الفعاليات واللقاءات
ندوات ومؤتمرات وورش عمل تتناول التحولات الكبرى في عصرنا — طاقيةً كانت أم جيوسياسية أم ديموغرافية أم رقمية.
الفعاليات الماضية
الاستدراك قبل انقلاب الموازين: أزمة التنمية، انحسار التعددية، وتحديات الجنوب الاستراتيجية
باتت مجتمعات شمال أفريقيا وحكوماتها تقف أمام منعطف تاريخي فارق، لم تعد فيه الاستجابات القطاعية أو التقنية المجزأة كافيةً لمواجهة تحولات متشعبة تطال البنى الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والجيوسياسية في آنٍ معاً. وفي ظل تراجع متسارع للجهات المانحة التقليدية، وتآكل متواصل لمنظومة التعددية الدولية، وتصاعد حدة التنافسات الكبرى بين الدول، لم يعد بناء قدرة استراتيجية ذاتية مجرد خيار، بل غدا ضرورةً وجودية لا تحتمل التأجيل.
تسعى شبكة PNT إلى استنهاض نخب شمال أفريقيا نحو تبنّي رؤية استراتيجية بعيدة الأمد، قادرة على استيعاب تحديات باتت تُلحّ بلا هوادة: الانتقال إلى مرحلة ما بعد التنمية، والتكيّف مع تداعيات التغير المناخي، وإدارة التحول الطاقوي، ومواجهة إعادة تشكّل النظام الاقتصادي العالمي في بيئة تتسم بعدم اليقين الاستراتيجي.
البرنامج التفصيلي
محضر أعمال الندوة
التحرّك قبل أن ينقلب كلّ شيء: أزمة التنمية، ونهاية التعدّدية، والتحدّيات الاستراتيجية لبلدان الجنوب
أكّدت الندوة التأسيسية لشبكة السياسات من أجل التحوّلات (PNT)، التي عُقدت في باريس بمشاركة نحو ثلاثين باحثًا وفاعلاً، الحدسَ المؤسِّس للمنظمة: لم نعد في لحظة انتقال آتية، بل في عالم تحوّل فعلاً، حيث فقدت المقولات الموروثة — التنمية، والتعدّدية، والحوكمة، والديمقراطية — قدرتها التفسيرية والإجرائية.
المحتويات
إسهامات الندوة في تشكيل هويّة الشبكة
أبرزت النقاشات تشخيصًا مشتركًا: لقد تمّ الانقلاب الجيوسياسي بالفعل. فالتعدّدية لم تعد إطارًا ناظمًا، بل منظومة في حالة تآكل. والمعايير الدولية باتت موضع تنازع أو التفاف. وموازين القوى تُعاد صياغتها وفق منطق القوّة الخام، والتشظّي الإقليمي، والصفقاتية المعمَّمة. وفي هذا السياق، تبدو الدول، بما فيها دول شمال أفريقيا، كيانات مُنهكة على نحو متزايد، تتنازعها التوتّرات بين الخطاب السيادوي والفقدان الفعلي للسيادة.
تعيد هذه القراءة تعريف رسالة الشبكة تعريفًا عميقًا. فالمنظّمة لا يمكنها أن تموقع نفسها في امتداد الأطر التقليدية للمساعدة، ولا في امتداد المقاربات التكنوقراطية القطاعية. بل تتموضع بوصفها فضاءً لإعادة تسييس القضايا الراهنة، يسعى إلى إعادة إدراج البُعد السياسي حيث جرى إجلاؤه لصالح مقولات تقنية كالمرونة، والحوكمة، والنجاعة، والانتقال.
كما كشفت المداخلات عن تحوّل جوهري في نموذج التنمية ذاته. فالمساعدة الدولية، التي ارتبطت تاريخيًا بنظام تعدّدي وبوظيفة إسقاط النفوذ، تتحوّل اليوم إلى منظومة لإدارة المخاطر، مُمَوْلَنة إلى حدّ بعيد، وموجَّهة نحو تعبئة القطاع الخاص. ويرافق هذا التحوّل نقلٌ للمسؤولية نحو الفاعلين المحلّيين، دون إعادة توزيع حقيقية لقدرات الفعل. وهكذا تكفّ التنمية عن كونها مشروع تحويل لتغدو آليةَ تكيّف مع إكراهات خارجية.
