المنشورات

مذكرة تحليلية · تونس · ماي 2026

الشمس كرهينة.
السيادة، اتفاقيات إنتاج الكهرباء
والعجز الاستراتيجي

تشريح جدلٍ برلماني وتصوير إشعاعي لاختيار طاقي. مذكرة تحليلية معمّقة حول الامتيازات الكهروضوئية الخمسة لشهر أفريل 2026.

SCROLL ↓

تمهيد

في ربيع 2026، عاشت تونس، حول خمس اتفاقيات امتياز كهروضوئي، جدلاً كانت حدّته الانفعالية متعاكسة مع الرهانات الاقتصادية والاجتماعية التي يطرحها. على مدى عدة أسابيع، تحوّل نقاش برلماني صناعي بحت — كيف يتم تمويل 600 ميغاواط شمسية في بلدٍ يستورد 65 % من طاقته الأولية — إلى مرافعة من أجل السيادة الوطنية. كلّفت النصوص المعنية الوزيرة التي تولّت تقديمها منصبها. تكشف هذه التسلسلية عن منهج عمل سياسي يخدم فيه الخطاب السيادي حمايةَ المصلحة الوطنية بأقل مما يخدم إخفاء تعقيد المفاضلات الاقتصادية والسياسات العمومية التي ينبغي أن يقودها البلد.

تقترح هذه المذكرة العودة إلى هذه التسلسلية في أربع مراحل: إعادة بناء ما جرى يوم 28 أفريل 2026؛ ونقل ما تقوله — بدقّة — النصوص المعتمدة؛ ووضع هذه الاتفاقيات في مسار الطاقة المتوسطي؛ وصياغة محاور الإصلاح التي تشترط القيمة الاجتماعية المستقبلية للانتقال الطاقي. الرّهان لا يقتصر على 1,64 مليار دينار من الاستثمار. بل يتعلّق بقدرة الدولة التونسية على التفكير في ذاتها كاستراتيجية في قطاع يكون فيه رأس المال والتكنولوجيا وإزالة الكربون عابرَين للحدود بنيوياً. مجموع المشاريع والاتفاقيات والنقاشات المُحال إليها يمكن الاطلاع عليها على البوابة الرسمية لمجلس نواب الشعب.

0ميغاواط ممنوحة في أفريل 2026
0مليار دينار تونسي من الاستثمار
0من الطاقة الأولية المستوردة
0صوت « موافق » في البرلمان
I

تسلسلية 28 أفريل 2026 — وقائع انقلابٍ

عند فجر يوم الثلاثاء 28 أفريل 2026، أعلنت رئاسة الجمهورية، عبر بلاغ مقتضب، إنهاء مهام فاطمة ثابت الشيبوب، وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة. وبعد ساعات قليلة، يفتتح مجلس نواب الشعب أطول جلسة عامة في المدة النيابية الجارية.

قرابة ثماني ساعات من النقاشات خُصّصت لخمسة مشاريع قوانين تحمل الأرقام 01/2026 إلى 05/2026، أودعتها رئاسة الجمهورية في جانفي السابق، وتتعلّق بالمصادقة على خمس اتفاقيات امتياز لإنتاج الكهرباء الكهروضوئية1. المواقع المعنية — الخبنة والمزونة في ولاية سيدي بوزيد، القصر وسقدود في قفصة، منزل حبيب في قابس — تُجمع طاقة إنتاجية مركّبة تناهز 598 ميغاواط مقابل استثمار في حدود 1,64 مليار دينار وإنتاج سنوي متوقَّع يبلغ نحو 1 500 جيغاواط ساعي2. في نهاية النهار، اعتُمدت النصوص الخمسة، بأغلبيات تراكميّة تقارب 362 صوتاً موافقاً و160 صوتاً معارضاً و44 امتناعاً عن التصويت في مجموع الاقتراعات الخمسة.

شركة Zenith Energy

لكن، قبل أربعة عشر يوماً من إعفاء الوزيرة، في 14 أفريل 2026، فإن مراسلة رسمية وجّهتها السلطات التونسية إلى شركة Zenith Energy — كشفت عنها هذه الأخيرة علناً — تعترف خطّياً بملكية المستثمر على بعض الامتيازات النفطية (لاسيما الربّانة والبيبان) وعلى كميات من النفط المُستخرَج والمخزَّنi. تأتي هذه المراسلة فيما دخل النزاع بين Zenith Energy والجمهورية التونسية أمام المركز الدولي لتسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمارات (CIRDI، القضية ARB/23/18) مرحلته الحاسمة: تنطلق الجلسات النهائية في واشنطن في 20 أفريل 2026، حول مطالب مالية تطوّرت، منذ الإيداع الأوّل، إلى رتبة قدر مقاربة لـ 640 مليون دولارii.

الرّهان القانوني لهذا الاعتراف الخطّي جوهري: إذ بإقرار ملكية المستثمر على الأصول محلّ النزاع، تُضعف الدولة التونسية خط الدفاع الذي كان بإمكانها تقديمه ضدّ توصيف نزع الملكية غير المباشر. ويرى جزءٌ من الفقه الاقتصادي والقانوني التونسي — لاسيما في التحليلات العمومية لمختار العماري وأعمال الاستقصاء التي تُجريها منصّة بحث — في ذلك عاملاً محتملاً لتفاقم التعرّض المالي للدولة، الذي يبقى التحديد الدقيق للممضين عليه قائماًiii.

الوقائع الموثّقة هي التالية: مراسلة 14 أفريل؛ افتتاح جلسات CIRDI في 20 أفريل؛ الإعفاء الرئاسي في 28 أفريل على الساعة 4 و39 دقيقة فجراً؛ التصويت على الاتفاقيات الكهروضوئية الخمس في اليوم نفسه؛ مغادرة المدير العام للكهرباء والطاقات المتجدّدة، بلحسن الشيبوب، في 6 ماي. لم تثبت الصلة السببية بين هذه الأحداث رسمياً.

المرسومة 02
حلقة مفرغة
أربع وعشرون ساعة، خمسة أعمال سياسية. ينبسط الزمن في شكل حلزوني، من الصباح إلى الخاتمة الإدارية ليوم 6 ماي. كلّ علامة تحدّد اللحظة ورهانها.
14 أفريل 2026
مراسلة Zenith Energy
الدولة التونسية تعترف خطّياً بملكية المستثمر على امتيازات نفطية متنازَع فيها (الربّانة، البيبان).
20 أفريل 2026
افتتاح جلسات CIRDI
جلسات نهائية في واشنطن — القضية ARB/23/18. مطالب Zenith: نحو 640 مليون دولار.
28 أفريل · 04س39
إعفاء الوزيرة
رئاسة الجمهورية تُعلن إنهاء مهام فاطمة ثابت الشيبوب ببلاغ مقتضب.
28 أفريل · 10س00
افتتاح الجلسة العامة
مجلس نواب الشعب يفتح أطول جلسة في المدة النيابية. خمسة مشاريع قوانين على جدول الأعمال.
28 أفريل · 14س00
نقاش سيادي
ثماني ساعات من النقاش. كلمة « سيادة » تحتلّ النقاش، لا أرقام العجز الطاقي.
28 أفريل · 18س00
التصويت: 362 صوتاً موافقاً
المصادقة على الاتفاقيات الكهروضوئية الخمس. 160 ضدّ، 44 امتناعاً.

6 ماي 2026
إعفاء المدير العام للطاقات المتجدّدة
بلحسن الشيبوب، المدير العام للكهرباء والطاقات المتجدّدة، يُعفى من مهامه. صدمة موجية إدارية.
المصادر: يومية مداولات مجلس نواب الشعب؛ بلاغات رئاسة الجمهورية؛ برقيات الوكالات.

يستحقّ منطق التسلسل التأمّل: تُعفى وزيرة بسبب توليها ملفّاً كانت رئاسة الجمهورية ذاتها قد أطلقته قبل أربعة أشهر، وسيُصادَق عليه في نفس المساء من قبل الأغلبية البرلمانية الموالية لرئيس الدولة. وفي 6 ماي الموالي، يُعفى بدوره المدير العام للكهرباء والطاقات المتجدّدة، بلحسن الشيبوب. يُستبدَل المنفّذون؛ تُحافَظ السياسة؛ يُعتمَد النصّ؛ يُزاح النقاش. وهذا يُحيل إلى سجلّ شرعية نظام سعيّد لكنّه يبقى متناقضاً.

لقد بُنيت رئاسته، منذ انقلابه في جويلية 2021، على سجلّ سيادي معارض صراحةً لأي خوصصة للموارد الوطنية. غير أنّ مصالحه هي التي أودعت مشاريع القوانين الخمسة المؤسِّسة لامتيازات تمتدّ خمساً وعشرين سنة لفائدة متعاملين أجانب في غالبيتهم.

