شبكة السياسات
لدراسة التحولات
شبكة تعددية تضم باحثين ومهنيين وفاعلين في السياسات العامة، ملتزمة بالتفكير الاستراتيجي بعيد المدى، عبر التخصصات والحدود.
أُسِّست شبكة السياسات لدراسة التحولات (PNT) استجابةً لتحوّل عميق يُعيد رسم ملامح شمال أفريقيا والنظام الدولي. فعلى مدار العقد الماضي، شهدت المنطقة تقاطع جملة من التحديات الهيكلية التي أعادت تعريف الشروط التي تعمل في ظلّها الدول والمجتمعات. فلم يعد تغيّر المناخ، والتحولات الديموغرافية، والانتقال الطاقوي، والتشرذم الجيوسياسي، والاضطرابات التكنولوجية، وصعود الشعبوية، مجرد اتجاهات بعيدة؛ بل باتت حقائق معاشة تُشكّل الخيارات السياسية والمسارات الاقتصادية.
كشفت تجربة الانتفاضات العربية عن عمق التطلعات الشعبية إلى التغيير، وهشاشة البنى السياسية والاقتصادية والمؤسسية المفترض أن تستوعب هذه التطلعات. وإذا كان كثير من الاهتمام قد انصبّ على التراجع الديمقراطي واستعادة السلطوية، فإن أبرز ما خلّفته هذه المرحلة هو تآكل الاستقلالية الاستراتيجية. فقد عانت دول عديدة في تحديد رؤى بعيدة المدى، واكتفت بإدارة الأزمات آنياً، أو اللجوء إلى الدعم الخارجي، أو الحلول التكنوقراطية الضيّقة.
وقد تفاقمت هذه التحديات مع دخول النظام الدولي ذاته مرحلة انتقال. فتشرذم العولمة، وصعود القوى الإقليمية، والترابط المتصاعد بين المناخ والأمن والتنمية — كل ذلك ضيّق هامش المناورة السياسية وزاد من حدة عدم اليقين. في هذا السياق، لم يعد التفاعل مع الأزمات وحده كافياً. فالتفكير الاستراتيجي بات ضرورة لا خيار.
تنهض شبكة السياسات لدراسة التحولات على قناعة راسخة بأن التحولات ليست خيارات مفروضة، بل تحديات لا مناص منها. فالسؤال المحوري الذي تواجهه المجتمعات شمال أفريقيا اليوم ليس: هل ستحدث التحولات؟ بل: هل تمتلك الدول والمجتمعات القدرة الاستراتيجية على إدارتها — من خلال تحديد الأولويات، وإدارة المقايضات، وصياغة مسارات بعيدة المدى تنسجم مع واقعها الاجتماعي والسياسي؟
شمال أفريقيا بوصفها فضاءً استراتيجياً
تستند شبكة السياسات لدراسة التحولات إلى خبرة واسعة في شمال أفريقيا، مستخدمةً المنطقة عدسةً لمقاربة تحديات عابرة للحدود، تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. وتنظر إلى شمال أفريقيا لا بوصفها مجموعة من الحالات الوطنية المعزولة، بل فضاءً استراتيجياً تشكّله تواريخ مشتركة، وتشابكات عميقة، وهشاشات مشتركة. وتحتل المنطقة موقعاً محورياً عند تقاطع الديناميكيات الأفريقية والأوروبية، يهيكلها تدفق الطاقة والتجارة والهجرة ورأس المال والمخاوف الأمنية والأفكار.
تتقاطع في شمال أفريقيا التحولات الطاقوية الأوروبية، والتحوّل الديموغرافي الأفريقي، وإعادة هيكلة سلاسل القيمة العالمية، وتطوّر الأنظمة المتعلقة بالهجرة والأمن. تُولّد هذه الديناميكيات قيوداً وفرصاً في آنٍ معاً لا يستطيع أي بلد في المنطقة مواجهتها بمفرده. وقد باتت الاستجابات الوطنية المجزأة عاجزة بشكل متزايد عن مجابهة تحديات ذات طابع إقليمي وعابر للحدود بطبيعتها.
إن استيعاب شمال أفريقيا بوصفها فضاءً استراتيجياً يستلزم منظوراً إقليمياً يُقرّ بالترابط، بينما يتعامل بجدية مع قضايا السيادة والتنمية والتموضع الجماعي في عالم متحوّل. كما يستلزم تجاوز المقاربات القطاعية لاستيعاب مدى التشابك العميق بين السياسات المناخية والتحولات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والاستراتيجية الجيوسياسية.
تسعى شبكة السياسات لدراسة التحولات إلى المساهمة في هذا التفكير الإقليمي عبر تعزيز الحوار العابر للحدود، والبحث المقارن، وشبكات الفاعلين القادرين على التفكير الجماعي في مكانة شمال أفريقيا في العالم. ومن خلال ربط المنظورات القادمة من شمال أفريقيا وأوروبا وسائر القارة الأفريقية، تسعى الشبكة إلى تعزيز فهم أكثر تكاملاً للتحديات والفرص التي تواجهها المنطقة.
شبكة للتفكير الاستراتيجي
شبكة السياسات لدراسة التحولات شبكة تعددية بالتصميم. تجمع باحثين ومهنيين وفاعلين في الشأن العام، ملتزمين بالتفكير الاستراتيجي بعيد المدى، عبر التخصصات والحدود. فالشبكة ليست مركز أبحاث قطاعياً، ولا مكتب استشارات، ولا منظمة سياسية. دورها هو احتضان التفكير الاستراتيجي وهيكلته حول التحولات المتعددة التي تُعيد تشكيل شمال أفريقيا.
بدلاً من تقديم حلول جاهزة أو مخططات تقنية مسبقة، تسعى الشبكة إلى إعادة السياسي إلى النقاشات التقنية. وهي تُشجع على مواجهة جدية مع المقايضات وتسلسل الإصلاحات والخيارات بعيدة المدى، وتهدف إلى تعزيز القدرات الاستراتيجية داخل المجتمعات والمؤسسات.
بتوجيه من قيم الحرية والعدالة والمساءلة والسيادة الشعبية، تطمح شبكة السياسات لدراسة التحولات إلى المساهمة في إعادة بناء التفكير الاستراتيجي في منطقة لم تعد تستطيع تحمّل غيابه. في عصر تحدده المتغيّرات والترابط والتحولات المتسارعة، لا تعدّ القدرة على التفكير الاستراتيجي أمراً اختيارياً — بل إنها ضرورة حتمية.
في عصر تحدده المتغيّرات والترابط والتحولات المتسارعة، لا تعدّ القدرة على التفكير الاستراتيجي أمراً اختيارياً — بل إنها ضرورة حتمية.