العائلة و السلطة في ليبيا : كيف تُشكّل القرابة منظومة الحكم في البلاد؟

مقالات · أنثروبولوجيا السلطة · ليبيا
مقالات

العائلة والسلطة في ليبيا : كيف تُشكّل القرابة منظومة الحكم في البلاد؟

لم تكن السلطة في ليبيا يوماً حكراً على المؤسسات أو الأيديولوجيات، بل على العائلات؛ ومنذ 2011 تَرسّخت طبقةٌ أكثر سُمكاً لمنطق السلطة العائلية، حتى صار اقتسامُ البلاد بين «الدبيبات» في الغرب وعائلة حفتر في الشرق.

النوعدراسة أنثروبولوجية
الكاتبمحمد بالطيب · باحث في الأنثروبولوجيا
المفهوم المحوريالقرابة ومنظومة الحكم
مقدمة

عندما أُعلن في العشرين من أكتوبر عام 2011 عن مقتل معمر القذافي على مشارف مسقط رأسه سرت، استقبل كثيرٌ من الليبيين صور أسره وموته كـ«فجر عهد جديد طال انتظاره».

إلا أن نشوة تلك اللحظة حجبت حقيقة هيكلية أعمق، ففي ليبيا، لم تكن السلطة يومًا حكرًا على المؤسسات أو الأيديولوجيات أو حتى الدولة بالمعنى التقليدي، بل كانت دائمًا حكرًا على العائلات، حتى وإن توارى ذلك خلف القبيلة أحياناً. وقد أدرك القذافي نفسه هذا الأمر أكثر من أي شخص آخر. وعندما انهار النظام، لم يسقط في فراغ كان يمكن أن تملأه «المؤسسات الديمقراطية»، بل انهار في بيئة مكتظة أصلاً بالعشائر المتنافسة، والاتحادات القبلية والعائلات النافذة، ولكل منها حساباتها الخاصة من الولاء والمصلحة والطموح. وربما جميع ما جرى ما بعد عام 2011، رسخ طبقة أكثر سمكاً لمنطق السلطة العائلية، وأطلق العنان له بلا حدودٍ.

في هذا المشهد المتصدع، تتمركز هذه الدراسة. فبعد أكثر من عقد على سقوط القذافي، لا تزال ليبيا منقسمة بين قطبين مهيمنين للسلطة، كل منهما، في جوهره، مشروع عائلي بقدر ما هو مشروع سياسي. في الشرق، يقود المشير خليفة حفتر الجيش من بنغازي، لكن بنية سلطته عائلية معلنةً. فأبناؤه يشغلون مناصب عسكرية استراتيجية، محولين ما يُقدم نفسه كجيش وطني إلى ما يشبه ميليشيا عائلية موسعة. أما في الغرب، فيخضع لسلطة حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد دبيبة، الذي تتغلغل شبكة عائلته الممتدة في مجالات الأعمال والمقاولات والمحسوبية السياسية، ما يجعل التمييز بين المنصب العام والمصلحة الخاصة شبه مستحيل. كلا الرجلين يروجان لخطاب الدولة والسيادة وإعادة البناء الوطني؛ وكلاهما، في الواقع، يحكمان بقوة العائلة.

تتناول هذه المقالة كيفية اشتغال الروابط الأسرية ليس فقط كخلفية اجتماعية للسياسة الليبية، بل كمنطقها التشغيلي المركزي، أي الآلية الأساسية التي تُبنى من خلالها السلطة، وتُوزع الموارد، وتُخاض المنافسات، وتُنازع الشرعية. وبالاستناد إلى هياكل السلطة المتنافسة لشبكتي حفتر ودبيبة، تُجادل المقالة - دون ادعاء اليقين - بأن فهم التشرذم المستمر في ليبيا يتطلب تجاوز التحليلات التي تركز على المؤسسات أو التدخل الأجنبي أو التوازن العسكري، والاهتمام بدلاً من ذلك بالبنية الأسرية الحميمة للسلطة التي تُشكل الحياة السياسية الليبية من الداخل. فالأسرة، في هذا السياق، ليست من مخلفات التقاليد التي استمرت رغم الحداثة، بل هي الوسيلة التي تُصنع من خلالها ليبيا حداثتها السياسية الخاصة.

يشير تقرير خبراء مجلس الأمن، الأخير حول ليبيا، الصادر في مارس الماضي (2026)، في مواضع عديدة إلى كل من إبراهيم الدبيبة (ابن عم رئيس حكومة الوحدة الوطنيّة عبد الحميد الدبيبة) وأيضًا صدّام حفتر (نجل القائد العام للجيش الوطني الليبي)، والأدوار التي يلعبانها في إدارة السلطة والموارد والسيطرة على المؤسسات، في غرب البلاد بالنسبة للأول، وفي الشرق والجنوب بالنّسبة للثاني. حيث يؤكّد التقرير مثلاً على تورطهما في أعمال تهريب للوقود خارج رقابة المؤسسة الوطنية للنفط، مشيرًا إلى أنّ «حجم ومستوى تنظيم صادرات النفط غير المشروعة قد بلغ مستويات غير مسبوقة خلال الفترة المشمولة بالتقرير». منوّهًا نصيًا على أن ذلك «لم يكن ممكنًا إلا بسبب التورّط المباشر لكل من إبراهيم الدبيبة وصدّام حفتر».

