمع المدني — بهدف إنتاج تحاليل ضاربةٍ جذورُها في الواقع الإقليمي ومنخرطةٍ في الديناميات العالمية.
والرهان ليس اقتراح حلول فورية، بل إعادة بناء شروط فكرٍ استراتيجي مستقلّ، وهو شرط مسبق لكلّ صورة من صور السيادة والتنمية، وعلى المدى الأبعد، الدمقرطة.
تركيب المداخلات والنقاشات
انقلاب قد تحقّق فعلاً
تنعقد المائدة المستديرة التي نظّمتها شبكة السياسات من أجل التحولات في سياق يتميّز بتحوّل عميق في النظام الدولي. ولعلّ أبرز ما خلصت إليه النقاشات أنّ الانقلاب الجيوسياسي لم يعد فرضيّةً بل واقعاً. فعالم ما بعد الحرب الباردة، الذي بنته التعددية والمعايير الدولية والهيمنة الغربية، آخذ في التلاشي.
ويتلاقى المشاركون عند فكرة أنّنا دخلنا عالماً يتّسم بالتشظّي، وصعود منطق القوّة، وتراجع الأطر المعيارية. ولا يطال هذا التحوّل العلاقات الدولية وحدها، بل يمتدّ كذلك إلى نماذج التنمية والعمل الإنساني وإدارة النزاعات.
1. نهاية التعددية وعودة القوّة
قدّمت مداخلة كريم تشخيصاً قاطعاً: العالم انقلب فعلاً نحو نظام تتقدّم فيه القوّة على ما عداها. فالتعددية تعيش أزمة عميقة، فيما تتبنّى القوى الكبرى منطق المواجهة المباشرة.
سمات السياق الجديد
- عودة معلَنة إلى سياسة القوّة
- إعادة النظر في التحالفات التقليدية
- تهجين بين المحافظة الجديدة والمنطق الصفقاتي
- تصاعد الخطابات الخلاصية والأيديولوجية
والنتيجة الرئيسية هي عدم استقرار بنيوي، تتفاقم معه مخاطر التشظّي الإقليمي، لا سيّما في الشرق الأوسط. وتُلقي هذه الدينامية بظلالها على الأسس ذاتها التي يقوم عليها النظام الدولي القائم على القواعد.
2. الأزمة البنيوية للتنمية
تكشف مداخلتا ألكسندر والخبير الأممي عن أزمة أعمق: أزمة نموذج التنمية ذاته. فالتنمية، تاريخياً، أداةٌ جيوسياسية مُدرَجة في منطق الحرب الباردة. ومنذ نشأتها، وهي تخترقها تناقضات بين الأهداف السياسية والاقتصادية والمعيارية.
تجلّيات الأزمة الراهنة
- إخفاق سياسات التكيّف الهيكلي
- نزع الطابع السياسي عن النقاشات الاقتصادية
- فقدان المؤسسات الدولية لمصداقيّتها
- تقلّص التمويل الموجَّه إلى أكثر البلدان هشاشةً
وعلى مستوى أعمق، تتحوّل التنمية إلى منظومة لإدارة المخاطر، تتمحور حول مَوْلَنة المساعدة، واستخدام أدوات من قبيل التمويل المختلط (Blended Finance)، ونقل المخاطر إلى الفاعلين المحلّيين. وهذا التطوّر يؤشّر على الانتقال من مشروع تحويل إلى منطق تكيّف.
3. مركزية السيادة والقدرة على الفعل
من المحاور الأساسية للنقاشات محورُ القدرة على الفعل (Agency) والسيادة. ويؤكّد المشاركون أنّ السؤال الجوهري لم يعد سؤال التنمية بحدّ ذاتها، بل سؤال قدرة الدول والمجتمعات على الفعل.
ففي سياق نهبٍ كوني، تصبح الأولوية صَوْنَ القدرات على الفعل: القدرة على رسم استراتيجيات مستقلّة، والقدرة على مقاومة الضغوط الخارجية، والقدرة على استشراف التحولات. ويقود هذا التفكير إلى تنسيب بعض الأولويات التقليدية، ولا سيّما الديمقراطية والحوكمة، اللتين تبدوان ثانويتين أمام رهانات البقاء والسيادة.