حين برزت المعارضة، جاءت من منتخبين يتبنّون نفس السجلّ السيادي — مما وضع رئاسة الجمهورية في وضعية غير معتادة تتمثّل في الدفاع، ضدّ جزءٍ من قاعدتها الخطابية ذاتها، عن ملفٍّ كان أنصارها يندّدون به. اتّخذ المخرج الشكل الكلاسيكي في السياق التسلّطي للمنصهرة الوزارية التي تنفجر تجنّباً لارتفاع سياسي عمومي للتظلّمات.

II

تحليل مشاريع القوانين

تندرج الاتفاقيات في النظام الذي أرساه القانون عدد 2015-12 المؤرّخ في 11 ماي 2015 المتعلّق بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجدّدة، الذي يميّز ثلاث صيغ: الإنتاج الذاتي، ونظام التراخيص (حتى 10 ميغاواط للطاقة الشمسية) ونظام الامتيازات لما يتجاوز هذا السقف4.

تنتمي الآلية المعتمَدة للمحطات الخمس إلى النموذج الدولي للمنتج المستقلّ للطاقة Independent Power Producer (IPP). فمطوّر خاص — عادةً ما يكون كونسورتيوم يضمّ متعاملين دوليين — يموّل ويبني ويستغلّ ويصون المنشأة طيلة خمسة وعشرين عاماً، في إطار اتفاقية شراء الكهرباء Power Purchase Agreement التي تجعل من الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) المشتري الوحيد للكهرباء المنتَجة. وعند انقضاء الامتياز، تُحال التجهيزات إمّا إلى الدولة أو يتمّ تفكيكها، حسب الصيغ المحدّدة في كلّ اتفاقية.

ثلاثة توضيحات ضرورية

تستحقّ ثلاث نقاط أن تُثبَت بدقّة، لأنّها هيكلت الجدل ولأنّها شُوّهت بشكلٍ كبير في النقاش العمومي.

أوّلاً، لا تنتقل ملكية العقار. تبقى المواقع ملكاً للدولة؛ يتمّ وضعها على ذمّة المستثمر باتفاق إشغال وقتي تتطابق مدّته مع مدّة الامتياز. السابقة المتمثّلة في المرسوم عدد 2021-20 المؤرّخ في 22 ديسمبر 2021 المتعلّق بالمصادقة على اتفاقية برج بورقيبة، المنشور كاملاً بالرائد الرسمي، توفّر البنية النموذجية لهذه الاتفاقيات5.

ثانياً، يتمّ ضخّ الكهرباء المنتَجة بالكامل في الشبكة الوطنية. التصدير المباشر غير مرخَّص للمحطات الخاضعة لنظام الامتياز المرتبط بـ PPA الـ STEG، كما أكّد ذلك وزير الاقتصاد والتخطيط خلال جلسة الاستماع أمام المجلس الوطني للجهات والأقاليم في 4 ماي 20266. وبالتالي، فإنّ منطق الوجهة الداخلية محترَم تعاقدياً بالنسبة لهذه المشاريع الخمسة.

ثالثاً، التحكيم الدولي لا يشكّل الطريقة الرئيسية لتسوية النزاعات. تنصّ الاتفاقيات على أنّ القانون الواجب التطبيق هو القانون التونسي وأنّ المحاكم التونسية مختصّة في الدرجة الابتدائية. ولا يتمّ اللجوء إلى التحكيم الدولي إلاّ بصفة ثانوية، في الحالات التي تستوجب فيها الطبيعة الدولية للتمويل ذلك. هذه البنية هي القاعدة الكونية للمشاريع المرتبطة بممولين كالبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير (BERD) أو مؤسّسة التمويل الدولية (IFC) أو الوكالة متعدّدة الأطراف لضمان الاستثمار (MIGA). فرفض هذا الشرط يعني، عمليّاً، رفض التمويلات الميسّرة التي تجعل المشاريع قابلة للتنفيذ اقتصادياً.

التعريفة وتأويلها

كلفة الإنتاج المُعلَنة للكيلوواط ساعي تتراوح بين 100 و112 مليماً، أي ما يعادل تقريباً 0,032 إلى 0,036 يورو/ك.و.س — وهو رقمٌ دافع عنه علناً كاتب الدولة المكلّف بالانتقال الطاقي خلال نفس جلسة الاستماع7. هذا الترتيب القياسي هو المعيار الحاسم لتقييم العقلانية الاقتصادية للعقود. ويُقارَن بشكل ملائم بالكلفة الحدّية للكيلوواط ساعي المنتَج من الغاز المستورد، المقوَّم بالعملات الأجنبية والخاضع لتقلّبات الأسواق الدولية. ويقع علاوة على ذلك ضمن مجال الكلفة المعيارية للكهرباء (Levelized Cost of Electricity) الشمسية العالمية، والتي تحدّد IRENA متوسّطها المرجَّح بـ 0,043 دولار/ك.و.س سنة 20248 — فوقه قليلاً، وهو ما يعكس علاوة المخاطر السيادية التونسية وغياب الضغط التنافسي للمزايدات العكسية.

المرسومة 03
ثمن الضوء، طبقةً طبقةً
الكلفة المعيارية للكهرباء الشمسية (LCOE)، 2024-2025، بالدولار الأمريكي لكلّ ميغاواط ساعي. خمس طبقات سوقية: قادة العالم، وجوار الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتونس 2026، والمعدّلات العالمية، والوقود الأحفوري المستورد. الفراغات ليست صمتاً، بل هي قياسٌ للفارق.
الطبقة Iقادة العالم13–14 $/م.و.س
الإمارات · السعوديةAL DHAFRA · SUDAIR
الطبقة IIالجوار MENA24–32 $/م.و.س
الأردن · مصر · المغربBAYNOUNA · BENBAN · NOOR PV II
الطبقة IIIتونس 202634 $/م.و.س مُعلَنة
خمس امتيازات IPPEL KHOBNA · MEZZOUNA · EL KSAR · SEGDOUD · MENZEL HABIB
الطبقة IVالمعدّلات العالمية38–61 $/م.و.س
إسبانيا · IRENA · فرنسا · LazardPPA 2024 · معدل العالم · CRE 2024 · USA
الطبقة Vالمرجعية الأحفورية95 $/م.و.س
تونس — غاز مستوردالكلفة الحدّية STEG 2025
0 $25 $50 $75 $100 $110 $
المصادر: IRENA, Renewable Power Generation Costs in 2024؛ Lazard, LCOE+ 2024؛ الوكالات الوطنية؛ التقارير البرلمانية لمجلس نواب الشعب 01/2026-05/2026.
III

تأطير النقاش

تنتشر الحجج المُستحضَرة على أربعة سجلاّت مختلفة تتباين متانتها تبايناً جوهرياً.

السجلّ الأوّل هو سجلّ المقارنة بالنفط. ستكون الامتيازات شبيهة بـ « استعمار طاقي » يأتي فيه متعامل أجنبي ليستخرج ثروةً وطنية — وهي هنا الشمس. تكمن القوّة الإيحائية لهذه المقارنة في الذاكرة التي تستحضرها: ذاكرة الامتيازات النفطية في سنوات 1950-1970 والعقود غير المتكافئة التي رافقتها. أمّا متانتها المنطقية، في المقابل، فهي ضعيفة. النفط والغاز يشكّلان مخزوناً منتهياً موجوداً في باطن الأرض الذي ينظّم حقّ التعدين ملكيّته. أمّا الشمس فهي تدفّق لا ينضب. ما تثمّنه محطة كهروضوئية ليس مورداً مُستخرَجاً بل خدمة إنتاج كهربائي تُضخّ في الشبكة الوطنية. التمييز ليس دلالياً بحتاً: فهو يوجّه النظام القانوني المُطبَّق وطبيعة العلاقة بين الدولة والمستثمر.

السجلّ الثاني يتعلّق بالامتيازات الجبائية والعقارية المُمنوحة لأصحاب الامتياز. هذه الانتقادات مقبولة جزئياً من وجهة نظر سيادية: القانون 2015-12 ونصوصه التطبيقية يمنحان للمستثمرين إعفاءات مهمّة تستحقّ معايرتها فحصاً دقيقاً. غير أنّ السؤال الوجيه ليس معرفة ما إذا كان يجدر منح امتيازات — فجميع الدول التي نجحت في إقلاعها الشمسي فعلت ذلك — بل كيفية معايرتها، مقابل أيّ التزامات بالمحتوى المحلي ونقل الكفاءات والمردودية الجهوية. وعلى هذه الأرضية، لم ينتقل النقاش حقّاً قطّ.