وبينما يشغل صدّام حفتر ثاني أعلى منصب عسكري في «الجيش الوطني الليبي»، باعتباره نائبًا للقائد العام، الذي هو والدُه المشير خليفة حفتر، فإنّ إبراهيم الدبيبة يشغلُ بدوره منصب مستشار الأمن القومي في الحكومة التي يرأسها قريبه عبد الحميد الدبيبة. غير أنّ ما يميّزُ الرّجلين أكثر ويجمعهما أيضًا، هو كونهما يمثّلان تجليًا واضحًا للدّور الذي تلعبه العائلة في ليبيا سياسيا، ومركزيتها في نظام الحكم السائد الذي يجعل من المسألة القرابيّة آلية منتجة للمواقع السياسية وللنفوذ والثروة.

ولا يتوقّف الأمر عند صدّام بالنّسبة للشّرق، مجال حكمُ والده الرّجل القوي خليفة حفتر، بل يتعدّاه إلى عدد من إخوته وأصهاره، مثل شقيقه خالد الذي يشغل منصب رئيس أركان الجيش وشقيقه بلقاسم الذي يرأس جهاز إعادة الإعمار وهو الجهاز الذي يشرف على أكبر وأضخم مشاريع البنية التحتية في عموم البلاد. وفي الجانب المقابل، مع ابراهيم الدبيبة، يظهر أيضًا «الحاج علي الدبيبة، عمّ رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره المقرّب»، كرجلٍ فاعل ورئيسي في منظومة الحكم القائمة غرب البلاد والتي يطلق عليها قطاع واسع من الليبيين اسم منظومة «الدبيبات».

لذلك، فإنّ المشهد في ليبيا، وبكثير من الاختزال المريح، يبدو كحالة اقتسام للسلطة بين عائلتين: عائلة حفتر في شرق البلاد وعائلة الدبيبة في الغرب. وتشير تقارير خبراء مجلس الأمن بما فيها التقرير الأخير، إلى أهميّة دور العائلتين في إدارة السلطة والصراع بل وحتّى تقاسم المصالح من خلال عدد من الترتيبات المعلنة والخفية، وضمن إطار علاقة يحكمها الشد والجذب وفق طبيعة المصالح المرحليّة، لكن بشكل يجعل أركان الوضع قائمة ومستدامة. وهو ما يفتح النقاش واسعًا عن مدى تأثير معطى القرابة في تشكيل منظومة الحكم في البلاد، ودوره في تمكين الأزمة السياسية واستحكامها، وأيضًا حضوره التاريخي. وما يكشفه هذا التحليل، بصفة خاصة، هو أنّ ثمّة نمطين متمايزين لتوظيف العائلة في الحكم: نمط الدبيبة القائم على شبكة ريعية وبيروقراطية موزّعة، ونمط حفتر القائم على مركزة السلطة العسكرية داخل الأسرة — وهو تمايز يستحق أن يُطرح صراحةً منذ البداية.

الأطروحة المركزية · القرابة كمنطق تشغيلي للسلطة

الأسرة في ليبيا ليست خلفية اجتماعية للسياسة، بل منطقها التشغيلي المركزي: الآلية التي تُبنى بها السلطة، وتُوزَّع الموارد، وتُخاض المنافسات، وتُنازَع الشرعية. ومن هذه الزاوية يتمايز نمطان: نمط الدبيبة الريعي الموزّع، ونمط حفتر العسكري المُمركَز داخل الأسرة.

01 — الجذور التاريخية

القرابة والسلطة عبر خطٍّ تاريخيٍّ طويل

تعتبر العلاقة بين العائلة والسلطة في ليبيا أحد أهم المفاتيح لفهم طبيعة الحكم، ليس فقط في الفترة الراهنة، بل عبر المسار التاريخي الطويل الذي عرفته البلاد. فخلافًا للنماذج الكلاسيكية للدولة الحديثة التي تقوم على مؤسسات بيروقراطية مستقلة نسبيًا عن الروابط الاجتماعية التقليدية، ظلّ المجال السياسي الليبي متداخلًا بشكل عميق مع بنى القرابة، سواء في شكلها القبلي أو العائلي أو الديني. وبهذا المعنى، لا تظهر العائلة فقط كوحدة اجتماعية، بل أيضًا -وخاصةً- كفاعل سياسي قادر على إنتاج السلطة وتوزيعها وإعادة تشكيلها. فمن خلال العلاقات القرابية، والتحالفات الاجتماعية، تتكوّن شبكات نفوذ تتجاوز الإطار الرسمي للمؤسسات، وتؤثر في كيفية اتخاذ القرار وتوزيع الموارد.

ومنذ العام 2011 ومع تفكك الدولة المركزية بعد انهيار النظام السابق، برز هذا الأمر بشكل أكثر وضوحًا، حيث أصبحت العائلات تلعب دورًا محوريًا في إعادة تنظيم المجال السياسي. ولم يعد الصراع يدور فقط بين مؤسسات، بل بين شبكات متداخلة من المصالح والولاءات، تكون العائلة في كثير من الأحيان هي مركزها الناظم. ولفهم حضور العائلة في السلطة في ليبيا المعاصرة وأدوارها السياسية، لابدّ من العودة -ضرورةً- إلى البنية التاريخية الطويلة التي حكمت العلاقة بين السلطة والقرابة في التاريخ السياسي الليبي. ويمكن تتبع ذلك عبر ثلاث لحظات كبرى وهي: دولة أولاد إمحمد في فزان، بوصفه إقليمًا طرفيًا ظلّت فيه سلطة الدولة المركزية هشّةً أو غائبةً، مما جعله بيئةً مثاليةً لتكشّف آليات الحكم القبلي-الأسري في صورتها الأكثر نقاءً وتجرّدًا، ثمّ المملكة السنوسية، ثم نظام العقيد معمر القذافي.