4. إعادة التفكير في الاستراتيجيا في عالم لا يقبل التنبّؤ
تكشف النقاشات عن تحوّل في علاقتنا بالزمن وبالاستراتيجيا. ففي عالم موسوم بعدم اليقين والتقلّب، تبدو مقاربات التخطيط التقليدية غير ملائمة.
وعلى الاستراتيجيا أن تستوعب من الآن فصاعداً عدمَ القابلية للتنبّؤ بالفاعلين، ومركزيّةَ المشاعر والإدراكات، وشخصنةَ السلطة، وتسارعَ التحولات التكنولوجية. وهذا يستلزم تجاوز المقاربات الخطّية لصالح أُطر أكثر مرونة، قادرة على التكيّف مع بيئات غير مستقرّة.
5. أفريقيا وشمال أفريقيا فضاءَيْن استراتيجيَّيْن
تبرز أفريقيا بوصفها أحد أبرز فضاءات التحوّل على المستوى العالمي. فهي تجمع نموًّا ديموغرافياً متسارعاً، وثرواتٍ استراتيجيةً، وإمكاناتٍ اقتصاديةً مهمّة.
أمّا شمال أفريقيا، بصفة خاصّة، فيشغل موقعاً محورياً عند مفترق الطرق بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. ويمنحه هذا الموقع دوراً استراتيجياً في عمليات إعادة التركيب الجارية. غير أنّ المنطقة تواجه تحدّيات عدّة: ركود اقتصادي، وتشظٍّ سياسي، وتبعيّة خارجية، وغياب مشاريع بنيوية جامعة.
خاتمة: نحو إعادة بناء قدرة التفكير الاستراتيجي
تُبرز المائدة المستديرة الحاجة إلى إعادة التفكير العميق في أُطر التحليل والفعل. فالنماذج الموروثة لم تعد تتيح فهم العالم الراهن ولا الفعل فيه.
وفي هذا السياق، يكتسب دور المبادرات من قبيل شبكة PNT أهمّيةً قصوى. إذ يتعلّق الأمر بإعادة بناء قدرة على التفكير الاستراتيجي، عبر التعبير المتزامن عن التحليل النقدي وإنتاج المعرفة وربط شبكات الفاعلين. والرهان ليس فكرياً فحسب؛ بل هو سياسي بامتياز: إذ يتعلّق بإعادة منح المجتمعات قدرتَها على رسم مستقبلها في عالم يُعاد تركيبه.
من ما بعد التعددية إلى ما بعد التنمية: إعادة تسييس الاستراتيجيا في عالمٍ يتشظّى
اللحظة التاريخية التي دخلناها لم يعد بالإمكان فهمها بوصفها مجرّد طورٍ من أطوار انتقال تدريجي. بل تلاقت النقاشات، على العكس من ذلك، عند فكرة أنّ الانقلاب قد تحقّق فعلاً. فنحن لم نعد على عتبة تغيّر في النظام الدولي؛ بل نعيش بالفعل في العالم الذي يلي ذلك. وهذه القراءة، التي تتخلّل التحاليل الجيوسياسية والتأمّلات في التنمية على حدّ سواء، تُلزمنا بمراجعةٍ عميقة للمقولات التي بنت الفكر السياسي الدولي في العقود الأخيرة.
فالتعددية، والتنمية، والحوكمة، والمرونة، بل حتى الدمقرطة ذاتها، لم يعد بالإمكان استدعاؤها بوصفها بديهيات أو أُطراً محايدة. بل ينبغي إعادة استجوابها انطلاقاً من شروطها التاريخية في التكوّن، ومن استخداماتها السياسية، ومن استنفادها الراهن.
ومن أبرز مكاسب النقاش رفضُه القاطعَ الفصلَ بين ما يقدّمه الخطاب السائد بوصفه مجالات متمايزة: الجيوسياسية من جهة، والتنمية من جهة أخرى؛ النزاعات من جهة، والسياسات العمومية من جهة أخرى؛ الإكراهات البنيوية من جهة، وهوامش الفعل الوطني من جهة أخرى. بل، بخلاف ذلك، يدلّ كلّ شيء اليوم على تشابكٍ متنامٍ بين السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والعسكري والاجتماعي.
