الممرّات الغازيّة الأورومتوسّطية والأمن الطاقي
إعادة تشكيل جيوسياسيّة وتشابك غير متناظر للتبعيّات حول الجزائر وتونس.
يحلّل هذا النصّ إعادة تشكيل الممرّات الغازيّة الأورومتوسّطية في أعقاب الأزمتين الطاقيتين لسنتَي 2022 و2026، اللّتين أضعفتا النموذج الأوروبي القائم على التنويع وعزّزتا مركزيّة المورّدين القريبين. وفي هذا السياق، تفرض الجزائر نفسها فاعلًا استراتيجيًّا رئيسيًّا بفضل موثوقيّتها وبنيتها التحتيّة، رغم القيود الداخليّة المتعلّقة بالطلب المحلّي وبقدرات التصدير. تُبرز الدراسة دور البنى التحتيّة بوصفها أدوات سلطة تُهيكل تبعيّات غير متناظرة، لا سيّما عبر أنبوب الغاز ترانسميد، الذي يمنح تونس أهمّيّة استراتيجيّة دون استقلاليّة طاقيّة فعليّة. كما تُبيّن أنّ «أثر الغاز» يُنتج ديناميكيّات متباينة: توتّرًا بين الإنتاج والاستهلاك في الجزائر، وهشاشةً بنيويّة في تونس، وإعادةَ تعريف للتبعيّات في أوروبا. وأخيرًا، تُؤكّد أنّ الأمن الطاقي الأوروبي بات يستند إلى مرونة الممرّات، ما يُكرّس المتوسّط الأوسط فضاءً استراتيجيًّا مفصليًّا.
منذ نهاية الحرب الباردة، تشكّل الأمن الطاقي الأوروبي تدريجيًّا حول حتميّة مزدوجة: تنويع مصادر التزوّد وتحرير الأسواق الطاقيّة. وقد أعاد هذا النموذج، الذي ظلّ طويلًا قائمًا على مزيج من الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال المعولم، النظر فيه بعمق مع اندلاع الحرب في أوكرانيا سنة 2022. فالتقليص الجذري للتدفّقات الروسيّة أرغم الاتّحاد الأوروبي على إعادة نشر استراتيجيّاته الإمداديّة بشكل عاجل، كاشفًا هشاشة تبعيّة مفرطة لمورّد مهيمن.
وتُمثّل أزمة الشرق الأوسط سنة 2026 صدمةً ثانية، مغايرة في طبيعتها لكن مكمّلة. ففي حين كشفت الأزمة الأوكرانيّة عن المخاطر السياسيّة المرتبطة بتبعيّة ثنائيّة، تُبرز أزمة 2026 الهشاشات البنيويّة للطرق البحريّة المعولمة. ويعود مضيق هرمز، الذي يعبره جزء معتبر من الغاز المسال العالمي، نقطةَ توتّر استراتيجيّة، مؤثّرًا مباشرة في تكوّن الأسعار وفي توافر الكمّيّات على الأسواق الدوليّة.
في هذا السياق، يستعيد مفهوم «القرب الطاقي» مركزيّته التحليليّة. فالمورّدون القادرون على نقل الغاز عبر بنى تحتيّة برّيّة أو تحت بحريّة آمنة نسبيًّا يكتسبون ميزة تنافسيّة حاسمة. وتنخرط الجزائر كلّيًّا في هذه الديناميكيّة. فبوصفها مورّدًا تاريخيًّا لجنوب أوروبا، تجمع بين القرب الجغرافي والبنى التحتيّة القائمة واستمراريّة التدفّقات.
وتُشكّل هذه الاستمراريّة عنصرًا مركزيًّا في مصداقيّتها. إذ لم تنقطع صادرات الغاز الجزائري إلى أوروبا قطّ، بما في ذلك خلال الحرب الأهليّة في تسعينيّات القرن العشرين، ما يميّز الجزائر عن العديد من المنتجين الآخرين المعرّضين لانقطاعات سياسيّة أو أمنيّة. وتُسهم هذه الموثوقيّة في تعزيز مكانتها شريكًا استراتيجيًّا في بيئة دوليّة موسومة بعدم اليقين.
