الممرات الغازية الأورومتوسطية والأمن الطاقي: إعادة التشكّل الجيوسياسي

تحليل جيوسياسي · ممرّات الغاز · المتوسّط الأوسط

الممرّات الغازيّة الأورومتوسّطية والأمن الطاقي

إعادة تشكيل جيوسياسيّة وتشابك غير متناظر للتبعيّات حول الجزائر وتونس.

الكاتبعلي الكعلي
البرنامجالأمن الطاقي
الصيغةمذكّرة سياسات
مدّة القراءة18 دقيقة
النشر11 أفريل 2026
ملخّص

يحلّل هذا النصّ إعادة تشكيل الممرّات الغازيّة الأورومتوسّطية في أعقاب الأزمتين الطاقيتين لسنتَي 2022 و2026، اللّتين أضعفتا النموذج الأوروبي القائم على التنويع وعزّزتا مركزيّة المورّدين القريبين. وفي هذا السياق، تفرض الجزائر نفسها فاعلًا استراتيجيًّا رئيسيًّا بفضل موثوقيّتها وبنيتها التحتيّة، رغم القيود الداخليّة المتعلّقة بالطلب المحلّي وبقدرات التصدير. تُبرز الدراسة دور البنى التحتيّة بوصفها أدوات سلطة تُهيكل تبعيّات غير متناظرة، لا سيّما عبر أنبوب الغاز ترانسميد، الذي يمنح تونس أهمّيّة استراتيجيّة دون استقلاليّة طاقيّة فعليّة. كما تُبيّن أنّ «أثر الغاز» يُنتج ديناميكيّات متباينة: توتّرًا بين الإنتاج والاستهلاك في الجزائر، وهشاشةً بنيويّة في تونس، وإعادةَ تعريف للتبعيّات في أوروبا. وأخيرًا، تُؤكّد أنّ الأمن الطاقي الأوروبي بات يستند إلى مرونة الممرّات، ما يُكرّس المتوسّط الأوسط فضاءً استراتيجيًّا مفصليًّا.

منذ نهاية الحرب الباردة، تشكّل الأمن الطاقي الأوروبي تدريجيًّا حول حتميّة مزدوجة: تنويع مصادر التزوّد وتحرير الأسواق الطاقيّة. وقد أعاد هذا النموذج، الذي ظلّ طويلًا قائمًا على مزيج من الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال المعولم، النظر فيه بعمق مع اندلاع الحرب في أوكرانيا سنة 2022. فالتقليص الجذري للتدفّقات الروسيّة أرغم الاتّحاد الأوروبي على إعادة نشر استراتيجيّاته الإمداديّة بشكل عاجل، كاشفًا هشاشة تبعيّة مفرطة لمورّد مهيمن.

وتُمثّل أزمة الشرق الأوسط سنة 2026 صدمةً ثانية، مغايرة في طبيعتها لكن مكمّلة. ففي حين كشفت الأزمة الأوكرانيّة عن المخاطر السياسيّة المرتبطة بتبعيّة ثنائيّة، تُبرز أزمة 2026 الهشاشات البنيويّة للطرق البحريّة المعولمة. ويعود مضيق هرمز، الذي يعبره جزء معتبر من الغاز المسال العالمي، نقطةَ توتّر استراتيجيّة، مؤثّرًا مباشرة في تكوّن الأسعار وفي توافر الكمّيّات على الأسواق الدوليّة.

في هذا السياق، يستعيد مفهوم «القرب الطاقي» مركزيّته التحليليّة. فالمورّدون القادرون على نقل الغاز عبر بنى تحتيّة برّيّة أو تحت بحريّة آمنة نسبيًّا يكتسبون ميزة تنافسيّة حاسمة. وتنخرط الجزائر كلّيًّا في هذه الديناميكيّة. فبوصفها مورّدًا تاريخيًّا لجنوب أوروبا، تجمع بين القرب الجغرافي والبنى التحتيّة القائمة واستمراريّة التدفّقات.

وتُشكّل هذه الاستمراريّة عنصرًا مركزيًّا في مصداقيّتها. إذ لم تنقطع صادرات الغاز الجزائري إلى أوروبا قطّ، بما في ذلك خلال الحرب الأهليّة في تسعينيّات القرن العشرين، ما يميّز الجزائر عن العديد من المنتجين الآخرين المعرّضين لانقطاعات سياسيّة أو أمنيّة. وتُسهم هذه الموثوقيّة في تعزيز مكانتها شريكًا استراتيجيًّا في بيئة دوليّة موسومة بعدم اليقين.

غير أنّ هذه المركزيّة تقترن بقيود مهمّة. فقدرة الجزائر على رفع صادراتها محدودة بعوامل بنيويّة، أبرزها النموّ السريع للطلب الداخلي والتشبّع النسبي للبنى التحتيّة القائمة. وفضلًا عن ذلك، تحتلّ تونس، بوصفها بلد عبور ومستوردًا صافيًا للطاقة، موقعًا محوريًّا يجمع بين التبعيّة والأهمّيّة الاستراتيجيّة.