تظلّ اللغة في الغالب لغةَ التنمية والتعاون والاستقرار، في حين أنّ المنطق الفاعل بات منطقَ القوّة، والأمننة، والتشظّي، وإدارة المخاطر.
نهاية نظام معياري
تتراجع، يوماً بعد يوم، صلاحية الفكرة القائلة إنّ المنظومة الدولية المعاصرة لا تزال مبنيّة، ولو على نحو ناقص، على نظام معياري موروث من 1945. فالمبادئ التي شكّلت البنيان الأخلاقي والقانوني لتعددية ما بعد الحرب — الأمن الجماعي، احترام السيادة، رفض الضمّ بالقوّة، مركزية القانون الدولي — لا تزال قائمةً في النصوص، لكنّها لم تعد تنتج المفاعيل التنظيمية التي كانت تُنسب إليها.
وما فرض نفسه على امتداد المداخلات هو فكرة نظامٍ ما بعد معياري، لا بمعنى أنّ كلّ معيار قد اختفى، بل بمعنى أنّ المعايير لم تعد تؤطّر فعلياً سلوك القوى. إذ يتمّ استدعاؤها، أو انتقاؤها، أو الالتفافُ عليها، أو تعليقُها وفقاً لموازين القوى.
الانقلاب الجيوسياسي قد تحقّق بالفعل. لم تعد الوحوش في الأفق؛ بل غدت في موضع السلطة.
هذه العبارة التي طبعت النقاش لا تشير إلى مجرّد صعود قادة أكثر وحشيةً أو سخريةً. بل تُحيل إلى تحوّلٍ أعمق: زوال الوسائط التي كانت تتيح في السابق تغليف الهيمنة بلغة المبادئ والحقوق والكونيّة. ولم نعد ببساطة في عودة إلى الواقعية السياسية (Realpolitik) الكلاسيكية. بل نواجه تشكيلةً أكثر هشاشةً تجمع بين سياسة القوّة في القرن التاسع عشر، ورواسبَ من المحافظة الجديدة، وصفقاتيةٍ متحرِّرة من كلّ قيد.
وتتبدّى تبعات هذا الانقلاب بوضوحٍ خاصّ في الشرق الأوسط، حيث كفّت الحرب والتطرّف ودينامياتت التشظّي عن أن تكون شذوذاً لتغدو أساليبَ عاديّة لحُكم المنطقة. وما يثير القلق هنا ليس الحربَ بحدّ ذاتها فحسب، بل الكيفية التي يتحوّل بها التشظّي ذاته إلى قدرٍ محتوم.
ويُلزمنا هذا التحوّل في السياق بمراجعة طريقة تفكيرنا في الاستراتيجيا. ففي عالمٍ موسومٍ بما بعد الحقيقة، وبفرط تقلّب الخطابات، وبشخصنةٍ متطرّفة للسلطة، لم يعد ممكناً تصوّر الاستراتيجيا كما كانت تُتصوَّر في عالمٍ متوقَّع نسبياً. فصعود الذاتية، وتنامي أهمّية سيكولوجيا القادة، ودور المشاعر والخوف والأهواء الحزينة، كلّ ذلك يُحوّل في العمق شروطَ القرار السياسي.
التنمية بوصفها خيالاً سياسياً في أزمة
تستجرّ أزمة التعددية هذه أزمةً موازيةً لها، غير منفصلة عنها، أزمةَ التنمية. فالتنمية لم تكن قطّ مجالاً تقنياً خالصاً. لقد كانت منذ نشأتها مشروعاً جيوسياسياً. ولم يكن الأمر يتعلّق في المقام الأوّل بتنظيم رخاءٍ مشترك، بل بتثبيت فضاءات تُعتبر هشّة، واحتواء خصوم، وبناء تراتبيّةٍ عالمية تحدِّد فيها بعضُ الدول المساراتِ المرغوبَ فيها للدول الأخرى.