في هذا السياق، برز مفهوم القدرة على الفعل (Agency) بوصفه مفهومًا مركزيًا. مَن يقرّد؟ مَن يفعل؟ مَن يتحمّل مسؤولية التحوّلات؟
الإجابة السائدة اليوم تنزع إلى تهميش المجتمعات المحلّية، مع إخراج القرارات الاستراتيجية إلى الخارج. وتحدّد الشبكة لنفسها هدفًا دقيقًا يتمثّل في الإسهام في إعادة بناء هذه القدرة على الفعل، عبر التعبير المتزامن عن التفكير الاستراتيجي والتحليل النقدي وإنتاج أُطر بديلة.
ومن أبرز الدروس الأخرى التي تمخّضت عن النقاشات، ضرورةُ التفكير في التحوّلات في تعدّديتها وتشابكها. فالانتقال الطاقي، والتحوّل الصناعي، والتحوّلات التكنولوجية، وإعادة التركيب الجيوسياسي، والتطوّرات الاجتماعية، لم يعد ممكنًا تناولها بمعزل عن بعضها البعض. إنّها تنتمي إلى لحظة تاريخية واحدة تتّسم بعدم اليقين، وعدم القابلية للتنبّؤ، والتسارع.
وفي هذه البيئة، لم يعد ممكنًا تصوّر الاستراتيجيا بوصفها تخطيطًا خطّيًا قائمًا على فرضيّات مستقرّة. بل عليها أن تستوعب التقلّب، والصراعية، وإمكان القطائع المفاجئة. وهذا يستلزم تجاوز المقاربات الإدارية للحوكمة لإعادة استحضار التفكير السياسي في المفاضلات، والأولويّات، والمسارات.
وأخيرًا، أبرزت الندوة التأسيسية الدور الخاصّ لشمال أفريقيا بوصفه فضاءً استراتيجيًا. فالمنطقة، الواقعة عند مفترق الطرق بين أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، تتركّز فيها آثار إعادة التركيب العالمي: تشظّي التعدّدية، وإعادة تعريف سلاسل القيمة، والتوتّرات الأمنية، وتحوّل نماذج التنمية. وهي فضاء هشاشة ومختبر محتمَل لإعادة التركيب الاستراتيجي في آنٍ واحد.
في هذا الإطار، ترى الشبكة في نفسها حاضنةً للتفكير الاستراتيجي الجماعي، قادرةً على جمع فاعلين من آفاق مختلفة — باحثين، وممارسين، وصانعي قرار، وأعضاء من المجتمع المدني — بهدف إنتاج تحاليل ضاربةٍ جذورُها في الواقع الإقليمي ومنخرطةٍ في الدينامياتت العالمية.
الرهان ليس اقتراح حلول فورية، بل إعادة بناء شروط فكرٍ استراتيجي مستقلّ، وهو شرط مسبق لكلّ صورة من صور السيادة والتنمية، وعلى المدى الأبعد، الدمقرطة.
تركيب المداخلات والنقاشات
انقلاب قد تحقّق فعلاً
تنعقد المائدة المستديرة التي نظّمتها شبكة السياسات من أجل التحوّلات في سياق يتميّز بتحوّل عميق في النظام الدولي. ولعلّ أبرز ما خلصت إليه النقاشات أنّ الانقلاب الجيوسياسي لم يعد فرضيّة بل واقعًا. فعالم ما بعد الحرب الباردة، الذي بنته التعدّدية والمعايير الدولية والهيمنة الغربية، آخذ في التلاشي.
ويتلاقى المشاركون عند فكرة أنّنا دخلنا عالمًا يتّسم بالتشظّي، وصعود منطق القوّة، وتراجع الأطر المعيارية. ولا يطال هذا التحوّل العلاقات الدولية وحدها، بل يمتدّ كذلك إلى نماذج التنمية والعمل الإنساني وإدارة النزاعات.