غير أنّ هذه المركزيّة تقترن بقيود مهمّة. فقدرة الجزائر على رفع صادراتها محدودة بعوامل بنيويّة، أبرزها النموّ السريع للطلب الداخلي والتشبّع النسبي للبنى التحتيّة القائمة. وفضلًا عن ذلك، تحتلّ تونس، بوصفها بلد عبور ومستوردًا صافيًا للطاقة، موقعًا محوريًّا يجمع بين التبعيّة والأهمّيّة الاستراتيجيّة.
تتابع جديد ضمن تاريخ طويل
لا تُمثّل أزمة 2026 قطيعة جذريّة، بل تسارعًا لديناميكيّات قائمة منذ عقود.
لا تُمثّل أزمة 2026 قطيعة جذريّة، بل تسارعًا لديناميكيّات قائمة منذ عقود. فهي تكشف استمرار جغرافيا طاقيّة شكّلتها بنى تحتيّة موروثة عن المرحلة ما بعد الاستعماريّة، تكرّست خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ويُفسَّر تجدّد أهمّيّة المورّدين القريبين إلى حدّ بعيد بتقلّب أسواق الغاز المسال المتزايد. فأسعار التداول الفوري، شديدة الاعتماد على الظروف الجيوسياسيّة والمناخيّة، عرفت تذبذبات مهمّة منذ 2022، ما عزّز الاهتمام بإمدادات أكثر استقرارًا عبر الأنابيب. وفي هذا الإطار، تستفيد الجزائر من «علاوة استقرار» تستند إلى عوامل جغرافيّة وتاريخيّة في آن.
وتتعزّز هذه العلاوة ببنية العقود الغازيّة ذاتها. فعلى خلاف الغاز المسال، الذي يُتداول كثيرًا في الأسواق الفوريّة أو القصيرة المدى، تظلّ الصادرات عبر الأنابيب مستندة إلى حدّ بعيد إلى عقود طويلة الأمد، تُتيح قابليّة أكبر للتنبّؤ بالتدفّقات والأسعار. ويُسهم هذا البُعد التعاقدي في استقرار العلاقات الطاقيّة الأوروأطلسيّة الجزائريّة.
بزوغ شريك استراتيجي
يعود بزوغ الجزائر مورّدًا طاقيًّا رئيسيًّا لأوروبا إلى الصدمات النفطيّة في سبعينيّات القرن العشرين. فقد دفعت تلك الأزمات الدول الأوروبيّة إلى تنويع مصادر طاقتها والاستثمار في البنى التحتيّة الغازيّة. وسرعان ما فرضت الجزائر، بفضل احتياطاتها الكبيرة وقربها الجغرافي الملائم، نفسها شريكًا استراتيجيًّا.
يُشكّل دخول أنبوب الغاز ترانسميد حيّز الخدمة سنة 1983 لحظة تأسيسيّة. فهذه البنية التحتيّة، التي تربط الجزائر بإيطاليا عبر تونس، أوجدت تشابكًا دائمًا بين البلدان الثلاثة. كما أسهمت في هيكلة فضاء طاقي أورومتوسّطي يتميّز بتدفّقات مستقرّة نسبيًّا.
وشكّلت تسعينيّات القرن العشرين اختبارًا كبيرًا لهذه البنية. فرغم الحرب الأهليّة، استمرّت الصادرات الجزائريّة، ما عزّز الإدراك بموثوقيّة البلاد. وكان لهذه الاستمراريّة آثار دائمة في ثقة الشركاء الأوروبيّين.
ومنذ مطلع الألفيّة الثانية، تواصلت عمليّة تنويع البنى التحتيّة بدخول أنبوب ميدغاز حيّز الخدمة وتطوير الغاز المسال. غير أنّ هذه التطوّرات لم تُعِد النظر في مركزيّة الأنابيب. بل أسهمت، على العكس، في تعزيز مرونة المنظومة الجزائريّة.