الجزء الأوّل

تتابع جديد ضمن تاريخ طويل

لا تُمثّل أزمة 2026 قطيعة جذريّة، بل تسارعًا لديناميكيّات قائمة منذ عقود.

لا تُمثّل أزمة 2026 قطيعة جذريّة، بل تسارعًا لديناميكيّات قائمة منذ عقود. فهي تكشف استمرار جغرافيا طاقيّة شكّلتها بنى تحتيّة موروثة عن المرحلة ما بعد الاستعماريّة، تكرّست خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

ويُفسَّر تجدّد أهمّيّة المورّدين القريبين إلى حدّ بعيد بتقلّب أسواق الغاز المسال المتزايد. فأسعار التداول الفوري، شديدة الاعتماد على الظروف الجيوسياسيّة والمناخيّة، عرفت تذبذبات مهمّة منذ 2022، ما عزّز الاهتمام بإمدادات أكثر استقرارًا عبر الأنابيب. وفي هذا الإطار، تستفيد الجزائر من «علاوة استقرار» تستند إلى عوامل جغرافيّة وتاريخيّة في آن.

وتتعزّز هذه العلاوة ببنية العقود الغازيّة ذاتها. فعلى خلاف الغاز المسال، الذي يُتداول كثيرًا في الأسواق الفوريّة أو القصيرة المدى، تظلّ الصادرات عبر الأنابيب مستندة إلى حدّ بعيد إلى عقود طويلة الأمد، تُتيح قابليّة أكبر للتنبّؤ بالتدفّقات والأسعار. ويُسهم هذا البُعد التعاقدي في استقرار العلاقات الطاقيّة الأوروأطلسيّة الجزائريّة.

بزوغ شريك استراتيجي

يعود بزوغ الجزائر مورّدًا طاقيًّا رئيسيًّا لأوروبا إلى الصدمات النفطيّة في سبعينيّات القرن العشرين. فقد دفعت تلك الأزمات الدول الأوروبيّة إلى تنويع مصادر طاقتها والاستثمار في البنى التحتيّة الغازيّة. وسرعان ما فرضت الجزائر، بفضل احتياطاتها الكبيرة وقربها الجغرافي الملائم، نفسها شريكًا استراتيجيًّا.

يُشكّل دخول أنبوب الغاز ترانسميد حيّز الخدمة سنة 1983 لحظة تأسيسيّة. فهذه البنية التحتيّة، التي تربط الجزائر بإيطاليا عبر تونس، أوجدت تشابكًا دائمًا بين البلدان الثلاثة. كما أسهمت في هيكلة فضاء طاقي أورومتوسّطي يتميّز بتدفّقات مستقرّة نسبيًّا.

وشكّلت تسعينيّات القرن العشرين اختبارًا كبيرًا لهذه البنية. فرغم الحرب الأهليّة، استمرّت الصادرات الجزائريّة، ما عزّز الإدراك بموثوقيّة البلاد. وكان لهذه الاستمراريّة آثار دائمة في ثقة الشركاء الأوروبيّين.

ومنذ مطلع الألفيّة الثانية، تواصلت عمليّة تنويع البنى التحتيّة بدخول أنبوب ميدغاز حيّز الخدمة وتطوير الغاز المسال. غير أنّ هذه التطوّرات لم تُعِد النظر في مركزيّة الأنابيب. بل أسهمت، على العكس، في تعزيز مرونة المنظومة الجزائريّة.

ومنذ 2022، أعطت إعادة تشكيل التدفّقات الأوروبيّة هذه البنى التحتيّة أهمّيّة استراتيجيّة متجدّدة. غير أنّ حدود النموذج تبدو واضحة. فالإنتاج الجزائري، المقدَّر بين 95 و105 مليارات م³، يُعاني من قيد استهلاك داخلي في نموّ قوي يستوعب نحو نصف الكمّيّات. ويُقلّص هذا الوضع هوامش التصدير، ويحدّ من القدرة على الاستجابة لطلب أوروبي متصاعد. ويُمثّل تطوير الغاز الصخري أفقًا مهمًّا لكنّه غير مؤكّد.

Dataviz · 01

أثر المزاحمة الداخلي الجزائري

الإنتاج الوطني، الاستهلاك المحلّي، وزن الغاز في المزيج الكهربائي، وأفق توسيع القدرات.