1. نهاية التعدّدية وعودة القوّة
قدّمت مداخلة كريم تشخيصًا قاطعًا: العالم انقلب فعلاً نحو نظام تتقدّم فيه القوّة على ما عداها. فالتعدّدية تعيش أزمة عميقة، فيما تتبنّى القوى الكبرى منطق المواجهة المباشرة.
سمات السياق الجديد
- عودة معلَنة إلى سياسة القوّة
- إعادة النظر في التحالفات التقليدية
- تهجين بين المحافظة الجديدة والمنطق الصفقاتي
- تصاعد الخطابات الخلاصية والأيديولوجية
والنتيجة الرئيسية هي عدم استقرار بنيوي، تتفاقم معه مخاطر التشظّي الإقليمي، لا سيّما في الشرق الأوسط. وتُلقي هذه الديناميا بظلالها على الأسس ذاتها التي يقوم عليها النظام الدولي القائم على القواعد.
2. الأزمة البنيوية للتنمية
تكشف مداخلتا الكسندر والخبير الأممي عن أزمة أعمق: أزمة نموذج التنمية ذاته. فالتنمية، تاريخيًا، أداةٌ جيوسياسية مُدرَجة في منطق الحرب الباردة. ومنذ نشأتها، وهي تخترقها تناقضات بين الأهداف السياسية والاقتصادية والمعيارية.
تجلّيات الأزمة الراهنة
- إخفاق سياسات التكيّف الهيكلي
- نزع الطابع السياسي عن النقاشات الاقتصادية
- فقدان المؤسّسات الدولية لمصداقيّتها
- تقلّص التمويل الموجَّه إلى أكثر البلدان هشاشةً
وعلى مستوى أعمق، تتحوّل التنمية إلى منظومة لإدارة المخاطر، تتمحور حول مَوْلَنَة المساعدة، واستخدام أدوات من قبيل التمويل المختلط (Blended Finance)، ونقل المخاطر إلى الفاعلين المحلّيين. وهذا التطوّر يؤشّر على الانتقال من مشروع تحويل إلى منطق تكيّف.
3. مركزية السيادة والقدرة على الفعل
من المحاور الأساسية للنقاشات محورُ القدرة على الفعل (Agency) والسيادة. ويؤكّد المشاركون أنّ السؤال الجوهري لم يعد سؤال التنمية بحدّ ذاتها، بل سؤال قدرة الدول والمجتمعات على الفعل.
ففي سياق نهبٍ كوني، تصبح الأولوية صَوْنَ القدرات على الفعل: القدرة على رسم استراتيجيات مستقلّة، والقدرة على مقاومة الضغوط الخارجية، والقدرة على استشراف التحوّلات. ويقود هذا التفكير إلى تنسيب بعض الأولويات التقليدية، ولا سيّما الديمقراطية والحوكمة، اللتين تبدوان ثانويتين أمام رهانات البقاء والسيادة.
4. إعادة التفكير في الاستراتيجيا في عالم لا يقبل التنبّؤ
تكشف النقاشات عن تحوّل في علاقتنا بالزمن وبالاستراتيجيا. ففي عالم موسوم بعدم اليقين والتقلّب، تبدو مقاربات التخطيط التقليدية غير ملائمة.
وعلى الاستراتيجيا أن تستوعب من الآن فصاعدًا عدمَ القابلية للتنبّؤ بالفاعلين، ومركزيّةَ المشاعر والإدراكات، وشخصنةَ السلطة، وتسارعَ التحوّلات التكنولوجية. وهذا يستلزم تجاوز المقاربات الخطّية لصالح أُطر أكثر مرونة، قادرة على التكيّف مع بيئات غير مستقرّة.
5. أفريقيا وشمال أفريقيا فضاءَيْن استراتيجيَّيْن
تبرز أفريقيا بوصفها أحد أبرز فضاءات التحوّل على المستوى العالمي. فهي تجمع نموًّا ديمغرافيًا متسارعًا، وثرواتٍ استراتيجيةً، وإمكاناتٍ اقتصاديةً مهمّة.