ثلاث لحظات كبرى في تحوّل منطق العائلة في السلطة
من «العائلة/الدولة» في صورتها الخام، إلى «العائلة كرمز توحيد فوق الدولة»، إلى «العائلة التي تُنفى ظاهريًا وتعود داخل الدولة».
1550 — 1813م
دولة أولاد إمحمد في فزان
العائلة هي الدولة بلا فصل أو وساطة مؤسسية: السيطرة على الواحات والمسارات التجارية الصحراوية، وشرعية النسب والتحالفات. النموذج «الخام» للدولة/العائلة.
1951
المملكة الليبية السنوسية
العائلة الدينية كإطار للحكم: شرعية إدريس السنوسي من ثلاثيّة النسب العائلي والزعامة الروحية والتحالفات القبلية — العائلة كرمز توحيد للدولة.
1969 — 2011
نظام العقيد معمّر القذافي
العائلة تُنفى أيديولوجيًا (سلطة الجماهير) لكنها تعود داخل الدولة: بروز الأبناء، مشروع توريث سيف الإسلام، وتوزيع الريع النفطي لبناء الولاءات.

كانت دولة أولاد إمحمد في فزان (1550-1813م)، والتي اتخذت من مرزق جنوب البلاد مركزا لها، حيثُ تقاطع الطرق التجارية الصحراوية الكبرى، تمثّل نموذجًا لهذه الحالة في شكلها «الخام». وفي هذه التجربة، لم تكن الدولة مؤسسة منفصلة عن البنية العائلية، بل كانت العائلة نفسها هي الدولة. وقد اعتمد حكم أولاد إمحمد على السيطرة على الواحات والمسارات التجارية الصحراوية، وإدارة تجارة القوافل العابرة للصحراء، وتنظيم الضرائب عبر شبكات قرابية وقبلية. وفي هذا النموذج، لم تكن الشرعية سوى شرعية نسب وتحالفات. فالحكم ينتقل داخل العائلة أو عبر توازنات بين فروعها، ويُدار عبر علاقات زواج وتحالف مع قبائل محلية أخرى. والفارق الجوهري عن نظيراتها في الخليج أن دولة أولاد إمحمد لم تُطوّر جهازًا بيروقراطيًا مستقلًا عن العائلة، بل بقيت الأسرة هي الدولة بلا فصل أو وساطة مؤسسية. ما يميز هذه التجربة أن السلطة كانت شخصية/عائلية بالكامل، حيث تختفي الحدود بين الدولة والقرابة. وبذلك، تمثل أولاد محمد نموذجًا مبكرًا لما يمكن تسميته «الدولة/العائلة» في المجال الليبي قبل تشكل الدولة الحديثة.

أمّا بالنسبة للمملكة الليبية السنوسية، فقد كانت العائلة الدينية هي التي تمثّل إطار الحكم. فمع قيام المملكة الليبية سنة 1951 تحت حكم إدريس السنوسي، انتقل منطق السلطة من العائلة القبلية إلى العائلة الدينية. والأسرة السنوسية لم تكن مجرد عائلة حاكمة، بل كانت أيضًا حركة دينية إصلاحية (الطريقة السنوسية)، وتعبّر عن شبكة اجتماعية واسعة في مدن برقة وواحات الصحراء. وفي هذا السياق، اكتسب إدريس السنوسي شرعيته من ثلاثيّة النسب العائلي، والزعامة الروحية، والتحالفات القبلية.

لكن هذه الدولة الملكية واجهت تناقضًا بنيويًا، حيث حاولت -من جهة- بناء مؤسسات حديثة (برلمان، حكومة، إدارة)، لكنها ظلت -في المقابل- تعتمد على شبكات ولاء تقليدية، حيث تلعب العائلة السنوسية نفسها دور المركز الرمزي والوسيط الروحي، الذي يوازن بين القبائل والنخب الناشئة. وبالتالي، يمكن القول إن نموذج السنوسية مثّل تحولًا من العائلة كدولة (تجربة أولاد امحمّد في فزان) إلى العائلة كرمز توحيد للدولة، لكن دون تفكيك كامل لمنطق القرابة في إدارة السلطة.

مع وصول العقيد معمّر القذّافي إلى الحكم سنة 1969، بعد حركة ثورية قادها الجيش ضد الحكم الملكي، اتخذ النظام الجديد خطابًا راديكاليًا ضد حكم العائلة والملكية والقبيلة، معتبرًا أن الدولة يجب أن تقوم على ما أسماه سلطة الجماهير، وليس على الوراثة أو النسب. لكن في الواقع، ورغم الخطاب السياسي المعلن وتحوّل شكل الحكم نفسه إلى «جمهوري» بداية ثم إلى «جماهيري» لاحقًا، فإنّ العائلة لم تختفِ من السياسة، بل أُعيد إنتاجها بشكل غير رسمي داخل بنية السلطة نفسها. حيث تمّ، وعبر فترات، إعادة توزيع السلطة داخل دائرة ضيقة، حتى تمركزت تدريجيًا داخل شبكة صغيرة من الضباط المقربين والعائلات المرتبطة بالنظام، ونخبة أمنية واقتصادية منتقاة. وفي العقدين الأخيرين خاصةً من حكم العقيد معمّر القذافي، برز أبناؤه بشكل واضح في مختلف المجالات من الاقتصاد إلى الإعلام إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية. كما تمّ العمل على مشروع توريث الحكم نفسه إلى نجله سيف الإسلام الذي أطلق ما كان يسمى بمشروع «ليبيا الغد». وهو ما كان يعكس دفعًا لمنطق القرابة في إدارة السلطة إلى أقصاه عبر التوريث لمنطق تداخل العائلة داخل الدولة، رغم نفيه أيديولوجيًا. كما كان أيضًا اعتماد منظومة الحكم حينها واضحًا، على توزيع الريع النفطي لبناء الولاءات وتثبيتها أو تحيينها، ما خلق طبقة مستفيدة من النظام، وشبكات مصالح شبه عائلية وقبلية. ما يعني أيضًا أن النظام، الذي رفع منذ البداية شعارات ضد القبيلة والقبلية، لم يُلغِ فعليًا البنية الاجتماعية التقليدية، بل أعاد توظيفها داخل جهاز الدولة.