ومنذ 2022، أعطت إعادة تشكيل التدفّقات الأوروبيّة هذه البنى التحتيّة أهمّيّة استراتيجيّة متجدّدة. غير أنّ حدود النموذج تبدو واضحة. فالإنتاج الجزائري، المقدَّر بين 95 و105 مليارات م³، يُعاني من قيد استهلاك داخلي في نموّ قوي يستوعب نحو نصف الكمّيّات. ويُقلّص هذا الوضع هوامش التصدير، ويحدّ من القدرة على الاستجابة لطلب أوروبي متصاعد. ويُمثّل تطوير الغاز الصخري أفقًا مهمًّا لكنّه غير مؤكّد.
أثر المزاحمة الداخلي الجزائري
الإنتاج الوطني، الاستهلاك المحلّي، وزن الغاز في المزيج الكهربائي، وأفق توسيع القدرات.
البنى التحتيّة بوصفها هندسة للسلطة
لا تنقل الأنابيب الغازَ فحسب، بل تُنظّم التشابكات وتوزّع المواقع وتُثبّت موازين القوى.
تحتلّ البنى التحتيّة الغازيّة موقعًا مركزيًّا في هيكلة علاقات السلطة المعاصرة. فبعيدًا من كونها مجرّد أجهزة تقنيّة لنقل الموارد الطاقيّة، تُشكّل أدوات استراتيجيّة تُنظّم تشابكات دائمة بين الدول. وبتثبيتها لمسارات التدفّقات، ترسم جغرافيا سياسيّة للطاقة يرتبط فيها المنتجون ودول العبور والمستهلكون بعلاقات غير متناظرة، يصعب في الغالب إعادة تشكيلها على المدى القصير.
من هذا المنظور، يمكن إدراك الأنابيب بوصفها «بنى تحتيّة قسريّة» تُبلور الخيارات الجيوسياسيّة في المكان والزمان. فطابعها الرأسمالي وتجذّرها الترابي وعمرها الافتراضي الطويل تَحُدّ من مرونة الفاعلين وتعزّز منطق التبعيّة المتبادلة. وعلى خلاف الغاز المسال، الذي يُتيح قدرًا من السلاسة والقدرة على إعادة توجيه التدفّقات، تُرسي الأنابيب العلاقات الطاقيّة في تكوينات صلبة نسبيًّا، تُنتج آثار «إغلاق» على المدى البعيد.
ويُجسّد أنبوب الغاز ترانسميد هذا المنطق على نحو خاصّ. فبربطه حقول الغاز الجزائريّة في حاسي الرمل بالسوق الإيطاليّة عبر تونس، يُؤسّس تشابكًا ثلاثيًّا يتجاوز كثيرًا البُعد الطاقي وحده. ولا تكتفي هذه البنية التحتيّة بنقل الغاز: بل تُنظّم فضاءً علائقيًّا مهيكلًا بين الجزائر العاصمة وتونس وروما، يحتلّ فيه كلّ فاعل موقعًا محدّدًا. فتظهر الجزائر مورّدًا رئيسيًّا، وإيطاليا منفذًا استراتيجيًّا، وتونس حلقة وسيطة لا غنى عنها.
في هذا الجهاز، تكتسب تونس أهمّيّة استراتيجيّة تُعوّض جزئيًّا هشاشتها الطاقيّة البنيويّة. فبوصفها بلد عبور، تستفيد من ريع المرور ومن وصول مميّز إلى جزء من الغاز المنقول. وتمنحها هذه المكانة رافعة سياسيّة لا يُستهان بها، نظرًا إلى أنّ استمراريّة التدفّقات تتوقّف على استقرار ترابها وبنيتها التحتيّة. غير أنّ هذه المركزيّة تظلّ مؤطَّرة بحدود بنيويّة كبيرة.