أمّا شمال أفريقيا، بصفة خاصّة، فيشغل موقعًا محوريًا عند مفترق الطرق بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. ويمنحه هذا الموقع دورًا استراتيجيًا في عمليات إعادة التركيب الجارية. غير أنّ المنطقة تواجه تحدّيات عدّة: ركود اقتصادي، وتشظٍّ سياسي، وتبعيّة خارجية، وغياب مشاريع بنيويّة جامعة.
خاتمة: نحو إعادة بناء قدرة التفكير الاستراتيجي
تُبرز المائدة المستديرة الحاجة إلى إعادة التفكير العميق في أُطر التحليل والفعل. فالنماذج الموروثة لم تعد تتيح فهم العالم الراهن ولا الفعل فيه.
وفي هذا السياق، يكتسب دور المبادرات من قبيل الشبكة أهمّيةً قصوى. إذ يتعلّق الأمر بإعادة بناء قدرة على التفكير الاستراتيجي، عبر التعبير المتزامن عن التحليل النقدي وإنتاج المعرفة وربط شبكات الفاعلين. والرهان ليس فكريًا فحسب؛ بل هو سياسي بامتياز: إذ يتعلّق بإعادة منح المجتمعات قدرتَها على رسم مستقبلها في عالم يُعاد تركيبه.
من ما بعد التعدّدية إلى ما بعد التنمية: إعادة تسييس الاستراتيجيا في عالمٍ يتشظّى
اللحظة التاريخية التي دخلناها لم يعد بالإمكان فهمها بوصفها مجرّد طورٍ من أطوار انتقال تدريجي. بل تلاقت النقاشات، على العكس من ذلك، عند فكرة أنّ الانقلاب قد تحقّق فعلاً. فنحن لم نعد على عتبة تغيّر في النظام الدولي؛ بل نعيش بالفعل في العالم الذي يلي ذلك. وهذه القراءة، التي تتخلّل التحاليل الجيوسياسية والتأمّلات في التنمية على حدّ سواء، تُلزمنا بمراجعةٍ عميقة للمقولات التي بنت الفكر السياسي الدولي في العقود الأخيرة.
فالتعدّدية، والتنمية، والحوكمة، والمرونة، بل حتى الدمقرطة ذاتها، لم يعد بالإمكان استدعاؤها بوصفها بديهيات أو أُطرًا محايدة. بل ينبغي إعادة استجوابها انطلاقًا من شروطها التاريخية في التكوّن، ومن استخداماتها السياسية، ومن استنفادها الراهن.
ومن أبرز مكاسب النقاش رفضُه القاطعَ الفصلَ بين ما يقدّمه الخطاب السائد بوصفه مجالات متمايزة: الجيوسياسية من جهة، والتنمية من جهة أخرى؛ النزاعات من جهة، والسياسات العمومية من جهة أخرى؛ الإكراهات البنيوية من جهة، وهوامش الفعل الوطني من جهة أخرى. بل، بخلاف ذلك، يدلّ كلّ شيء اليوم على تشابكٍ متنامٍ بين السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والعسكري والاجتماعي.
تظلّ اللغة في الغالب لغةَ التنمية والتعاون والاستقرار، في حين أنّ المنطق الفاعل بات منطقَ القوّة، والأمننة، والتشظّي، وإدارة المخاطر.
نهاية نظام معياري
تتراجع، يومًا بعد يوم، صلاحية الفكرة القائلة إنّ المنظومة الدولية المعاصرة لا تزال مبنيّة، ولو على نحو ناقص، على نظام معياري موروث من 1945. فالمبادئ التي شكّلت البنيان الأخلاقي والقانوني لتعدّدية ما بعد الحرب — الأمن الجماعي، احترام السيادة، رفض الضمّ بالقوّة، مركزية القانون الدولي — لا تزال قائمةً في النصوص، لكنّها لم تعد تنتج المفاعيل التنظيمية التي كانت تُنسب إليها.