السجلّ الثالث هو سجلّ المحتوى المحلي. أبدت عدّة أصوات نقابية، لاسيما داخل الجامعة العامّة للكهرباء والغاز، أسفها لكون تصوّر طلبات العروض ذاته يفضّل آلياً المجموعات الدولية التي تتوفّر على عمق الميزانية الضروري — Scatec وAMEA Power وTAQA Power وQair وغيرها. هذه الانتقادات هي الأكثر متانة من بين الأربعة، وقد خُنقت بشكل متناقض بفعل التشبّع الرّمزي للنقاش. وهي تُشير إلى واقع بنيوي: لا تتوفّر تونس على صناعة كهروضوئية أوّلية — لا تصنيع للخلايا أو الألواح على الصعيد الوطني — ولا على منظومة EPC ناضجة بما يكفي لحمل مشاريع تفوق 100 ميغاواط. تنحصر المردودية المحلية في الهندسة المدنية والصيانة وحجم محدود من الوظائف التقنية. هذا الضعف حقيقي؛ ولن تسدّه الشعارات، غير أنّه كان ينبغي أن يوجّه التفاوض حول البنود.

السجلّ الرابع هو سجلّ سياسي-رمزي. تحتلّ كلمة السيادة في تونس مكانة محورية. وهي تُحيل إلى المحاور المناهضة للاستعمار والمعادية للإمبريالية في معركة التحرّر الوطني وإلى التنديد ببرنامج التعديل الهيكلي لصندوق النقد الدولي سنة 1986.

غير أنّه، بمعنى ما، تُقاس سيادة الدولة أوّلاً بقدرتها على تمويل سياساتها العمومية وتخفيض تبعيّاتها البنيوية والتفاوض حول عقودها الدولية بشروط تتحكّم فيها. وبهذا الاعتبار، فإنّ بلداً مثل تونس يستورد 65 % من طاقته الأوّلية ويتحمّل قرابة 3 مليارات يورو من العجز الطاقي السنوي لا يتوفّر، عمليّاً، على الروافع التي تتيح له جعل سيادته غير قابلة للتفاوض.

« تُقاس سيادة الدولة أوّلاً بقدرتها على تمويل سياساتها العمومية، وتخفيض تبعيّاتها البنيوية، والتفاوض حول عقودها الدولية بشروط تتحكّم فيها. »
المرسومة 04
أربعة سجلاّت، أربع درجات من المتانة — الفارق بين الصدى والتحليل
ليست للحجج المُستحضَرة ضدّ الاتفاقيات نفس المتانة المنطقية. يقارن الرسم القطبي، محوراً محوراً، بين شدّتها الانفعالية في النقاش العمومي وبين متانتها التحليلية الحقيقية. كلّما اتّسع الفارق بين المنحنيَين، ابتعد الجدل عن الجوهر.
الشدّة الانفعالية المتانة التحليلية الفارق (Δ)
المقارنة بالنفط
ذاكرة حيّة، منطق ضعيف
انفعال
95 %
تحليل
20 %
Δ 75 % — فارق أقصى
الامتيازات الجبائية
سؤال مشروع
انفعال
55 %
تحليل
65 %
Δ 10 % — توازن شبه تامّ
المحتوى المحلي
النقاش الحقيقي المحجوب
انفعال
40 %
تحليل
85 %
Δ 45 % — حجّة غير مستثمَرة
السيادة الرّمزية
كلمة-حاجب
انفعال
95 %
تحليل
30 %
Δ 65 % — تفاوت خطابي قوي
تحليل المذكرة؛ خرائط إعلامية لـالمداولات البرلمانية لشهر أفريل 2026.
IV

الواقع الاقتصادي الذي حجبه الخطاب السيادي

الأرقام الرسمية لوزارة الطاقة، التي أعاد البنك الدولي نشرها في برنامج TEREG، قاطعة. تراجع إنتاج الطاقة الأوّلية من 8,3 ملايين طنّ مكافئ نفط (م.ط.م.ن) سنة 2010 إلى نحو 3,4 م.ط.م.ن سنة 2025، في حين استقرّت الاستهلاكات حول 9,7 م.ط.م.ن9.

العجز الطاقي، الذي كان هامشياً في بداية سنوات 2000، يبلغ اليوم 65 %. لا تزال أكثر من 90 % من الكهرباء التونسية تُنتَج من الغاز الطبيعي، الذي يُستورَد جزءٌ كبير منه، أساساً عبر أنبوب الغاز TransMed من الجزائر10. سنة 2025، بلغ العجز التجاري الطاقي قرابة 11 مليار دينار؛ وتجاوزت الدعمُ المخصّص للمحروقات والكهرباء 7 مليارات دينار، أي مبلغاً يفوق الميزانيات المجمَّعة لعدّة وزارات سيادية.

المرسومة 05
الساعة الرّملية الطاقية التونسية
الإنتاج الأوّلي والاستهلاك، بملايين الأطنان المكافئة للنفط (م.ط.م.ن). خمسة عشر عاماً تكفي لقلب المعادلة.
شبه توازن
2010
الميزان الطاقي
الإنتاج 8,3 م.ط.م.ن
الاستهلاك 9,2 م.ط.م.ن
العجز ~10 %
عجز 65 %
2025
الميزان الطاقي
الإنتاج 3,4 م.ط.م.ن
الاستهلاك 9,7 م.ط.م.ن
العجز 65 %
خمسة عشر عامًا · الإنتاج −59 %
العجز التجاري الطاقي 2025: ~11 مليار دينار تونسي.
الدعم المخصّص للمحروقات والكهرباء: >7 مليارات دينار تونسي، يفوق الميزانيات المجمَّعة لعدّة وزارات سيادية.
المصدر: المرصد الوطني للطاقة والمناجم (ONEM)؛ الوكالة الدولية للطاقة، Tunisia Country Profile.
المرسومة 06
المعادلة الطاقية المقلوبة
هرم بمحورين: على اليسار، ما تنتجه تونس بنفسها؛ على اليمين، ما تستورده. تنتقل الكتلة، سنةً بعد سنة، من المجال الوطني إلى المجال الأجنبي.
▶ الإنتاج الوطني
▶ الواردات
2010
8,3
1,5
2013
7,0
2,7
2016
5,8
3,8
2019
4,7
5,0
2022
3,9
5,8
2025
3,4
6,3
المصدر: المرصد الوطني للطاقة والمناجم (ONEM)، الموازين الطاقية 2010-2025؛ الوكالة الدولية للطاقة.

في هذا التشكيل، فإنّ رفض مشاريع قادرة على إنتاج 1 500 جيغاواط ساعي سنوياً بكلفة 100-112 مليماً للكيلوواط ساعي سيؤدّي آلياً إلى إطالة تبعية أكثر كلفة وأكثر إنبعاثاً للكربون. السؤال الوجيه ليس إذن ما إذا كان يجب الانخراط في الطاقة الشمسية على نطاق واسع، بل بأي صيغ، وبأي شروط، وبأي شبكات حماية.

الهشاشة البنيوية للمتعامل التاريخي

علاوة على ذلك، تجمع STEG ثلاث نقاط ضعف يكفي كلٌّ منها لإبطال خيار التمويل العمومي الكامل للمشاريع. أسطولها الحراري المُتقادِم يستوجب تجديداً مكلفاً. مستحقاتها غير المُسدَّدة الضخمة — لاسيما من قبل مؤسسات عمومية كالمجمعات الحديدية والكيميائية — كانت محلّ عمليات جدولة متكرّرة. ودَينها يحوزه جزئياً الدولة نفسها، ممّا يخلق وضعاً دائرياً يكون فيه المَدين الرئيسي هو في الآن نفسه الوصي. أمّا الطلب من هذه الهيئة تمويل ما يعادل 1,64 مليار دينار من أموالها الذاتية أو عبر اقتراض سيادي للمشاريع الخمسة موضوع النقاش وحدها فسيتجاوز قدرات ميزانية المؤسسة. واللجوء إلى الـ IPP ليس بالتالي خياراً أيديولوجياً مؤيّداً للسوق: إنّه إكراه ميزاني تعترف به مجمل الجهات الممولة المرافقة للانتقال الطاقي التونسي.

البنية المالية متعدّدة الأطراف

في الأخير، صادق البنك الدولي في نوفمبر 2025 على برنامج بقيمة 430 مليون دولار مخصّص للتحوّل الطاقي التونسي، يُسمّى TEREG (Tunisia Energy Reform and Green Growth)، صُمّم صراحةً لتعبئة 2,8 مليار دولار من الاستثمار الخاص وإضافة 2,8 جيغاواط من الطاقة الشمسية والريحية بحلول 202811. ومنحت MIGA ضماناً شبه إنصاف بقيمة 23,5 مليون دولار لشركة AMEA Power لأوّل محطة شمسية كبرى خاصة في البلاد، بالقيروان12. ومَوّل البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير محطة Qair بالخبنة بقيمة 37 مليون يورو ويدرس قرضاً بقيمة 40 مليون يورو لـ STEG لمشروع شمسي مع تخزين13. هذه البنية المالية ليست تفصيلاً تقنياً: فهي تشترط ذات قابلية تنفيذ المشاريع، وتستوجب بنود التحكيم الدولي التي يندّد بها المنتقدون. العنصران يشكّلان منظومة؛ ولا يمكن فصلهما دون المساس بالمجموع.