إذ بخلاف مركز غازي حقيقي، لا تتوفّر تونس على قدرات تخزين معتبرة، ولا على بنى تحتيّة تُتيح لها إعادة توزيع الغاز أو تسويقه على نطاق واسع. ويظلّ دورها أساسًا دور ممرّ عبور، ما يُقيّد بشدّة استقلاليّتها الاستراتيجيّة. أي إنّها وإن كانت تُشارك في سلسلة القيمة الطاقيّة، فهي لا تتحكّم في أكثر حلقاتها حسمًا. ويُجسّد هذا الوضع شكلًا من الاندماج التابع في المنظومة الطاقيّة الإقليميّة.
وفضلًا عن ذلك، يُعزّز التكوين ذاته للبنى التحتيّة عدم تناظر جوهري بين الفاعلين. فإذا كانت تونس لا غنى عنها للعبور، فإنّ الجزائر تحتفظ بالتحكّم في الكمّيّات المُصدَّرة وفي الشروط التعاقديّة، في حين تتمتّع إيطاليا بقوّة شرائيّة هيكليّة بوصفها الزبون الرئيسي. ويُؤكّد هذا التوزيع للأدوار أنّ البنى التحتيّة، بعيدًا من إنتاج تشابك متناظر، تَنزع إلى استنساخ علاقات قوّة متمايزة وتثبيتها.
وتُمثّل مسألة تشبّع البنى التحتيّة عنصرًا حاسمًا آخر في تحليل هذه الهندسة السلطويّة. فأنبوب ميدغاز، الذي يربط الجزائر مباشرة بإسبانيا، يعمل اليوم بمستويات قريبة من قدرته القصوى، في حين لا يتوفّر ترانسميد على هوامش توسّع تُذكر على المدى القصير. ويُقلّص هذا القيد المادّي قدرة الجزائر على رفع صادراتها بسرعة، رغم تصاعد الطلب الأوروبي منذ 2022.
ويُسلّط هذا الوضع الضوء على بُعد كثيرًا ما يُستخفّ به في الجيوسياسة الطاقيّة: القيد البنيوي التحتي. فحتّى حين تتوفّر الموارد، تتوقّف قابليّة تثمينها على القدرة على نقلها. وفي غياب بنى تحتيّة جديدة أو استثمارات معتبرة في توسيع القدرات القائمة، تظلّ هوامش مناورة المنتجين محدودة. وفي الحالة الجزائريّة، يقترن هذا القيد بنموّ الطلب الداخلي، ما يُعزّز التوتّرات بين الاستهلاك الداخلي والتصدير.
وأخيرًا، ينبغي وضع هذه الهندسة للبنى التحتيّة في سياق أوسع لإعادة تشكيل الممرّات الطاقيّة. فإغلاق أنبوب المغرب العربي–أوروبا سنة 2021، إثر التوتّرات بين الجزائر والمغرب، جسّد البُعد السياسي العالي لهذه البنى. كما أسهم في تعزيز مركزيّة ترانسميد وميدغاز، مُكثّفًا تبعيّة جنوب أوروبا لهذين المحورين تحديدًا.
هكذا تظهر البنى التحتيّة الغازيّة نواقل أساسيّة للقوّة الطاقيّة. فهي تُهيكل التشابكات، وتُحدّد هوامش مناورة الفاعلين، وتُكيّف التوازنات الجيوسياسيّة الإقليميّة. وفي السياق الأورومتوسّطي، تُسهم في جعل الجزائر فاعلًا محوريًّا، وتونس حلقة حرجة، وأوروبا فضاءً يعتمد على استقرار ممرّات تزوّده.
تظهر البنى التحتيّة الغازيّة نواقل أساسيّة للقوّة الطاقيّة. فهي تُهيكل التشابكات، وتُحدّد هوامش مناورة الفاعلين، وتُكيّف التوازنات الجيوسياسيّة الإقليميّة. في قلب الممرّ الأورومتوسّطي
التشابك الثلاثي لترانسميد
ثلاثة فاعلين، ثلاثة مواقع، ثلاثة أشكال من التبعيّة — عدم تناظر جوهري.