وعبر هذه النماذج الثلاث، فإنّ استمرارية منطق العائلة في السلطة، تظهر عبر خط تاريخي واضح. أولاً، حيث العائلة/الدولة في شكل نموذج «خامٍ» في تجربة دولة أولاد امحمّد. ثمّ ثانيًا، العائلة باعتبارها رمز توحيد فوق الدولة في تجربة المملكة السنوسيّة. ثمّ ثالثًا وأخيرًا، العائلة التي تُنفى ظاهريًا لكنها تعود داخل الدولة بشكل غير مباشر في نموذج نظام العقيد معمّر القذّافي. وهذا ما يوضح أن ليبيا لم تشهد قطيعة كاملة مع منطق السلطة العائلية، بل شهدت تحولات في شكلها ووظيفتها. وبالتالي، فإن فهم العائلات السياسية أو العسكرية اليوم (سواء في الشرق أو الغرب) لا يمكن فصله عن هذا الإرث التاريخي الطويل، حيث تظل القرابة، بأشكال مختلفة، أحد أهم مفاتيح إنتاج السلطة وممارستها في البلاد.

02 — نمط الدبيبة

عائلة الدبيبة و«اقتصاد الولاء السياسي»

لا يمكن فهم صعود عبد الحميد الدبيبة، ومن خلفه سلطة عائلته, إلاّ داخل السياق السياسي الذي تشكل بعد العام 2011. فبعد سقوط نظام العقيد القذافي، تحوّلت ليبيا إلى دولة منقسمة متعددة المراكز، حيث لم تعد السلطة مُمركزة في موقع واحد، أو محتكَرة من قبل جهة واحدة، بل صارت مفكّكّة بين شبكات معقدة من الجماعات المسلحة، والأجسام السياسية الهجينة والمنقسمة. وقد أدخلت هذه الحالة من التفكك، البلادَ في أتون انقسامات سياسية وصراعات عسكرية مستمرة ومتناسلة، كان آخرها وأشدها حرب طرابلس في أبريل من العام 2019 والتي استمرت لأشهرٍ طويلة. بين معسكر الغرب (الذي تُمثّله حكومة الوفاق حينها) ومعسكر الشرق (الذي تُمثّلهُ قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر). وفي النهاية، وبعد شهور من القتال أدى وقف إطلاق النار في شهر أكتوبر من العام 2020، إلى فتح مسار سياسي جديد برعاية الأمم المتحدة، هدفه وضعُ سلطة انتقالية موحدة. حيث تم إنشاء منتدى الحوار السياسي الليبي، وهو آلية اختيار غير انتخابية شخصيات ليبية وقع اختيارها دوليًا، وعبر ذلك المنتدى تم انتخاب عبد الحميد الدبيبة رئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية في فبراير 2021.

بالتالي فإنّ أهم ما يمكن الإشارة إليه هنا -بدايةً- هو أن شرعية الدبيبة لم تكن نتاج قاعدة شعبية مباشرة، بل نتاجًا لتوازنات دولية (الأمم المتحدة، القوى الغربية، توافقات «نخب» ليبية)، وأيضًا سليلة منطق لـ«إدارة الأزمة» بدل منطق حلها جذريًا. وهذا ما يفسر -لاحقًا- أزمة الشرعية المزمنة التي تلازمه ولا تزال تلاحقه. فمنذ 2022، لم تعد حكومة الدبيبة تمثل السلطة الوحيدة في ليبيا، بل أصبحت البلاد منقسمة بين حكومتين متنافستين. الأولى حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس (التي يترأسها الدبيبة)، والثانية حكومة في الشرق مدعومة من مجلس النواب وقوات الجيش الليبي (يرأسها حاليا أسامة حمّاد). وقد كان من المفترض أن تكون حكومة الدبيبة انتقالية تقود إلى انتخابات في ديسمبر 2021، لكن هذه الانتخابات لم تُجرَ، ما أدى إلى تحول الحكومة من انتقالية إلى أمر واقع، وتصاعد الطعن في شرعيتها. وأصبح الدبيبة غير مستند إلى تفويض انتخابي بل إلى توازن قوى داخلي وخارجي.