المرسومة 07
البنية غير المرئية للتمويل
منشأ الرساميل المعبَّأة من أجل الانتقال الطاقي التونسي 2024-2028. تتقاطع التدفّقات نحو امتيازات الـ IPP ومشاريع الـ STEG؛ تستوجب الجهات الممولة متعدّدة الأطراف بنود التحكيم الدولي التي اعترض عليها الجدل السيادي.
المصادر · الممولون متعدّدو الأطراف
البنك الدولي — TEREG
430 مليون دولار
برنامج على 43 سنة · شروط ميسّرة. الهدف: 2,8 جيغاواط شمسية + ريحية بحلول 2028.
البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير
37 مليون يورو + 40 مليون يورو
Qair الخبنة (37 مليون يورو) · STEG شمسي + تخزين El-Medina (40 مليون يورو).
MIGA
23,5 مليون دولار
ضمان شبه إنصاف · AMEA Power، محطّة القيروان الشمسية (120 ميغاواط ذروي).
رساميل خاصة
المصادر · المستثمرون الخواص
المستثمرون الخواص — 5 IPP
1 640 مليون دينار تونسي
Scatec · AMEA Power · TAQA Power · Qair · آخرون. تمويل 25 سنة عبر PPA-STEG.
المستثمرون الخواص — مواقع أخرى
~300 مليون دولار
القيروان (AMEA)، تطاوين ومحطات أخرى في طور التطوير.
الوجهات
الوجهات · الشبكة والتصدير
الشبكة الكهربائية التونسية
~2 100 جيغاواط ساعي/سنة
إنتاج مضخوخ · تخفيض العجز الغازي مقدَّر بـ −13 %.
تصدير ELMED (صقلية)
600 ميغاواط · ~850 مليون يورو
كابل HVDC الملاّبي → بارتانا · الإدخال في الخدمة 2028-2030 · 307 ملايين يورو من الاتحاد الأوروبي (CEF).
للتنبيه: بنود التحكيم الدولي التي اعترض عليها السياديون هي شرط لا غنى عنه لتعبئة هذه التمويلات متعدّدة الأطراف. العنصران يشكّلان منظومة.
V

قياس ما يجري — الإمكانات الشمسية التونسية

لا يكتسي جدلٌ حول جنسية رأس المال معناه إلاّ مقارناً بقيمة المورد المعني. وبالتالي تستحقّ رتبة قدر المخزون الشمسي التونسي، التي نادراً ما يتمّ توضيحها في النقاش العمومي، أن تُطرح.

حسب Global Solar Atlas الذي طوّرته Solargis لمجموعة البنك الدولي، يتراوح الإشعاع الأفقي الشامل (GHI) في تونس من 1 800 ك.و.س/م²/سنة في الشمال الغربي إلى أكثر من 2 200 ك.و.س/م²/سنة في الجنوب — جهات توزر وقبلي وتطاوين — مع إشعاع مباشر عمودي (DNI) يتجاوز 2 400 ك.و.س/م²/سنة في الجنوب الصحراوي14. للمقارنة، تكتفي ألمانيا — التي قادت لفترة طويلة سباق الطاقة الكهروضوئية العالمي — بحوالي 1 200 ك.و.س/م²/سنة. وبالتالي فإنّ ميغاواطاً مركّباً في توزر يُنتج تقريباً 1,7 مرّة من الطاقة أكثر ممّا في ميونيخ مقابل استثمار أوّلي مماثل. وتستفيد تونس علاوة على ذلك من أكثر من 3 000 ساعة من السطوع الشمسي سنوياً، وهو من أفضل النسب في الحوض المتوسطي.

المرسومة 08
تونس مقابل العالم — ما يتلقّاه كلّ متر مربّع
الإشعاع الأفقي الشامل المتوسّط، بـ ك.و.س/م²/سنة. يتجاوز جنوب تونس بـ 80 % المعدّل الألماني، الذي قاد طويلاً سباق الطاقة الكهروضوئية العالمي.
تونس — الجنوب (توزر)
2 400
الإمارات العربية المتّحدة
2 350
مصر (بنبان)
2 300
المغرب (ورزازات)
2 200
تونس — المعدّل الوطني
2 000
إسبانيا
1 750
ألمانيا
1 300
المصدر: Global Solar Atlas (البنك الدولي و Solargis)، 2024. سلّم مشترك 0 → 2 500 ك.و.س/م²/سنة.
المرسومة 09
جغرافيا الوفرة
المواقع الخمسة الممنوحة على خلفية الإشعاع الشمسي. سيدي بوزيد وقفصة وقابس — ثلاث ولايات من الوسط الغربي والجنوب الشرقي حيث تكون الشمس أكثر سخاءً والتنمية أكثر تأخّراً.
الإشعاع الشمسي GHI (ك.و.س/م²/سنة)
1 8002 0002 2002 400+
الخبنة
سيدي بوزيد
100 ميغاواط
GHI ~2 000–2 100 ك.و.س/م²/سنة · منطقة الوسط الغربي
المزونة
سيدي بوزيد
100 ميغاواط
GHI ~2 050–2 150 ك.و.س/م²/سنة · منطقة الوسط الغربي
القصر
قفصة
100 ميغاواط
GHI ~2 100–2 200 ك.و.س/م²/سنة · الحوض المنجمي
سقدود
قفصة
100 ميغاواط
GHI ~2 100–2 200 ك.و.س/م²/سنة · الحوض المنجمي
منزل حبيب
قابس
200 ميغاواط ★
GHI ~2 150–2 250 ك.و.س/م²/سنة · أكبر محطة في المجموعة
إجمالي ما تمّ منحه: 600 ميغاواط · ~1 500 جيغاواط ساعي/سنة يتمّ ضخّها في الشبكة
التخفيض المقدَّر لفاتورة الغاز الوطنية: −13 %
3 ولايات من بين الأكثر حرماناً — سيدي بوزيد، قفصة، قابس

تُقدّر IRENA، في تقريرها Renewables Readiness Assessment: The Republic of Tunisia المنشور في 2021، الإمكانات التقنية الشمسية التونسية بعدة عشرات من الجيغاواط، أي رتبة قدر تفوق الاستهلاك الكهربائي الوطني في الذروة15. يُحدّد البنك الدولي، في بطاقته القُطرية حول الانتقال الطاقي التونسي، الإمكانات الشمسية والريحية مجتمعةً بحوالي 320 جيغاواط، مقارنةً بطلب ذروة وطني لا يتجاوز 5 جيغاواط16. عملياً، بتعبئة أقلّ من 1 % من الأراضي — عادةً على أراضٍ متدهورة في الجنوب — يمكن لتونس تقنياً تركيب طاقة إنتاجية تفوق ما يستطيع سوقها استيعابه.

هذا التفاوت هو الذي يفتح الأفق الاستراتيجي للتصدير. مشروع ELMED، الذي تقوده STEG ومتعامل تيرنا الإيطالي مشتركَين، يتوقّع وضع كابل HVDC بحري بقدرة 600 ميغاواط يربط الملاّبي (الوطن القبلي) ببارتانا (صقلية)، بكلفة إجمالية تُقدَّر بحوالي 850 مليون يورو، منها 307 ملايين مُمَوَّلة من الاتحاد الأوروبي عبر آلية الربط في أوروبا17. عقد توريد الكابل ذاته، المُسنَد لشركة Prysmian في أواخر 2025، يمثّل حوالي 532 مليون دولار. يُتوقَّع الإدخال في الخدمة في أفق 2028-2030. وأبعد من ذلك، تستهدف الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر التي اعتمدتها وزارة الصناعة والمناجم والطاقة جعل تونس مصدّراً صافياً لأكثر من 6 ملايين طنّ من الهيدروجين الأخضر سنوياً نحو الاتحاد الأوروبي بحلول 205018.