إنّ تاريخ التنمية، في هذا الصدد، تاريخُ إزاحاتٍ متعاقبة. فمن ارتباطها بالمنطق الاستعماري ثمّ بنظام ما بعد الحرب، أُعيد تشكيلها من خلال برامج التكيّف الهيكلي، ثمّ التحرير الاقتصادي، فخطابات الحوكمة الرشيدة، ومكافحة الفساد، والتنمية البشرية، والتنمية المستدامة، وصولاً إلى المرونة. وكلّ متتالية من هذه المتتاليات أزاحت معالم المشكلة دون أن تعيد النظر في السؤال المركزي: مَن يحدّد الأولويات، ومَن يتحمّل التكاليف، ولفائدة مَن تُدار هذه السياسات؟
وها هي تلك المفردات نفسها تتزعزع اليوم. فالحوكمة الرشيدة، والمرونة، والنجاعة، والاستقلال الاستراتيجي، قُدِّمت بوصفها مفاهيم تدبيرية محايدة، شبه كونية. غير أنّها تنتمي إلى منطقٍ إداري ينقل إلى الدول مقولاتٍ مصمَّمة للمؤسّسة. وهي تحجب علاقات القوى، والتراتبيّات الدولية، والتفاوتات المادية، ونزاعات التوزيع.
ويتجلّى هذا التطوّر بوجه خاصّ في صعود نموذج المرونة. فحيث كانت التنمية تدّعي بعدُ، ولو وَهْماً، تحويلَ البِنى الاقتصادية والاجتماعية، تكتفي المرونة بجعل الصدمات قابلةً للاحتمال. إنّها لم تعد تَعِد بالتحرّر؛ بل تنظّم القدرة على استيعاب الألم.
من المساعدة إلى إدارة المخاطر
يمكن تلخيص المنعطف الراهن للمنظومة الدولية للمساعدة بوصفه انتقالاً من نموذج التحويل إلى نموذج إدارة المخاطر. فلم يعد الأمر يتعلّق فعلاً بإنتاج تنميةٍ بالمعنى القويّ، بل بتخفيف الصدمات، وتأمين الاستثمارات، والحفاظ على بيئاتٍ مستقرّةٍ بما يكفي لتظلّ قابلةً للإدماج في الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الإطار، تخضع المساعدة لمنطق المَوْلَنة. وتغدو الأدوات المهيمِنة هي الضمانات، وعقود التأمين، وآليات التمويل المختلط (Blended Finance)، وتغطية الخسائر الأولى. والهدف المُعلَن هو تعبئة القطاع الخاص، والانتقال من المليارات إلى التريليونات. غير أنّ المنطق الحقيقي يقع في موضع آخر: فالأمر يتعلّق بتقليل تعرّض المستثمرين للمخاطر أكثر منه بتمويل الحاجات الاجتماعية.
ويرافق هذا التحوّل تعديلٌ عميق في توزيع المسؤولية. والسؤال الحاسم هو سؤال القدرة على الفعل. مَن يفعل؟ مَن يقرّر؟ مَن يُحاسَب؟ والمنظومة الناشئة لها هذه الخصوصية: أنّها تنزع إلى نقل عبء التكيّف إلى المجتمعات المحلّية مع إبقاء مراكز القرار في الخارج. فتغدو الجماعات المحلّية مسؤولةً عن إدارة مخاطر لم تخلقها ولا تملك وسائل تعديل أسبابها البنيوية.
ويُقدَّم اللجوء المتزايد إلى القطاع الخاص بوصفه ردّاً براغماتياً على نضوب التمويلات العمومية. غير أنّ ما من دلائل على قدرته على تلبية حاجات السياقات الأشدّ هشاشةً. بل ما يَبْرُز في هذه المرحلة، على العكس من ذلك، هو تركّز التدفّقات نحو السياقات الوسطى، والقطاعات الاستخراجية، والفضاءات التي تُعتبر مربحةً أو استراتيجيةً، فيما تظلّ المناطق الأكثر هشاشةً ناقصةَ التمويل بنيوياً.
ماذا يعني التسييس؟ ماذا يعني إعادة التسييس؟
من أخصب الأسئلة التي طُرحت خلال النقاش هذا السؤال: ماذا يعني التسييس بدقّة؟ التسييس لا يعني فقط إعادة إدخال خطابٍ أيديولوجي حيث يُفترض أن يسود الحياد. بل يتمثّل في المقام الأوّل في إعادة الصلة بين قراراتٍ تُقدَّم بوصفها تقنية وعلاقات القوى التي تنظّمها.