فداخليًا تعتمد سلطة الدبيبة على شبكة من الجماعات المسلحة، عمادها قوّات من مصراتة تحت قيادة وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، وأيضًا على بعض التشكيلات في طرابلس وعلى رأسها ما يعرف بقوّة «الثلاث أربعات» التي يقودها محمود حمزة. وقد شهدت طرابلس عدة مواجهات بين عدد من المجموعات، حتى داخل المعسكر الموالي للدبيبة، ما يصوّرُ مشهدًا واضحًا عن سلطة شبكية ومتغيرة تفتقد للهرمية والثبات. وقد استخدم الدبيبة، في عديد من المرات، القوة العسكرية لإعادة ترتيب هذه الشبكة، حيث حدثت صراعات مختلفة داخل طرابلس لتعزيز السيطرة على المراكز الاستراتيجية. ولئن نجح الدبيبة -مثلا- في إنهاء نفوذ غنيوة الككلي أحد أبرز قادة الجماعات المسلحة في العاصمة والذي كان يمتلك نفوذًا واسعًا على الوزارات والمؤسسات السياديّة، فإنّه وفي المقابل قد فشل -حتى الآن- ورغم المحاولات المتكرّرة، في إخضاع «قوّة الرّدع» المختصة في مقاومة الإرهاب والجريمة المنظمة والتي يقودها عبد الرؤوف كارة.

ويشير تقرير خبراء المجلس الأمن الأخير، إلى دور كبير اضطلع به إبراهيم الدبيبة في هذه الأحداث من خلال تمويله مباشرةً لحملة تجنيد مقاتلين من مصراتة لنقلهم للقتال في طرابلس ضد «قوّة الرّدع»، مقابل رواتب تتراوح بين 700 و5000 دينار ليبي. كما أكّد التقرير أيضًا أنّ «نفوذ إبراهيم الدبيبة امتد إلى ما يتجاوز نطاق الجماعات المسلحة، حيث يتمتع بنفوذ عظيم في التعيين في المناصب في ضوء المهام الأمنية والسياسية والاقتصادية التي يضطلع بها». مشيرًا أيضًا إلى أنّه قد «لعب دورا محوريا في عدة تسويات مفصلية في ليبيا، بما في ذلك عن طريق مشـاركته المباشرة في الاتفاق بين عائلتي الدبيبة وحفتر الذي أفضى إلى إبرام صفقة أركنو». كما يشير التقرير كذلك إلى أنّ «نفوذه على قطاعات اقتصاديّة رئيسية يستند إلى تحالفه مع عدد من قادة الجماعات المسلحة، في السابق مع الككلي، ومؤخرا مع عبد السلام الزوبي». وهذا ما يكشف أن الصراع ليس فقط على السلطة السياسية، بل هو أيضًا على الموارد الاقتصاديّة وقنوات توزيع الريع في دولة تعتمد أساسًا على إنتاج النفط.

«حجم ومستوى تنظيم صادرات النفط غير المشروعة قد بلغ مستويات غير مسبوقة خلال الفترة المشمولة بالتقرير… لم يكن ممكنًا إلا بسبب التورّط المباشر لكل من إبراهيم الدبيبة وصدّام حفتر». — من تقرير خبراء مجلس الأمن حول ليبيا
منظومة «الدبيبات» · شبكة الريع والولاء والجماعات المسلحة
كيف تشتغل العائلة في «نمط الدبيبة» كحلقة ناظمة لشبكة موزّعة تربط السياسة بالاقتصاد بالفاعلين المسلحين، عبر «اقتصاد الولاء السياسي». (مرّر المؤشر فوق العُقد لاستكشاف الروابط.)
رأس المنظومة الأمن والجماعات المسلحة السياسة والاقتصاد أذرع/مواقع تابعة

بالتالي، وفي مواجهة معضلة الشّرعيّة التي تلاحقه، وبحثًا عن ترسيخ أركان حكمه، ركّز الدبيبة ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الولاء السياسي». حيث أنّه يعتمد، بشكل أساسي على توزيع الموارد على الفاعلين المسلحين، وعلى شراء الولاءات بدل بناء مؤسسات. وقد وصف الباحث أنس القماطي هذا النموذج بأنه يمثّل «نظام الدفع مقابل الولاء»، بمعنى أن الميليشيات لا تُدمج في الدولة فعليًا بل يتم تمويلها للحفاظ على الاستقرار المؤقت. وهذا ربما هو ما يفسر لماذا لا توجد سلطة أمنية مركزية حقيقية في غرب البلاد، حتى أنّ تقرير خبراء مجلس الأمن أسماه «غرب ليبيا المنقسم».

بالتالي يمكن تلخيص نظام حكم الدبيبة في ثلاث خصائص أساسية، الأولى كونه يمثّل سلطة بدون سيادة كاملة بسبب الانقسام الجغرافي والمؤسساتي، والثاني كونه يحكم عبر الشبكات لا المؤسسات من خلال الميليشيات والاقتصاد الريعي، والثالثة كونه مستندٌ إلى شرعية دولية أكثر منها داخلية ونتيجةً لهندسة سياسية أممية. ومن هذه الزاوية، فإنه من الممكن القول أنّ الدبيبة لا يمثل «رئيس حكومة» بالمعنى التقليدي، بل هو أقرب إلى مديرٍ لتوازنات معقّدة داخل نظام مفكك.

وهذه المعادلة التي رسّخت نظام «اقتصاد الولاء السياسي»، والذي يديره فعليًا إبراهيم الدبيبة، تعيد التأكيد على الدور البنيوي الذي تلعبه العائلة ليس بوصفها امتدادًا اجتماعيًا تقليديًا، بل باعتبارها وحدة فاعلة في إنتاج السلطة وإعادة توزيعها. وأيضًا كيف تتحول من إطار قرابي إلى آلية تنظيمية تربط بين السياسة والاقتصاد وشبكات النفوذ.