الرّهان الفعلي للاتفاقيات الخمس لشهر أفريل 2026 يتجاوز إذن التكملة الهامشية للمزيج الكهربائي. تشكّل هذه العقود الطّوبة الأولى القابلة للتحقّق من مسار يمكن، إذا أُدير بتمييز، أن يجعل من تونس أحد المصدّرين الكبار الثلاثة أو الأربعة للكهرباء النظيفة من الضّفة الجنوبية للمتوسّط بحلول 2040 — في نفس المرتبة مع المغرب ومصر، متقدّمةً على الجزائر وليبيا. هذا الأفق، وليس جنسية هذا المساهم أو ذاك في محطة بسيدي بوزيد، هو الذي كان يستحقّ احتلال النقاش البرلماني.

VI

أربع مقارنات إقليمية

لتقييم الخيار التونسي، يجدر وضعه في مشهد مقارَن. ثلاث حالات مجاورة تُضيء بالتباين قُوى وضعف النموذج الذي يتشكّل.

المغرب والمؤسّسة الاستراتيجية

اتّخذ المغرب، منذ 2010، خيار بنية مؤسّسية مخصّصة. حرّر القانون 13-09 إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجدّدة؛ في نفس السنة، أُحدثت الوكالة المغربية للطاقة المستدامة (MASEN) بوصفها مشترياً استراتيجياً متميّزاً عن المتعامل التاريخي ONEE19. تتفاوض MASEN على اتفاقيات شراء الكهرباء PPA، وتهيكل طلبات العروض، وتفرض نسب محتوى محلّي تصاعدية — انتقلت من 35 % إلى 60 % خلال الفترة 2013-2020 — وتحمل الخبرة التقنية الدائمة التي يستوجبها برنامج بعدّة جيغاواط. ومجمّع نور ورزازات (580 ميغاواط)، وإن تبيّن أنّه أكثر كلفة ممّا كان متوقّعاً بسبب اختيار تكنولوجيا الطاقة الشمسية المركَّزة، أثبت قدرة دولة جنوب-متوسّطية على هيكلة مشاريع معقّدة دون التخلّي عن القيادة. وتحوّل المغرب منذ ذلك الحين نحو الكهروضوئية والريحية، بتعريفات فائزة باتت تُقارَن بأفضل المستويات العالمية. أمّا تونس فلا تتوفّر، حتى اليوم، على معادل وظيفي لـ MASEN؛ ويُشكّل هذا الغياب على الأرجح العجز المؤسّسي الأكثر هيكلةً للملفّ.

مصر وأثر العنقدة

تجسّد مصر قوّة طلبات العروض المُمَعيرة على نطاق واسع. يضمّ مجمّع بنبان (1,5 جيغاواط، أُدخل في الخدمة سنة 2019) في موقع واحد 32 مطوّراً وأكثر من 40 محطة، مع بنية تحتية يتمّ تشاركها من قبل الدولة20. بتجميع الطلب وتشارك تكاليف الربط والخبرة التعاقدية، ضغطت مصر التكاليف الواحدية، واجتذبت منافسة شديدة، وخلقت أثر عنقدة صناعية يغذّي اليوم استراتيجيتها الخاصة بالهيدروجين الأخضر. وعلى العكس، تسير تونس بمشاريع معزولة يتمّ التفاوض عليها واحدةً واحدة — وهي طريقة تُبطئ الآجال وتمييع قوّة التفاوض وتمنع بروز منظومة.

الأردن وانضباط المزايدات

يوفّر الأردن البرهان الأكثر إقناعاً على فضيلة المزايدات العكسية المتكرّرة. حسب تحليلات الجهات الممولة التي رافقت البرنامج، استقرّ معدّل أفضل أربع تعريفات فائزة في الجولة الثانية بأكثر من 50 % تحت تعريفات الجولة الأولى21. بالانتقال منهجياً من التراضي إلى المزايدات التنافسية المتكرّرة، لم يضغط الأردن تكاليفه فحسب بل صاغ كذلك مصداقية تعاقدية باتت تجذب صناديق استثمار من الصفّ الأوّل. الآلية التونسية الحالية — امتيازات يتمّ التفاوض عليها حالةً بحالة ويتمّ المصادقة عليها بطريق تشريعي — هي نقيض هذا النموذج. وهي تُدخل سلطة تقديرية سياسية تغذّي، بشكل متناقض، الشكوك ذاتها التي غذّت الجدل السيادي في أفريل 2026.

المرسومة 10
أربعة مسارات، عقد من التأخّر
القدرة الشمسية المركَّبة المتراكمة، بالميغاواط، 2010-2025. لقد انطلق المغرب ومصر والأردن؛ أمّا تونس فتبدأ بالكاد سباقها، رغم توفّرها على أفضل مخزون.
المغرب مصر الأردن تونس
2010 · نقطة الانطلاق
المغرب
20 ميغاواط
مصر
15 ميغاواط
الأردن
1 ميغاواط
تونس
4 ميغاواط
شبه تكافؤ · جميعهم تحت 20 ميغاواط

2016 · أوّل تخلّف
المغرب
180 ميغاواط
مصر
80 ميغاواط
الأردن
290 ميغاواط
تونس
15 ميغاواط
الأردن في المقدمة · تونس تتخلّف منذ الآن

2019 · بنبان (مصر) يدخل الخدمة
المغرب
800 ميغاواط
مصر
1 400 ميغاواط
الأردن
1 100 ميغاواط
تونس
30 ميغاواط
فارق ×46 مع مصر · تأخّر بنيوي

2025 · حالة الأمكنة
المغرب
2 100 ميغاواط
مصر
2 200 ميغاواط
الأردن
1 900 ميغاواط
تونس
300 ميغاواط
فارق ×7 مع الجيران · عقد من التأخّر
المصادر: IRENA Capacity Statistics 2024؛ الوكالات الوطنية؛ البنك الإفريقي للتنمية.
VII

تقييم — ضرورة صناعية وعجز استراتيجي

تقييم الاتفاقيات الخمس لا يختزل في حكم ثنائي. فهو يستوجب الإمساك بشكل متزامن بثلاث مقولات قد تبدو متناقضة لكنّها في الواقع متدرّجة.

من وجهة نظر اقتصادية وطاقية محضة، فإنّ ضرورة المشاريع لا تثير جدلاً جدّياً. تقع التعريفة المُعلَنة بين 100 و112 مليماً للك.و.س ضمن مجال تنافسي — غير استثنائي، لكنّه مقبول لجولة أولى يتمّ التفاوض عليها خارج المزايدات العكسية وفي سياق علاوة مخاطر سيادية. وبالنظر إلى الكلفة الحدّية للكيلوواط ساعي التونسي الحالي — المنتَج في غالبيته من الغاز المستورد المقوَّم بالعملات — فإنّ هذه الاتفاقيات لا تشكّل تنازلاً للمستثمرين الأجانب: إنّها تشكّل أداة لتخفيض العجز الطاقي البنيوي.

من وجهة نظر استراتيجية، في المقابل، فإنّ الملاحظة أكثر تحفظاً. تأتي هذه العقود بعقد من التأخّر عن الجيران. سَنّ المغرب قانونه الإطار في 2010، وأطلقت مصر بنبان بين 2017 و2019، ونشر الأردن جولتين من المزايدات قبل 2018. أمّا تونس، التي تتوفّر موضوعياً على أفضل نسبة مخزون/قرب من السوق الأوروبية في كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خارج الصحراء الجزائرية، فهي توقّع أولى امتيازاتها الكهروضوئية الكبرى بين 2023 و2026، في وضعية تفاوضية ضعيفة: إلحاح ميزاني، ضغط ضمني للجهات الممولة، فقدان للمصداقية متراكم خلال الجولات المُجهَضة لسنوات 2017-2020. جزءٌ من هذا الفارق لا يمكن استرجاعه.

من وجهة نظر مؤسّسية أخيراً، فإنّ هذه الاتفاقيات أعراض لضعف الدولة الاستراتيجية. وبمخزون مماثل، يحصل المغرب على مردودية محلية أكبر، وتعبّئ مصر رأسمالاً مؤسّسياً ميسّراً أكبر، ويضغط الأردن التعريفات بشكل أكبر. توقّع تونس عقوداً دون أن تكون قد بَنت المنظومة الصناعية ولا فقه المزايدات اللذَين كانا يسمحان لها باستخراج المردودية القصوى منها. المرحلة التي تنفتح — أي مرحلة 1,7 جيغاواط الإضافية المُعلنة بالفعل و2,8 جيغاواط الإضافية التي يعتزم برنامج TEREG تمويلها بحلول 2028 — يجب أن تصحّح هذا الاختلال، وإلاّ فإنّ الانتقال الطاقي التونسي سيُعيد إنتاج نموذج معروف على الشمسية كالذي عرفه الفسفاط والغاز: استخراج للقيمة دون تكوين منظومة، ومداخيل تُلتقَط في المركز دون أن تتسلّل نحو الجهات المنتِجة.

VIII

أربعة عناصر غائبة عن النقاش

أربعة عناصر غائبة عن النقاش البرلماني تَهيكِل بصمتٍ الملفّ.