وما فرض نفسه على امتداد المداخلات هو فكرة نظامٍ ما بعد معياري، لا بمعنى أنّ كلّ معيار قد اختفى، بل بمعنى أنّ المعايير لم تعد تؤطّر فعليًا سلوك القوى. إذ يتمّ استدعاؤها، أو انتقاؤها، أو الالتفافُ عليها، أو تعليقُها وفقًا لموازين القوى.
الانقلاب الجيوسياسي قد تحقّق بالفعل. لم تعد الوحوش في الأفق؛ بل غدت في موضع السلطة.
هذه العبارة التي طبعت النقاش لا تشير إلى مجرّد صعود قادة أكثر وحشيةً أو سخريةً. بل تُحيل إلى تحوّلٍ أعمق: زوال الوسائط التي كانت تتيح في السابق تغليف الهيمنة بلغة المبادئ والحقوق والكونيّة. ولم نعد ببساطة في عودة إلى الواقعية السياسية (Realpolitik) الكلاسيكية. بل نواجه تشكيلةً أكثر هشاشةً تجمع بين سياسة القوّة في القرن التاسع عشر، ورواسبَ من المحافظة الجديدة، وصفقاتيةٍ متحرِّرة من كلّ قيد.
وتتبدّى تبعات هذا الانقلاب بوضوحٍ خاصّ في الشرق الأوسط، حيث كفّت الحرب والتطرّف ودينامياتت التشظّي عن أن تكون شذوذًا لتغدو أساليبَ عاديّة لحُكم المنطقة. وما يثير القلق هنا ليس الحربَ بحدّ ذاتها فحسب، بل الكيفية التي يتحوّل بها التشظّي ذاته إلى قدرٍ محتوم.
ويُلزمنا هذا التحوّل في السياق بمراجعة طريقة تفكيرنا في الاستراتيجيا. ففي عالمٍ موسومٍ بما بعد الحقيقة، وبفرط تقلّب الخطابات، وبشخصنةٍ متطرّفة للسلطة، لم يعد ممكنًا تصوّر الاستراتيجيا كما كانت تُتصوَّر في عالمٍ متوقَّع نسبيًا. فصعود الذاتية، وتنامي أهمّية سيكولوجيا القادة، ودور المشاعر والخوف والأهواء الحزينة، كلّ ذلك يُحوّل في العمق شروطَ القرار السياسي.
التنمية بوصفها خيالاً سياسيًا في أزمة
تستجرّ أزمة التعدّدية هذه أزمةً موازيةً لها، غير منفصلة عنها، أزمةَ التنمية. فالتنمية لم تكن قطّ مجالاً تقنيًا خالصًا. لقد كانت منذ نشأتها مشروعًا جيوسياسيًا. ولم يكن الأمر يتعلّق في المقام الأوّل بتنظيم رخاءٍ مشترك، بل بتثبيت فضاءات تُعتبر هشّة، واحتواء خصوم، وبناء تراتبيّةٍ عالمية تحدِّد فيها بعضُ الدول المساراتِ المرغوبَ فيها للدول الأخرى.
إنّ تاريخ التنمية، في هذا الصدد، تاريخُ إزاحاتٍ متعاقبة. فمن ارتباطها بالمنطق الاستعماري ثمّ بنظام ما بعد الحرب، أُعيد تشكيلها من خلال برامج التكيّف الهيكلي، ثمّ التحرير الاقتصادي، فخطابات الحوكمة الرشيدة، ومكافحة الفساد، والتنمية البشرية، والتنمية المستدامة، وصولاً إلى المرونة. وكلّ متتالية من هذه المتتاليات أزاحت معالم المشكلة دون أن تعيد النظر في السؤال المركزي: مَن يحدّد الأولويات، ومَن يتحمّل التكاليف، ولفائدة مَن تُدار هذه السياسات؟
وها هي تلك المفردات نفسها تتزعزع اليوم. فالحوكمة الرشيدة، والمرونة، والنجاعة، والاستقلال الاستراتيجي، قُدِّمت بوصفها مفاهيم تدبيرية محايدة، شبه كونية. غير أنّها تنتمي إلى منطقٍ إداري ينقل إلى الدول مقولاتٍ مصمَّمة للمؤسّسة. وهي تحجب علاقات القوى، والتراتبيّات الدولية، والتفاوتاتت المادية، ونزاعات التوزيع.