واقتصاديًا وسياسيًا وتاريخيًا، تنتمي عائلة الدبيبة إلى نمط من الفاعلين الاقتصاديين الذين تشكّلت ثرواتهم داخل بنية الدولة الريعية في عهد القذافي. وقد برز اسم العائلة خصوصًا من خلال اشتغالها في قطاع المقاولات، المرتبط مباشرة بالمشاريع الحكومية الكبرى. هذا النمط يندرج ضمن ما تسميه أدبيات الاقتصاد السياسي بـ«رأسمالية الدولة»، حيث لا تنفصل الثروة عن القرب من السلطة، بل تتغذى عليها.

وتتأكد أهمية هذا المسار حين نعلم أن عبد الحميد الدبيبة نفسه شغل، في أواخر عهد القذافي، رئاسة جهاز حكومي يشرف على إدارة عقود ضخمة في قطاع البناء. بالتالي، لا تكمن أهمية هذه المرحلة في بعدها التاريخي فقط، بل في كونها تفسّر استمرارية الشبكات بعد 2011. فنظريًا، وبدل أن تحدث قطيعة مع اقتصاد القذافي، ضمن التحوّل الثوري الجذري الذي وقع في البلاد، فقد نجحت -عمليا- هذه الشبكات في إعادة التموضع داخل السياق الجديد، ما يوضّحُ قدرتها الواسعة على المناورة والتكيّف مع المتغيرات.

كذلك، لابدّ من الإشارة، إلى أنّه عند انتخاب عبد الحميد الدبيبة رئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية في فيفري 2021 عبر منتدى الحوار السياسي الليبي، ظهرت منذ البداية مؤشرات على تداخل المال بالعملية السياسية. فقد أورد تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن لسنة 2021، وجود شهادات عن رشاوى قُدّمت لبعض المشاركين في المنتدى مقابل التصويت لمرشحين بعينهم، من بينهم الدبيبة. ورغم أن التحقيقات لم تؤدِّ إلى إدانات قضائية حاسمة، فإن التقرير أكد وجود «مؤشرات ذات مصداقية على محاولة شراء أصوات». وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تكشف أن الوصول إلى الحكم لم يكن سياسيًا فقط، بل تمّ عبر تداخل مع أدوات اقتصادية.

يتجلى البعد الاقتصادي للعائلة بشكل أوضح من خلال شخصيات مثل علي الدبيبة، الذي ورد اسمه في ملفات قضائية دولية تتعلق بأصول مالية مرتبطة بليبيا. وتشير هذه الوقائع إلى أن نشاط العائلة لم يكن محليًا فحسب، بل امتد إلى شبكات مالية خارجية، ما يعزز فرضية كونها فاعلًا عابرًا للحدود داخل الاقتصاد السياسي الليبي.

لكن ومع مرور الوقت، لم تعد عائلة الدبيبة - وهو ما أتاحه توظيفه لرأس المال الريعي والعلاقات العائلية في بناء شبكة ولاءات لم يتمكن منها أسلافه كالسراج الذي افتقر إلى هذه الموارد - شبكة تعمل في الظل، بل تحولت إلى رمز سياسي في الخطاب العام. فقد ربطت عدّة احتجاجات في طرابلس ومدن أخرى بين اسم العائلة وقضايا الفساد وتأجيل الانتخابات. وهو ما يعني أن هذا التحول من «شبكة خفية» إلى «رمز معلنٍ» للفساد السياسي والاقتصادي، قد يزيد في تعميق أزمة الشرعية الكامنة بطبيعتها بالنسبة لحكومة الدبيبة.

03 — نمط حفتر

عائلة حفتر ونظام «العسكرة الشاملة»

وبالمثل كان صعود خليفة حفتر، معبّرًا عن التحولات التي طرأت في المشهد الليبي بعد العام 2011، حيث يعكس مساره انتقالًا من موقع هامشي إلى مركز ثقل عسكري وسياسي في شرق البلاد وجنوبها. ولفهم هذا الصعود, لا بد من وضعه -أيضًا- ضمن سياق انهيار الدولة الليبية بعد سقوط العقيد معمّر القذافي، وما تبعه من فراغ أمني ومؤسساتي فتح المجال أمام الفاعلين العسكريين لمحاولة إعادة تشكيل السلطة.

فقد عاد اللواء خليفة حفتر إلى ليبيا سنة 2011، في سياق الحرب الأهلية في البلاد، وذلك بعد عقود من المنفى. وحاول الاستفادة من شبكات قديمة داخل المؤسسة العسكرية، ومن حالة التفكك التي أصابت الأجهزة الأمنية، ومن صورته كمعارض للنظام وقيمته الاعتبارية كأحد الضباط الوحدويين الأحرار الذين أسقطوا العهد الملكي في العام 1969. غير أن التحول الحاسم في مسيرته جاء سنة 2014، عندما أطلق عملية «الكرامة»، مقدّمًا نفسه كقائد لحرب ضد «الإرهاب» في شرق البلاد. وقد مكّنه هذا الخطاب من كسب دعم شرائح اجتماعية متخوفة من الفوضى، إضافة إلى دعم إقليمي ودولي، خاصة من مصر والإمارات وفرنسا.

وعبر مراحل، نجح حفتر في بناء ما صار يُعرفُ بـ«الجيش الوطني الليبي»، وهو تشكيل عسكري يجمع بين بقايا الجيش السابق، ومجموعات قبلية، وكتائب سلفية. وبحلول العام 2016، تمكن حفتر من السيطرة على منطقة الهلال النفطي، وهي أهم منطقة لإنتاج وتصدير النفط في ليبيا. وهذا الإنجاز لم يكن تحولاً عسكريًا فقط، بل كان نقطة تحول استراتيجية، إذ منح معسكره نفوذًا مباشرًا على أحد أهم مصادر الثروة في البلاد. ورغم أن إدارة النفط بقيت رسميًا بيد المؤسسة الوطنية للنفط، فإن السيطرة الميدانية على الموانئ جعلت حفتر لاعبًا أساسيًا في معادلة الاقتصاد السياسي الليبي.