إنّ تسييس الانتقال الطاقوي، على سبيل المثال، لا يعني أخلَقة النقاش؛ بل طرحَ الأسئلة التي تنزع اللغة التكنوقراطية إلى إقصائها: مَن يدفع كلفة الانتقال، مَن يستحوذ على الريع الأخضر، أيُّ نسيج إنتاجي يجري تعزيزه، وأيُّ سيادةٍ طاقويّة أو صناعية تُستهدف، وعلى أيّ ائتلافات اجتماعية وسياسية يمكن لانتقالٍ من هذا القبيل أن يستند.
أن نكون سياسيين اليوم يعني السعيَ إلى استرداد القدرة على الفعل وإعادة السيادة. لا بمعنى التشدّد السلطوي، بل بمعنى استرجاع هوامش قرارٍ حقيقية.
السيادة، والركود، والنزعة البقائية
برزت السيادة بوصفها مفهوم اللحظة المركزي. غير أنّ المداخلات أبرزت كذلك مدى ما يتشبّع به هذا المصطلح من التباسات. إذ توجد اليوم سيادويّاتت بلا سيادة، وخطاباتٌ مناهضة للإمبريالية بلا استقلالية حقيقية، وبلاغاتُ مقاومةٍ تفتقر إلى أيّ قدرة إنتاجية أو مؤسَّسية أو اجتماعية.
ومن النقاط الحاسمة في النقاش الإصرارُ على أنّ الدولة لا تحمي سيادتها بالسلطوية وحدها. بل، على العكس من ذلك، فإنّ السلطوية، حين تقترن بالركود الاقتصادي، وعدم النجاعة البنيوية، وانسداد الآفاق، تُغذّي عدمَ استقرارٍ متصاعد. فالسيادة تتطلّب قدرات، ومرونةً، واندماجاً استراتيجياً في السياق الإقليمي، وحفاظاً على المصالح الحيويّة.
ومفهوم الركود، الذي أُدخل إلى النقاش بوصفه متغيِّراً كثيراً ما يجري إغفاله، أساسي في هذا الصدد. فهو يتيح فهمَ العنف والتشظّي والإحباط لا بوصفها مجرّد نتاجٍ لنزاعات سياسية، بل أيضاً بوصفها مفاعيلَ استنفاد الوعود التاريخية. فمجتمعات شمال أفريقيا تعيش في وضعٍ بَيْنِيّ فقدت فيه الروايات القديمة للتقدّم مصداقيّتها، دون أن تَبزغَ مشاريع بنيوية جديدة. وفي هذا المعنى أُثيرت مسألة "البلدان بلا مشروع".
وفي الوقت نفسه، تبدو بعض السياقات الإقليمية، ولا سيّما المشرق، خاضعةً بالفعل لمنطق البقاء. فحيث يواجه المشرق تهديداً وجودياً ويعيش في فوريّة النزعة البقائية، لا يزال شمال أفريقيا، رغم تدهور الأوضاع، يحظى بفسحةٍ ليتموقع نحو المستقبل. وهذه "الميزة" النسبية تُنشئ مسؤوليةً خاصّة. وتجعل بناءَ فكرٍ استراتيجي قادرٍ على الحيلولة دون انزلاق المنطقة، هي الأخرى، إلى الوضع البقائي المحض، أمراً أكثر إلحاحاً.
أفريقيا وشمال أفريقيا فضاءَيْن استراتيجيَّيْن
من الإسهامات المهمّة الأخرى للنقاش إعادةُ توجيه النظر نحو أفريقيا، لا بوصفها هامشاً لأزماتٍ ينبغي إدارتها، بل بوصفها أحد أبرز فضاءات النموّ والثروات وإعادة التركيب على المستوى العالمي. وهذا المنظور يُلزمنا بقطيعةٍ مع رؤيةٍ خطّية للتنمية.
وقد ركّزت المداخلات على الطابع التحوّلي لبعض الديناميات الأفريقية: سرعة التحولات الاجتماعية، وصعود أجيالٍ جديدة تنفذ مباشرة إلى المعرفة العالمية، والدور المتنامي للجاليات الأورو-أفريقية، وبزوغ أشكالٍ من المقاولاتية والابتكار وتدفّق المعارف تُفلت من المخطّطات القديمة.