ويتجلّى هذا التطوّر بوجه خاصّ في صعود نموذج المرونة. فحيث كانت التنمية تدّعي بعد، ولو وَهْمًا، تحويلَ البِنى الاقتصادية والاجتماعية، تكتفي المرونة بجعل الصدمات قابلةً للاحتمال. إنّها لم تعد تَعِد بالتحرّر؛ بل تنظّم القدرة على استيعاب الألم.
من المساعدة إلى إدارة المخاطر
يمكن تلخيص المنعطف الراهن للمنظومة الدولية للمساعدة بوصفه انتقالاً من نموذج التحويل إلى نموذج إدارة المخاطر. فلم يعد الأمر يتعلّق فعلاً بإنتاج تنميةٍ بالمعنى القويّ، بل بتخفيف الصدمات، وتأمين الاستثمارات، والحفاظ على بيئاتٍ مستقرّةٍ بما يكفي لتظلّ قابلةً للإدماج في الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الإطار، تخضع المساعدة لمنطق المَوْلَنة. وتغدو الأدوات المهيمِنة هي الضمانات، وعقود التأمين، وآليات التمويل المختلط (Blended Finance)، وتغطية الخسائر الأولى. والهدف المُعلَن هو تعبئة القطاع الخاص، والانتقال من المليارات إلى التريليونات. غير أنّ المنطق الحقيقي يقع في موضع آخر: فالأمر يتعلّق بتقليل تعرّض المستثمرين للمخاطر أكثر منه بتمويل الحاجات الاجتماعية.
ويرافق هذا التحوّل تعديلٌ عميق في توزيع المسؤولية. والسؤال الحاسم هو سؤال القدرة على الفعل. مَن يفعل؟ مَن يقرّر؟ مَن يُحاسَب؟ والمنظومة الناشئة لها هذه الخصوصية: أنّها تنزع إلى نقل عبء التكيّف إلى المجتمعات المحلّية مع إبقاء مراكز القرار في الخارج. فتغدو الجماعات المحلّية مسؤولةً عن إدارة مخاطر لم تخلقها ولا تملك وسائل تعديل أسبابها البنيوية.
ويُقدَّم اللجوء المتزايد إلى القطاع الخاص بوصفه ردًّا براغماتيًا على نضوب التمويلات العمومية. غير أنّ ما من دلائل على قدرته على تلبية حاجات السياقات الأشدّ هشاشةً. بل ما يَبْرُز في هذه المرحلة، على العكس من ذلك، هو تركّز التدفّقات نحو السياقات الوسطى، والقطاعات الاستخراجية، والفضاءات التي تُعتبر مربحةً أو استراتيجيةً، فيما تظلّ المناطق الأكثر هشاشةً ناقصةَ التمويل بنيويًا.
ماذا يعني التسييس؟ ماذا يعني إعادة التسييس؟
من أخصب الأسئلة التي طُرحت خلال النقاش هذا السؤال: ماذا يعني التسييس بدقّة؟ التسييس لا يعني فقط إعادة إدخال خطابٍ أيديولوجي حيث يُفترض أن يسود الحياد. بل يتمثّل في المقام الأوّل في إعادة الصلة بين قراراتٍ تُقدَّم بوصفها تقنية وعلاقات القوى التي تنظّمها.
إنّ تسييس الانتقال الطاقي، على سبيل المثال، لا يعني أخلَقة النقاش؛ بل طرحَ الأسئلة التي تنزع اللغة التكنوقراطية إلى إقصائها: مَن يدفع كلفة الانتقال، مَن يستحوذ على الريع الأخضر، أيُّ نسيج إنتاجي يجري تعزيزه، وأيُّ سيادةٍ طاقيّة أو صناعية تُستهدف، وعلى أيّ ائتلافات اجتماعية وسياسية يمكن لانتقالٍ من هذا القبيل أن يستند.