تمتد مناطق سيطرة حفتر و«الجيش الوطني الليبي» حاليًا عبر كامل الشرق الليبي (برقة) وأجزاء واسعة من الجنوب، بما في ذلك مدن مثل بنغازي، طبرق، وسبها. وفي هذه المناطق، لا تتم ممارسة الحكم عبر مؤسسات مدنية قوية ومستقلة، بل من خلال نموذج يمكن وصفه بـ«العسكرة الإدارية»، حيث تتداخل السلطة العسكرية مع الإدارة المدنية. فالمجالس المحلية، والأجهزة الأمنية، وحتى بعض المؤسسات الاقتصادية، تعمل تحت إشراف مباشر أو غير مباشر من القيادة العسكرية.

تعتمد آليات حكم خليفة حفتر على ثلاث ركائز أساسية. أولًا، الضبط الأمني الصارم، حيث تم تفكيك أو إخضاع معظم التشكيلات المسلحة المنافسة في الشرق، وهو ما سمح بفرض درجة من الاستقرار، لكنها استقرار قائم على السيطرة لا التوافق. ثانيًا، التحالفات القبلية، إذ يلعب شيوخ القبائل دورًا مهمًا في دعم النظام مقابل الحفاظ على مصالحهم المحلية. وثالثًا، السيطرة على الاقتصاد، حيث تشير معظم تقارير خبراء مجلس الأمن، بما فيها التقرير الأخير، إلى وجود شبكات مرتبطة بقوّات الجيش تتحكم في معظم الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك التهريب وإعادة توزيع الموارد.

وبالرغم من هذا التماسك النسبي، يظل نظام حفتر قائمًا على «الكاريزما» أكثر من اعتماده على «البيروقراطية». فهو يعتمد بشكل كبير على شخصه كقائد، وعلى شبكة ولاءات قد تتفكك في حال غيابه أو تغير موازين القوى. كما أن فشل هجومه على طرابلس في 2019-2020 كشف حدود قدرته على توحيد البلاد بالقوة، وأدى إلى تثبيت الانقسام بين شرق وغرب.

وبشكلٍ عام، لا يمكن النّظر إلى خليفة حفتر كقائد عسكري فقط، بل أيضًا كفاعل سياسي نجح في بناء نظام سلطة موازٍ داخل دولة منقسمة. نظام يقوم على «العسكرة الشاملة»، والتحالفات المحلية، والدعم الخارجي، ويعكس (مثل حالة الدبيبة) طبيعة ليبيا كدولة لم تستكمل بعد مسار بناء مؤسساتها.

وإذا كان صعود حفتر قد ارتكز في بدايته على خطاب «إعادة بناء الدولة» ومحاربة الفوضى، فإن تطور نظامه في الشرق الليبي يكشف تدريجيًا عن انتقال نحو نمط حكم أقرب إلى «العسكرة العائلية»، حيث تتقاطع السلطة العسكرية مع شبكة عائلية تلعب دورًا متزايدًا في توزيع النفوذ والموارد وتنظيم المواقع. فكما هو الحال في تجارب أخرى (من بينها حقبة العقيد معمّر القذّافي)، لا تبقى المؤسسة العسكرية إطارًا محايدًا، بل تتحول إلى قاعدة تُعاد من خلالها هندسة السلطة داخل دائرة ضيقة من المقرّبين، وفي مقدمتهم -بالنسبة لخليفة حفتر- يقف أبناء القائد نفسه في الصف الأوّل وأمام الجميع.

التقسيم الوظيفي داخل العائلة · شبكة الأمن والعسكر والسياسة والاقتصاد
كيف يُعاد تنظيم السلطة حول أبناء القائد في «نمط حفتر»: «تخصيص» وحدات ومواقع لأفراد العائلة، وتحويلها تدريجيًا إلى مراكز نفوذ شبه مستقلة. (مرّر المؤشر فوق العُقد لاستكشاف الروابط.)
القائد العام الأمن والعسكر السياسة والاقتصاد أذرع/مواقع تابعة

وعلى رأس أبناء القائد، يقف نجله صدّام الذي يحملُ رتبة فريق، وتمّ تعيينه كنائب لأبيه «القائد العام للقوّات المسلّحة العربيّة». وقد أصبح صدّام حفتر خلال السنوات الأخيرة أحد أهم الفاعلين الأمنيين في الشرق. حيث يقود وحدات عسكرية من النخبة، وتنسب إليه أدوار مباشرة في إدارة الملفات الأمنية الحساسة، خاصة في بنغازي ودرنة وفي الجنوب الصحراوي الواسع. وهذه الوحدات لا تعمل فقط كأدوات عسكرية، بل أيضًا كقنوات لضبط المجال السياسي والاجتماعي، حيث تُستخدم لضمان الولاء ومنع تشكل مراكز قوة منافسة داخل الشرق.