العنصر الأوّل: الرّزنامة الاقتصادية الكلية-المالية. تتفاوض تونس منذ أواخر 2024 حول إطار جديد للتعاون مع جهاتها الممولة الدولية. برنامج TEREG للبنك الدولي، المُصادَق عليه في نوفمبر 2025 بقيمة 430 مليون دولار على آجال استثنائية تبلغ 43 سنة، يحتوي على شرطيات ضمنية تتعلّق بفتح القطاع الطاقي وعقلنة الدعم23. رزنامة التصويت على الاتفاقيات الخمس، قبل أشهر قليلة من المراجعات المتوقّعة، لا تبدو بمحض الصدفة. هل كانت رئاسة الجمهورية في حاجة إلى إشارة انفتاح على الأسواق والجهات الممولة، مع الحفاظ على خطابها السيادي الداخلي؟ شكّل الإعفاء الوزاري الكلفة السياسية لهذا الاشتراط المزدوج.

العنصر الثاني: الجغرافيا السياسية للمحطات. المواقع الخمسة — الخبنة، المزونة، القصر، سقدود، منزل حبيب — جميعها واقعة في ولايات الوسط الغربي والجنوب الشرقي، أي في الجهات الأكثر تهميشاً من التنمية التونسية منذ الاستقلال. تبقى سيدي بوزيد الحارسة الرّمزية للتنزيل الجهوي منذ اندلاع الثورة في ديسمبر 2010. تركّز قفصة ذاكرة احتجاجات الحوض المنجمي لسنة 2008. قابس هي رمز الأضرار البيئية للمجمّع الكيميائي. اختيار هذه الولايات الثلاث لتركيز أوّل المحطات الكهروضوئية الكبرى، دون توضيح صريح مع استراتيجية للمردوديات المحلية، كاشفٌ مزدوجاً: للإمكانات الشمسية الحقيقية لهذه المناطق، لكن أيضاً للاهتمام غير الكافي المُولى، في هذه المرحلة، لمتطلّبات العدالة الترابية. وعند قراءة التقارير البرلمانية، لا تتضمّن أيّ من الاتفاقيات الخمس بنداً يُلزم المستثمر بحصّة عمل محلية ملزمة، أو بصندوق تنمية جهوي يتمّ تمويله من مداخيل الاستغلال، أو بمساهمة في رأس المال محجوزة للجماعات المحلية — وكلّها آليات موجودة في المغرب والشيلي (أتاوة منجمية جهوية) وتكساس (ريع ريحي مخصّص لمدارس المقاطعة).

العنصر الثالث: غياب النقاش التقني حول الشبكة. تُنتج محطة كهروضوئية حين يكون النهار؛ وذروة الاستهلاك التونسية باتت اليوم مزدوجة — نهارية في الصيف (التكييف) وليلية (الإنارة والطبخ). دون استثمار متوازٍ في التخزين بالبطاريات (BESS) أو الضخّ المائي (STEP) أو الربط الكهربائي، فإنّ ضخّ كميات كبيرة من الطاقة الشمسية المتقطّعة يمكن أن يزعزع شبكة هشّة من الأصل. ولهذا السبب بالذات يموّل البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، بالتوازي مع امتيازات الـ IPP، مشاريع STEG تجمع بين الشمسية والبطاريات — كمشروع El-Medina لـ 50 ميغاواطاً شمسياً مع تخزين، المدعوم بـ 40 مليون يورو24. لم يُثر أيّ نائب، لا في المعسكر السيادي ولا في معسكر المؤيّدين، هذه المسألة حقّاً خلال النقاش. تَركَّز الجدل على جنسية رأس المال، لا على فيزياء الشبكة.

العنصر الرابع: الصمت حول الاستهلاك الذاتي. يُتيح الإطار التونسي القائم، الموروث من قانون 2009-7 ومن قانون 2015-12، الإنتاج الذاتي اللاّمركزي بالضغط المنخفض والمتوسّط والعالي. يستهدف برنامج PROSOL Elec وامتداده PROSOL Elec Économique تجهيز عدّة عشرات الآلاف من المنازل. غير أنّ حصّة السكني والصناعة الصغيرة في المزيج الشمسي التونسي تبقى هامشية، في حين أنّها وحدها يمكن أن تغطّي جزءاً جوهرياً من حاجيات الذروة النهارية دون أيّ تنازل لمتعامل أجنبي. على هذا الميدان توجد السيادة الطاقية الموزّعة الحقيقية — كلّ سقف يتحوّل إلى أصل منتج، وكلّ أسرة إلى سيّد مصغّر — وهو بالضبط ما لم يتحدّث عنه قطّ منتقدو الاتفاقيات الخمس حقّاً.

IX

الخيار المضادّ — ما كان سيُتيحه تفاوض مُحسَّن

إذا كانت هذه الاتفاقيات الخمس، في الإطار الحالي، شراً لا بدّ منه، فيبقى مشروعاً التساؤل حول الخيار المضادّ. أربعة توجّهات مؤسّسية كانت دون شكّ قادرة على تغيير المعادلة.

الأوّل كان يتمثّل في إحداث مشترٍ استراتيجي متميّز عن متعامل الشبكة، على نموذج MASEN. وكالة تونسية للطاقات المتجدّدة، مزوّدة بفريق تقني دائم وبتفويض واضح وباستقلالية تشغيلية، كان من الممكن أن تهيكل طلبات عروض تنافسية مجمَّعة، وأن تتفاوض على اتفاقيات شراء كهرباء PPA معايَرة وأن تفرض بنود محتوى محلّي تصاعدية. وكانت الـ STEG، المعفاة من هذا الدور، ستركّز على الشبكة والتنسيق. الالتباس الحالي للأدوار — فالـ STEG هي في الآن نفسه متعاملٌ ومشترٍ ومموّلٌ جزئي وحَكَم في تقييم العروض — يشكّل عيباً بنيوياً يتعيّن على الموجة القادمة من الامتيازات تصحيحه.

الثاني كان يتمثّل في تعويض المصادقات التشريعية حالةً بحالة بآلية مزايدات عكسية متكرّرة. كانت الطريقة الأردنية — جولات متعاقبة بسقف تعريفي متناقص — ستسمح على الأرجح بالحصول على كيلوواط ساعية بـ 80-90 مليماً عوض 100-112، أي مكسبٌ من 10 إلى 15 % على 25 سنة. على 1,5 تيراواط ساعي سنوياً، يمثّل ذلك عدّة عشرات من ملايين الدنانير من المدّخرات المتراكمة لـ STEG، وبالتالي، على المدى البعيد، للدافع الضريبي التونسي.

الثالث كان يتمثّل في فرض محتوى محلّي تصاعدي وصندوق جهوي. بند يُلزم أصحاب الامتياز بإسناد ما لا يقلّ عن 30 % من قيمة EPC من الباطن إلى مؤسسات تونسية، وبتكوين حصّة من المهندسين والتقنيين المحليين، وبتغذية صندوق تنمية جهوي بنسبة 1 إلى 2 % من رقم المعاملات، كان سيحوّل هذه المشاريع إلى أدوات للتنمية الترابية. صمت الاتفاقيات الحالية حول هذه النقاط يُشكّل الزاوية المعتمة الكبرى للملفّ — وهي بالضبط الانتقادات التي كانت تستحقّ أن تُناقَش فعلاً.

الرابع كان يتمثّل في إرفاق كلّ امتياز كبير ببرنامج موازٍ للاستهلاك الذاتي اللاّمركزي والتخزين في نفس الولايات. هذا التوازن — امتياز على نطاق المرافق من جهة، استهلاك ذاتي جماهيري من جهة أخرى — كان سيُؤمّن الشبكة تقنياً وسيُحَيِّد سياسياً حجّة البيع بالخسارة، بإثبات أنّ كلّ ميغاواط مُمنوح يقابله ميغاواط موزَّع. وهو بالضبط الجمع الذي توصي به IRENA في Renewables Readiness Assessment منذ 202125.

X

ثلاثة محاور إصلاح

يجب ألاّ تُقرأ تسلسلية أفريل-ماي 2026 كنقطة نهاية بل كتحذير عملي. ثلاثة محاور يُجدر إجراؤها دون تأخير حتى لا تُعيد الجولات القادمة إنتاج نفس التشكيل.

المحور الأوّل ترتيبي ومؤسّسي. يجب مراجعة قانون 2015-12، المفيد في زمانه، لتوضيح الحوكمة، وفصل وظائف المتعامل والمنظِّم، وتزويد القطاع بهيئة تنظيم مستقلّة (نموذج ANRE المغربية أو EgyptERA)، وتقنين بنود اتفاقيات الشراء PPA النموذجية القابلة للولوج عمومياً. شفافية العقود — لا سرّيتها — هي الحماية الأفضل ضدّ شكوك التقدير الناقص. توفّر مؤشرات RISE التابعة لـ ESMAP خارطة طريق عملية مباشرة لتحديد العشرين إلى الثلاثين إصلاحاً ذات الأولوية26.