أن نكون سياسيين اليوم يعني السعيَ إلى استرداد القدرة على الفعل وإعادة السيادة. لا بمعنى التشدّد السلطوي، بل بمعنى استرجاع هوامش قرارٍ حقيقية.
السيادة، والركود، والنزعة البقائية
برزت السيادة بوصفها مفهوم اللحظة المركزي. غير أنّ المداخلات أبرزت كذلك مدى ما يتشبّع به هذا المصطلح من التباسات. إذ توجد اليوم سيادويّاتت بلا سيادة، وخطاباتٌ مناهضة للإمبريالية بلا استقلالية حقيقية، وبلاغاتُ مقاومةٍ تفتقر إلى أيّ قدرة إنتاجية أو مؤسَّسية أو اجتماعية.
ومن النقاط الحاسمة في النقاش الإصرارُ على أنّ الدولة لا تحمي سيادتها بالسلطوية وحدها. بل، على العكس من ذلك، فإنّ السلطوية، حين تقترن بالركود الاقتصادي، وعدم النجاعة البنيوية، وانسداد الآفاق، تُغذّي عدمَ استقرارٍ متصاعد. فالسيادة تتطلّب قدرات، ومرونةً، واندماجًا استراتيجيًا في السياق الإقليمي، وحفاظًا على المصالح الحيويّة.
ومفهوم الركود، الذي أُدخل إلى النقاش بوصفه متغيِّرًا كثيرًا ما يجري إغفاله، أساسي في هذا الصدد. فهو يتيح فهمَ العنف والتشظّي والإحباط لا بوصفها مجرّد نتاجٍ لنزاعات سياسية، بل أيضًا بوصفها مفاعيلَ استنفاد الوعود التاريخية. فمجتمعات شمال أفريقيا تعيش في وضعٍ بَيْنِيّ فقدت فيه الروايات القديمة للتقدّم مصداقيّتها، دون أن تَبزغَ مشاريع بنيوية جديدة. وفي هذا المعنى أُثيرت مسألة "البلدان بلا مشروع".
وفي الوقت نفسه، تبدو بعض السياقات الإقليمية، ولا سيّما المشرق، خاضعةً بالفعل لمنطق البقاء. فحيث يواجه المشرق تهديدًا وجوديًا ويعيش في فوريّة النزعة البقائية، لا يزال شمال أفريقيا، رغم تدهور الأوضاع، يحظى بفسحةٍ ليتموقع نحو المستقبل. وهذه "الميزة" النسبية تُنشئ مسؤوليةً خاصّة. وتجعل بناءَ فكرٍ استراتيجي قادرٍ على الحيلولة دون انزلاق المنطقة، هي الأخرى، إلى الوضع البقائي المحض، أمرًا أكثر إلحاحًا.
أفريقيا وشمال أفريقيا فضاءَيْن استراتيجيَّيْن
من الإسهامات المهمّة الأخرى للنقاش إعادةُ توجيه النظر نحو أفريقيا، لا بوصفها هامشًا لأزماتٍ ينبغي إدارتها، بل بوصفها أحد أبرز فضاءات النموّ والثروات وإعادة التركيب على المستوى العالمي. وهذا المنظور يُلزمنا بقطيعةٍ مع رؤيةٍ خطّية للتنمية.
وقد ركّزت المداخلات على الطابع التحوّلي لبعض الديناميات الأفريقية: سرعة التحوّلات الاجتماعية، وصعود أجيالٍ جديدة تنفذ مباشرة إلى المعرفة العالمية، والدور المتنامي للجاليات الأورو-أفريقية، وبزوغ أشكالٍ من المقاولاتية والابتكار وتدفّق المعارف تُفلت من المخطّطات القديمة.