غير أنّ هذا الانفتاح لا يحدث تلقائياً. فهو يصطدم بانسداداتٍ بنيوية كبرى, لا سيّما في مجالات الطاقة، والتكنولوجيات الحرجة، والماء، والبنى التحتية، والتحالفات الصناعية. ولا يمكن الحديث جدّياً عن الذكاء الاصطناعي، أو الانتقال التكنولوجي، أو إعادة التصنيع، دون طرح الأسئلة الجوهرية: مَن يتحكّم في الطاقة، ومَن يملك أشباه الموصِّلات، ومَن يتقن سلاسل الإمداد، ومَن يؤمّن المياه، وما هي المدخلات الاستراتيجية، وأيّ موارد إقليمية يمكن أن تشكّل روافعَ جيوسياسية.
وشمال أفريقيا، في هذا المنظور، ليس امتداداً بسيطاً لأوروبا، ولا ملحقاً للشرق الأوسط. بل ينبغي التفكير فيه بوصفه فضاءً استراتيجياً قائماً بذاته، يقع عند تقاطع المغرب الكبير، وأفريقيا جنوب الصحراء، والجوار العربي، والمتوسّط. فلم يعد الأمر يتعلّق بالتفكير في المغرب الكبير من خلال النظرة الأوروبية وحدها، بل في موقعه ضمن عالمٍ تغدو فيه علاقاته مع أفريقيا والشرق الأوسط والجنوب العالمي حاسمةً.
ما العمل؟
السؤال الختامي الذي يخترق نصّ الندوة بأكمله هو سؤال "ما العمل؟". وهو سؤال لم يَلقَ جواباً بسيطاً، ولحسن الحظّ أنّ الأمر كذلك. غير أنّ النقاشات تتيح رسمَ بعض الخطوط العامّة.
ثلاثة خطوط ناظِمة
- تجنّب إغراء الطاولة البيضاء (tabula rasa): فالانهيار الكامل للمؤسّسات لن يفتح آلياً فضاءً لإعادة البناء؛ بل قد يُرسّخ فوضى مديدةً تخرج منها المجتمعات أكثر هشاشةً ممّا كانت عليه.
- رفض نزع الطابع السياسي: فكلّ جهد شبكة PNT، كما تَبدَّى في هذه المائدة المستديرة، يقوم بدقّة على إعادة فتح فضاء الفكر الاستراتيجي الذي لا يتخلّى عن النزاعات، ولا عن علاقات القوى، ولا عن رهانات السيادة، تاركاً إيّاها للتكنوقراط.
- إعادة بناء المشاريع: لا اليوتوبيات المجرّدة ولا الرؤى المستوردة، بل مشاريع متجذّرة، جريئة، قادرة على التعبير المتزامن عن السيادة، والعدالة الاجتماعية، والقدرة الإنتاجية، والاندماج الإقليمي، والأفق التحرّري.
وكلمة "التحرّر"، التي اقتُرحت في الخاتمة، أساسية هنا. فهي تتيح تجاوز البديل العقيم بين الاستسلام التكنوقراطي والبلاغة الراديكالية الفارغة. وتُذكِّرنا بأنّ السؤال المركزي ليس فقط سؤال البقاء، بل سؤال قدرة المجتمعات على أن تستعيد كونها فاعلةً في مسارها الخاصّ.
ها هنا، ربّما، تكمن المهمّة المخصوصة لفضاءٍ من قبيل شبكة السياسات من أجل التحولات: لا إنتاج تعليقٍ آخر على أزمات الحاضر، بل الإسهام في إعادة صياغة شروط النقاش، وتوضيح المفاهيم، وربط رهاناتٍ كثيراً ما تُقدَّم مجزّأةً، وجعلِ ما يُخفيه الخطاب السائد قابلاً للتفكير فيه.
في زمنٍ تتفكّك فيه الأساطير القديمة وتُعمّر فيه الأدوات بعد غاياتها، يعود الفكر الاستراتيجي شرطاً للفعل، ولعلّه، على نحو أكثر جوهريّة، شرطٌ للسيادة ذاتها.