المحور الثاني صناعي واجتماعي. يجب بناء سياسة اندماج محلّي كآلية لا كشعار: عتبات دُنيا للمحتوى المحلي مُؤشَّرة على تقدّم المنظومة، وتمويل مراكز التكوين التقني (يمكن للمدرسة الوطنية للمهندسين بتونس، والمدرسة البوليتقنية بتونس، وشبكة المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية أن تحتضن مسارات مخصّصة)، وحوافز جبائية مستهدِفة للصناعة المحلية للعاكسات والهياكل الحاملة، وإذا بلغ السوق الحجم الحرج، لتجميع الألواح. المغرب والهند وتركيا جميعهم سلكوا هذا الطريق؛ ولم يندم أحد منهم على ذلك.

المحور الثالث جبائي وإعادة توزيعي. العدالة الاجتماعية، في هذا الملفّ، لا تُقَرَّر: بل تُمَوَّل. جزء من المداخيل التي تولّدها الامتيازات — بعنوان المعاليم العقارية والضرائب الخاصّة — يجب أن يغذّي صندوقاً جهوياً مخصّصاً للولايات المضيفة. هذه الآلية موجودة في الشيلي وتكساس والنرويج وألبرتا. بدونها، تخاطر المحطات الكهروضوئية بإعادة إنتاج جغرافيا القيمة التي غذّت الشعور بالتنزيل الجهوي منذ 2011 — والتي تشكّل، بشكل متناقض، المادّة القابلة للاشتعال الحقيقية التي حجبها الجدل السيادي بدل نزع فتيلها.

XI

ثلاثة معايير للعدالة الاجتماعية

تُقاس العدالة الاجتماعية، في الشمسية التونسية، بثلاث موازين ملموسة منع الجدل في أفريل 2026 من طرحها.

المعيار الأوّل هو التعريفة النهائية للمستهلك. إذا كانت الامتيازات تتيح فعلاً الإنتاج بـ 100-112 مليماً للك.و.س، فيجب على STEG أن تعكس هذا التخفيض — جزئياً على الأقلّ — على التعريفات السكنية وعلى الصناعات الكثيفة الاستهلاك للكهرباء التي تحمل التشغيل الرسمي للبلاد. إذا تمّ امتصاص المدّخرات بالكامل من قبل خدمة دَين STEG العمومي أو من قبل امتصاص الدعم، فإنّ الانتقال سيكون قد ولّد ريعاً دون مردودية اجتماعية. هذا الانعكاس يجب أن يكون مرتبطاً تعاقدياً بإدخال المحطات في الخدمة وأن تتمّ مراجعته علناً من قبل سلطة مستقلّة.

المعيار الثاني هو ولوج الأسر إلى الاستهلاك الذاتي. يشكّل برنامج PROSOL Elec Économique تقدّماً، غير أنّ هدفه — بضعة عشرات الآلاف من المنازل — يبقى هامشياً أمام ثلاثة ملايين من الأسر التونسية. مخطّط « مليون سقف شمسي » في أفق 2032، يتمّ تمويله من صندوق أخضر يجمع بين المساهمة العمومية والتمويل البنكي بفائدة مدعومة وتعبئة تحويلات الجالية، سيشكّل الدمقرطة الحقيقية للشمس: تلك التي تحوّل كلّ سقف إلى أصل منتج وكلّ فاتورة STEG إلى استثمار بدلاً من عبء.

المعيار الثالث هو الالتقاط الترابي للقيمة. يجب على البلديات المضيفة للمحطات أن تتلقى حصّة آلية من الأتاوى، في شكل منحة مشروطة بمشاريع استثمار محلية — الماء والصحة والتعليم والنقل. بدون هذه الآلية، سيكون الانتقال الطاقي قد عوّض ببساطة النفط والغاز بالشمس، مُعيداً إنتاج مخطّطات الالتقاط المركزي التي غذّت، منذ الاستقلال، الشعور بإقصاء الجهات الداخلية.

خاتمة

قُدِّم الجدل حول الاتفاقيات الكهروضوئية الخمس لسنة 2026 كنقاش حول السيادة؛ غير أنّه، في الواقع، حجب أسئلة الجوهر. لم يُكشَف عن أيّ فضيحة: أُخفيَت ضرورةٌ. ضرورة انتقال طاقي لا يستطيع البلد تمويله بمفرده، يتعيّن عليه إجراؤه مع شركاء دوليين، وكانت شروطه يمكن، قبل عشر سنوات، أن يتمّ التفاوض عليها في وضعية قوّة، وهو ما لم يعد الأمر كذلك اليوم بالنظر إلى حجم العجز الطاقي.

حسم تصويتُ يوم 28 أفريل على المدى القصير. سيتمّ رسمياً نشر 1,64 مليار دينار من الاستثمار. سيتمّ تركيب قرابة 600 ميغاواط من الطاقة الكهروضوئية في ثلاث ولايات من الجنوب والوسط. سيتمّ نظرياً ضخّ أكثر من 1 500 جيغاواط ساعي سنوياً في الشبكة، ممّا يخفض فاتورة الغاز الوطنية بحوالي 13 %. هذا المكسب ليس بالأمر الهيّن. لكن الرّهان الحقيقي يبدأ الآن. تحويل هذه الامتيازات إلى رافعة للتصنيع والتنمية الجهوية والدمقرطة الطاقية يُشكّل الاختبار الحاسم. وفي غياب ذلك، سيكون المنتقدون قد أصابوا جزئياً، رغم أنفهم ولأسباب خاطئة: لن تكون تونس قد استخرجت من شمسها كلّ المنفعة الممكنة — لا بفعل جنسية رأس المال، بل بفعل عجز في القيادة الاستراتيجية.

« لن يحسم أيّ تحكيم دولي هذا الاختيار مكان التونسيين. »

تبقى الإمكانات سليمة. ويعود الأمر منذ الآن للسلط العمومية التونسية — السلطة التنفيذية والبرلمان والإدارة والجماعات المحلية — لتقرير ما إذا كانت هذه الإمكانات ستُترجَم إلى مال عمومي منتج، مُدمقرَط حتى أسقف الأسر الأكثر تواضعاً ومُلتقَط بإنصاف من قبل المناطق التي تحتضنه، أم أنّها ستصبح، بسبب فرط الارتياب أو نقص المنهج، مجرّد مادّة أوّلية يتمّ التفاوض عليها بسرعة تحت ضغط العجز. لن يحسم أيّ تحكيم دولي هذا الاختيار مكان التونسيين.