إلى جانب صدام، يبرز اسم خالد حفتر، شقيقهُ الذي يشرف على وحدات عسكرية أخرى ويشغل منصب رئاسة الأركان، وله دور في إدارة بعض الترتيبات الأمنية، بينما يظهر شقيقهما بلقاسم حفتر في واجهة العمل السياسي، خصوصًا عبر علاقاته مع البرلمان في طبرق وإشرافه على صندوق التنمية وإعادة الإعمار الذي يدير أضخم مشاريع البنية التحتية في البلاد. وهذا التوزيع للأدوار يعكس نمطًا واضحًا يقومُ على تقسيم وظيفي داخل العائلة بين الأمن والعسكر والسياسة والاقتصاد. لكن ما يمنح هذه البنية خصوصيتها ليس فقط حضور الأبناء، بل الطريقة التي يُعاد بها تنظيم السلطة حولهم. فبدل أن تبقى القيادة العسكرية إطارًا مؤسسيًا، يتم «تخصيص» وحدات معينة لأفراد من العائلة، ما يحوّلها تدريجيًا إلى مراكز نفوذ شبه مستقلة داخل الجهاز العسكري نفسه.

في فترة مختلفة ظهر دور العائلة بشكل أوضح. ففي بنغازي ودرنة، بعد العمليات العسكرية التي أنهت وجود الجماعات المسلحة المعارضة، لعبت الوحدات المرتبطة بأبناء حفتر (خاصة كتيبة طارق ابن زياد) دورًا في إعادة تنظيم المجال الأمني، وأيضًا في ضبط المجال المدني، بما في ذلك الإعلام والنشاط السياسي، وبأشكال مروّعة أحيانًا تصل حدّ التصفيات والتغييب لشخصيات سياسية ونشطاء مدنيين وحتى نوّاب في البرلمان، مثل النائبة سهام سرقيوة والنائب إبراهيم الدرسي. وفي حالتيهما توجّه الاتهامات من قبل المعارضين إلى صدّام حفتر.

هذا المشهد يطرح سؤالاً جوهريًا عن طبيعة الاستقرار الذي تحقق في الشرق هل هو نتيجة بناء مؤسسات، أم نتيجة إحكام السيطرة عبر شبكة عائلية/عسكرية؟ حيث أنّه ورغم التماسك الظاهر، يحمل هذا النموذج في داخله نقاط ضعف بنيوية. فتركيز السلطة داخل العائلة: يحدّ من استقلالية المؤسسة العسكرية، ويخلق توترات محتملة مع قادة ميدانيين آخرين، كما أنّهُ يربط استقرار النظام بشخص حفتر نفسه. وهو ما يؤشّر بشكل واضح، إلى أن مستقبل الشرق الليبي قد يتأثر بشكل كبير بسؤال «الخلافة»، أي من سيخلف حفتر، وكيف ستُعاد توزيع السلطة داخل العائلة.

على سبيل الخاتمة

السلطة في ليبيا لا تُختزل في الهياكل الرسمية، بل تُنتَج داخل شبكات القرابة والمصالح

بكل ما تقدّم من تحليل للعلاقة بين العائلة والسلطة في ليبيا، يتوضّحُ أن ما يبدو اليوم كظاهرة مرتبطة بمرحلة ما بعد العام 2011 هو في الواقع تعبير مكثّف عن بنية أعمق، ممتدة بجذورها في التاريخ السياسي المحلّي، وأنّها قد عادت للظهور بقوة مع تفكك الدولة المركزية وانقسام مؤسساتها. غير أن خصوصية اللحظة الراهنة تكمن في أن هذا المنطق لم يعد يعمل في الهامش أو في الخلفية أو في الخفاء أو بسريّة، بل أصبح ظاهرًا وبجلاء في قلب تشكيل السلطة نفسها، سواء في الغرب أو في الشرق، وإن بأشكال مختلفة.

ففي حالة الدبيبة، تتجلى العائلة كجزء من شبكة أوسع تقوم على إدارة الاقتصاد السياسي للدولة، حيث يتم توظيف الموارد والإنفاق العام لبناء تحالفات وضمان الولاءات. بمعنى أنّ العائلة لا تعمل بمعزل عن بقية الفاعلين، بل كحلقة ضمن منظومة تمتد إلى رجال الأعمال والمؤسسات والفاعلين المسلحين، وهو ما يجعل السلطة قائمة على توزيع النفوذ أكثر من احتكاره.

أما في حالة خليفة حفتر، فتأخذ العائلة دورًا أكثر تمركزًا داخل بنية الحكم، حيث تتداخل مع الجهاز العسكري وتشارك في إدارة المجالين الأمني والسياسي، إضافة إلى حضورها في الاقتصاد عبر قنوات متنوعة ورئيسية. وفي هذا النموذج، لا تُستخدم العائلة فقط كوسيط، بل كأداة لتنظيم السلطة وضبطها، ما يمنح النظام درجة أكبر من التماسك، لكنه يربطه في الوقت نفسه بدائرة ضيقة من الفاعلين.

ورغم هذا الاختلاف، يلتقي النموذجان في نقطة أساسية، هي أنّ كليهما يعكس صعوبة تشكّل دولة مؤسسات مستقلة عن شبكات القرابة والمصالح. ومن هذا المنظور، فإن مستقبل الدولة الليبية وأزمتها المستفحلة، لا يرتبط فقط بالتسويات السياسية، بل أيضًا بمدى القدرة على إعادة تعريف العلاقة بين السلطة وهذه الشبكات، بحيث تتحول من أدوات للحكم إلى عناصر خاضعة له.

محمد بالطيب · باحث في الأنثروبولوجيا · مقالات

Related posts

الإسلام السياسي في نظام إقليمي جديد : من فاعل عابر للحدود إلى فاعل محلي مقيّد

تونس : عملاقٌ شمسيٌّ مُهمَّش

الدولة المُهدورة : الشعبوية التونسية و اللحظة الرجعية العالمية