غير أنّ هذا الانفتاح لا يحدث تلقائيًا. فهو يصطدم بانسداداتٍ بنيوية كبرى، لا سيّما في مجالات الطاقة، والتكنولوجيات الحرجة، والماء، والبنى التحتية، والتحالفات الصناعية. ولا يمكن الحديث جدّيًا عن الذكاء الاصطناعي، أو الانتقال التكنولوجي، أو إعادة التصنيع، دون طرح الأسئلة الجوهرية: مَن يتحكّم في الطاقة، ومَن يملك أشباه الموصِّلات، ومَن يتقن سلاسل الإمداد، ومَن يؤمّن المياه، وما هي المدخلات الاستراتيجية، وأيّ موارد إقليمية يمكن أن تشكّل روافعَ جيوسياسية.
وشمال أفريقيا، في هذا المنظور، ليس امتدادًا بسيطًا لأوروبا، ولا ملحقًا للشرق الأوسط. بل ينبغي التفكير فيه بوصفه فضاءً استراتيجيًا قائمًا بذاته، يقع عند تقاطع المغرب الكبير، وأفريقيا جنوب الصحراء، والجوار العربي، والمتوسّط. فلم يعد الأمر يتعلّق بالتفكير في المغرب الكبير من خلال النظرة الأوروبية وحدها، بل في موقعه ضمن عالمٍ تغدو فيه علاقاته مع أفريقيا والشرق الأوسط والجنوب العالمي حاسمةً.
ما العمل؟
السؤال الختامي الذي يخترق نصّ الندوة بأكمله هو سؤال "ما العمل؟". وهو سؤال لم يَلقَ جوابًا بسيطًا، ولحسن الحظّ أنّ الأمر كذلك. غير أنّ النقاشات تتيح رسمَ بعض الخطوط العامّة.
ثلاثة خطوط ناظِمة
- تجنّب إغراء التابوة راسا (الطاولة البيضاء): فالانهيار الكامل للمؤسّسات لن يفتح آليًا فضاءً لإعادة البناء؛ بل قد يُرسّخ فوضى مديدةً تخرج منها المجتمعات أكثر هشاشةً ممّا كانت عليه.
- رفض نزع الطابع السياسي: فكلّ جهد الشبكة، كما تَبدَّى في هذه المائدة المستديرة، يقوم بدقّة على إعادة فتح فضاء الفكر الاستراتيجي الذي لا يتخلّى عن النزاعات، ولا عن علاقات القوى، ولا عن رهانات السيادة، تاركًا إيّاها للتكنوقراط.
- إعادة بناء المشاريع: لا اليوتوبيات المجرّدة ولا الرؤى المستوردة، بل مشاريع متجذّرة، جريئة، قادرة على التعبير المتزامن عن السيادة، والعدالة الاجتماعية، والقدرة الإنتاجية، والاندماج الإقليمي، والأفق التحرّري.
وكلمة "التحرّر"، التي اقتُرحت في الخاتمة، أساسية هنا. فهي تتيح تجاوز البديل العقيم بين الاستسلام التكنوقراطي والبلاغة الراديكالية الفارغة. وتُذكِّرنا بأنّ السؤال المركزي ليس فقط سؤال البقاء، بل سؤال قدرة المجتمعات على أن تستعيد كونها فاعلةً في مسارها الخاصّ.
ها هنا، ربّما، تكمن المهمّة المخصوصة لفضاءٍ من قبيل شبكة السياسات من أجل التحوّلات: لا إنتاج تعليقٍ آخر على أزمات الحاضر، بل الإسهام في إعادة صياغة شروط النقاش، وتوضيح المفاهيم، وربط رهاناتٍ كثيرًا ما تُقدَّم مجزّأةً، وجعلِ ما يُخفيه الخطاب السائد قابلاً للتفكير فيه.
في زمنٍ تتفكّك فيه الأساطير القديمة وتُعمّر فيه الأدوات بعد غاياتها، يعود الفكر الاستراتيجي شرطًا للفعل، ولعلّه، على نحو أكثر جوهريّة، شرطٌ للسيادة ذاتها.