الهوامش

  1. مجلس نواب الشعب، مشاريع القوانين عدد 01/2026 إلى 05/2026 المتعلّقة بالمصادقة على اتفاقيات الامتياز لإنتاج الكهرباء الكهروضوئية، الملفّات قابلة للاطلاع على البوّابة الرسمية لمجلس نواب الشعب، www.arp.tn (باب «مشاريع ومقترحات القوانين»). وفيما يخصّ المشروع عدد 005/2026 المتعلّق بمحطّة منزل حبيب، يُرجى الاطلاع خاصّةً على التقرير النهائي للجنة المختصّة ومشروع القانون (الوثيقتان 118860 و 116427).
  2. شركة Zenith Energy Ltd.، بلاغات رسمية ووثائق أحالتها الدولة التونسية بتاريخ 14 أفريل 2026، أتاحتها الشركة للعموم (منصّة IR Tools، irtools.co.uk) ؛ يُنظر كذلك التحليل التركيبي الذي نشرته صحيفة Business News، بقلم نزار بهلول، «Zenith Energy : كيف قادت عملية بيع نفط مثيرة للجدل إلى فضيحة دولة وإلى إقالة فجرية»، 30 أفريل 2026.
  3. Zenith Energy Africa Ltd. وZenith Overseas Assets Ltd. وCompagnie du Désert Ltd. ضدّ الجمهورية التونسية، القضية المعروضة على المركز الدولي لتسوية نزاعات الاستثمار (CIRDI) عدد ARB/23/18، الملفّ والأوامر الإجرائية متاحة على italaw.com وعلى Jus Mundi ؛ افتتاح جلسات الاستماع النهائية بواشنطن في 20 أفريل 2026.
  4. مختار العماري، مساهمات عمومية على مجموعة Economics for Tunisia (E4T)، أفريل 2026 ؛ منصّة التحقيق المستقلّ Ba7ath التي أسّسها معز الباي، تحليل تسلسلي اعتمادًا على مصادر مفتوحة، أفريل-ماي 2026.
  5. قضية ICC-2 المتعلّقة بامتياز سيدي الكيلاني، قرار صدر في جويلية 2025 لصالح الجمهورية التونسية ؛ طعن بالإلغاء رفعته شركة Zenith Energy أمام المحكمة الفيدرالية السويسرية، أواخر سنة 2025.
  6. ترد القدرات ومبالغ الاستثمار والإنتاجات المتوقّعة في التقارير النهائية للجان النيابية المختصّة بمجلس نواب الشعب فيما يخصّ كلًّا من المشاريع الخمسة، فضلًا عن البلاغات الرسمية لوزارة الصناعة والمناجم والطاقة الصادرة إثر التصويت.
  7. البوّابة الرسمية لمجلس نواب الشعب، www.arp.tn. كسابقة مماثلة نُشرت بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، يُنظر المرسوم عدد 2021-20 المؤرّخ في 22 ديسمبر 2021 المتعلّق بالمصادقة على اتفاقية امتياز إنتاج الكهرباء بـبرج بورقيبة، الرائد الرسمي عدد 118 بتاريخ 24 ديسمبر 2021.
  8. القانون عدد 2015-12 المؤرّخ في 11 ماي 2015 المتعلّق بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجدّدة، الرائد الرسمي، والأمر التطبيقي عدد 2016-1123 المؤرّخ في 24 أوت 2016. للاطلاع على تحليل قانوني مفصّل، يُنظر مكتب Bird & Bird، «النظام القانوني التونسي لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجدّدة»، Africa Newsletter، جوان 2017.
  9. المرسوم عدد 2021-20 المؤرّخ في 22 ديسمبر 2021، الرائد الرسمي عدد 118، يمكن الاطلاع عليه عبر قاعدة ESMAP/RISE وعبر البوّابة الوطنية للمعلومة العلمية والتقنية بتونس (PIST).
  10. وزارة الاقتصاد والتخطيط، جلسة استماع أمام المجلس الوطني للجهات والأقاليم، 4 ماي 2026 ؛ تصريحات نقلتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء (TAP).
  11. كتابة الدولة المكلّفة بالانتقال الطاقي، الجلسات نفسها، 4 ماي 2026 ؛ أرقام مؤكَّدة في التقارير النيابية للمشاريع من 01/2026 إلى 05/2026.
  12. الوكالة الدولية للطاقات المتجدّدة، Renewable Power Generation Costs in 2024، IRENA، جويلية 2025.
  13. مجموعة البنك الدولي، برنامج الإصلاح الطاقي والنموّ الأخضر بتونس (TEREG) — وثيقة معلومات المشروع، نوفمبر 2025 ؛ وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، الظرفية الطاقية — أكتوبر 2025، المرصد الوطني للطاقة والمناجم (ONEM).
  14. الوكالة الدولية للطاقة، بطاقة قُطرية حول تونس، IEA، تحيين 2024، www.iea.org/countries/tunisia.
  15. البنك الدولي، «البنك الدولي يصادق على مشروع جديد لدعم التحوّل الطاقي بتونس»، بلاغ بتاريخ 11 نوفمبر 2025 ؛ خزانة البنك الدولي، تونس تحصل على قرض بقيمة 430 مليون دولار أمريكي لتحديث القطاع الطاقي، نوفمبر 2025.
  16. الوكالة متعدّدة الأطراف لضمان الاستثمار، محطّة القيروان الشمسية — موجز المشروع (MIGA-15214)، www.miga.org ؛ شركة AMEA Power، AMEA Power تدشّن مشروعًا مرجعيًّا للطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 120 ميغاواط ذروة بالقيروان، تونس، بلاغ بتاريخ 16 ديسمبر 2025.
  17. البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بطاقتا مشروعَيْ Qair El Khobna Solar وSolar PV, BESS and Energy Evacuation – STEG، www.ebrd.com/work-with-us/projects.
  18. مؤسّسة Solargis والبنك الدولي، أطلس الشمس العالمي 2.0 — البطاقة القُطرية لتونس، globalsolaratlas.info ؛ الوكالة الوطنية للتحكّم في الطاقة (ANME)، تقييم المورد الكهروضوئي الشمسي، 2023.
  19. الوكالة الدولية للطاقات المتجدّدة، تقييم الجاهزية للطاقات المتجدّدة : الجمهورية التونسية، IRENA، جوان 2021.
  20. مجموعة البنك الدولي، إنتاج طاقي أخضر وفي المتناول وقابل للاستدامة بتونس — موجز TERI، www.worldbank.org/en/programs/teri.
  21. مشروع ELMED، بطاقة فنّية رسمية، elmedproject.com ؛ المفوّضية الأوروبية، نتائج طلب العروض الخاصّ بمرفق ربط أوروبا — الطاقة 2022 ؛ بلاغات شركتَيْ Terna و STEG، 2024-2025.
  22. وزارة الصناعة والمناجم والطاقة بالجمهورية التونسية، الاستراتيجية الوطنية لتطوير الهيدروجين الأخضر ومشتقّاته بتونس، مارس 2025.
  23. المملكة المغربية، القانون عدد 13-09 المتعلّق بالطاقات المتجدّدة، الجريدة الرسمية، 2010 ؛ الوكالة المغربية للطاقة المستدامة (MASEN)، التقارير السنوية 2014-2024.
  24. مؤسّسة التمويل الدولية، حديقة شمسية جديدة تُسلّط الضوء على الإمكانيات الطاقية لمصر ؛ البنك الإفريقي للتنمية، بطاقة نجاح مصر : بنبان، نموذج لإنتاج الطاقة النظيفة في إفريقيا، 2023.
  25. البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، استراتيجية الأردن للطاقة المستدامة ؛ تحاليل نشرتها مجلّة Renewable Energy Magazine، نتائج الجولة الثانية لطلب العروض الأردني الخاصّ بمنتجي الطاقة الشمسية المستقلّين، ماي 2015.
  26. المفوّضية للطاقات المتجدّدة والنجاعة الطاقية (CEREFE)، تقرير حول الانتقال الطاقي بالجزائر، 2020 وما تلاه من إصدارات ؛ تحاليل نشرها مركز تطوير الطاقات المتجدّدة (CDER).
  27. البنك الدولي، وثيقة برنامج TEREG، نوفمبر 2025، projects.worldbank.org.
  28. البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بطاقة مشروع El-Medina Solar PV with BESS – STEG، مارس 2026.
  29. IRENA، تقييم الجاهزية للطاقات المتجدّدة : الجمهورية التونسية، مرجع سابق، الفصلان 4 و 5.
  30. ESMAP / البنك الدولي، المؤشّرات التنظيمية للطاقة المستدامة (RISE) — البطاقة القُطرية لتونس، طبعتا 2022 و 2024.

الشمس كرهينة: السيادة، اتفاقيات إنتاج الكهرباء والعجز الاستراتيجي

مذكرة تحليلية · تونس · ماي 2026 الشمس كرهينة.السيادة، اتفاقيات إنتاج الكهرباء والعجز الاستراتيجي تشريح جدلٍ برلماني وتصوير إشعاعي لاختيار طاقي. مذكرة تحليلية معمّقة حول الامتيازات الكهروضوئية الخمسة لشهر أفريل…

Read more

الجزائر–المغرب: مركزيتان استراتيجيتان وهشاشتان

الجزائر–المغرب: مركزيتان استراتيجيتان وهشاشتان PNT · المغرب الاستراتيجي · الجزائر–المغرب: مركزيتان استراتيجيتان وهشاشتان يكتسب المغرب مركزيته من الاتصال؛ فيما تستمد الجزائر مركزيتها من القدرة على الاحتفاظ، وعلى إبقاء المسافة، وعلى…

Read more

الممرات الغازية الأورومتوسطية والأمن الطاقي: إعادة التشكّل الجيوسياسي

تحليل جيوسياسي · ممرّات الغاز · المتوسّط الأوسط الممرّات الغازيّة الأورومتوسّطية والأمن الطاقي إعادة تشكيل جيوسياسيّة وتشابك غير متناظر للتبعيّات حول الجزائر وتونس. الكاتبعلي الكعلي البرنامجالأمن الطاقي الصيغةمذكّرة سياسات مدّة…

Read more

التدبّر في التحولات وقيادتها: ما هي المؤشرات الاستراتيجية؟

Policy Brief · PNT قياس التحوّلات لإعادة بناء الاستراتيجية نحو أجندة مؤشّرات حرجة للتفكير في التحوّلات النظامية لدول الجنوب وقيادتها وتسييسها. ProgrammeStrategic Dashboard Formatمذكّرة سياسات Reading١٢ دقيقة LanguageAR · FR…

Read more