الإنتاج الوطني
0مليار م³
تقدير مركزي ضمن مجال يتراوح بين 95 و105 مليارات م³
قاعدة مرجعيّة
الاستهلاك المحلّي
0مليار م³
يستوعب نحو نصف الإنتاج عبر السوق الداخليّة
≈ 45–55 مليار م³
المزيج الكهربائي الجزائري
0٪
الحصّة المقدَّرة للغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء
تبعيّة شبه كاملة
هدف سوناطراك
0مليار م³
الهدف الأعلى المعلن في أفق 2030
المستهدف 130–140 مليار م³
توليفة بصريّة مُعدّة انطلاقًا من المعطيات الكمّيّة الواردة صراحةً في النصّ المصدر.

الجزء الثاني

البنى التحتيّة بوصفها هندسة للسلطة

لا تنقل الأنابيب الغازَ فحسب، بل تُنظّم التشابكات وتوزّع المواقع وتُثبّت موازين القوى.

تحتلّ البنى التحتيّة الغازيّة موقعًا مركزيًّا في هيكلة علاقات السلطة المعاصرة. فبعيدًا من كونها مجرّد أجهزة تقنيّة لنقل الموارد الطاقيّة، تُشكّل أدوات استراتيجيّة تُنظّم تشابكات دائمة بين الدول. وبتثبيتها لمسارات التدفّقات، ترسم جغرافيا سياسيّة للطاقة يرتبط فيها المنتجون ودول العبور والمستهلكون بعلاقات غير متناظرة، يصعب في الغالب إعادة تشكيلها على المدى القصير.

من هذا المنظور، يمكن إدراك الأنابيب بوصفها «بنى تحتيّة قسريّة» تُبلور الخيارات الجيوسياسيّة في المكان والزمان. فطابعها الرأسمالي وتجذّرها الترابي وعمرها الافتراضي الطويل تَحُدّ من مرونة الفاعلين وتعزّز منطق التبعيّة المتبادلة. وعلى خلاف الغاز المسال، الذي يُتيح قدرًا من السلاسة والقدرة على إعادة توجيه التدفّقات، تُرسي الأنابيب العلاقات الطاقيّة في تكوينات صلبة نسبيًّا، تُنتج آثار «إغلاق» على المدى البعيد.

ويُجسّد أنبوب الغاز ترانسميد هذا المنطق على نحو خاصّ. فبربطه حقول الغاز الجزائريّة في حاسي الرمل بالسوق الإيطاليّة عبر تونس، يُؤسّس تشابكًا ثلاثيًّا يتجاوز كثيرًا البُعد الطاقي وحده. ولا تكتفي هذه البنية التحتيّة بنقل الغاز: بل تُنظّم فضاءً علائقيًّا مهيكلًا بين الجزائر العاصمة وتونس وروما، يحتلّ فيه كلّ فاعل موقعًا محدّدًا. فتظهر الجزائر مورّدًا رئيسيًّا، وإيطاليا منفذًا استراتيجيًّا، وتونس حلقة وسيطة لا غنى عنها.

في هذا الجهاز، تكتسب تونس أهمّيّة استراتيجيّة تُعوّض جزئيًّا هشاشتها الطاقيّة البنيويّة. فبوصفها بلد عبور، تستفيد من ريع المرور ومن وصول مميّز إلى جزء من الغاز المنقول. وتمنحها هذه المكانة رافعة سياسيّة لا يُستهان بها، نظرًا إلى أنّ استمراريّة التدفّقات تتوقّف على استقرار ترابها وبنيتها التحتيّة. غير أنّ هذه المركزيّة تظلّ مؤطَّرة بحدود بنيويّة كبيرة.

إذ بخلاف مركز غازي حقيقي، لا تتوفّر تونس على قدرات تخزين معتبرة، ولا على بنى تحتيّة تُتيح لها إعادة توزيع الغاز أو تسويقه على نطاق واسع. ويظلّ دورها أساسًا دور ممرّ عبور، ما يُقيّد بشدّة استقلاليّتها الاستراتيجيّة. أي إنّها وإن كانت تُشارك في سلسلة القيمة الطاقيّة، فهي لا تتحكّم في أكثر حلقاتها حسمًا. ويُجسّد هذا الوضع شكلًا من الاندماج التابع في المنظومة الطاقيّة الإقليميّة.

وفضلًا عن ذلك، يُعزّز التكوين ذاته للبنى التحتيّة عدم تناظر جوهري بين الفاعلين. فإذا كانت تونس لا غنى عنها للعبور، فإنّ الجزائر تحتفظ بالتحكّم في الكمّيّات المُصدَّرة وفي الشروط التعاقديّة، في حين تتمتّع إيطاليا بقوّة شرائيّة هيكليّة بوصفها الزبون الرئيسي. ويُؤكّد هذا التوزيع للأدوار أنّ البنى التحتيّة، بعيدًا من إنتاج تشابك متناظر، تَنزع إلى استنساخ علاقات قوّة متمايزة وتثبيتها.

وتُمثّل مسألة تشبّع البنى التحتيّة عنصرًا حاسمًا آخر في تحليل هذه الهندسة السلطويّة. فأنبوب ميدغاز، الذي يربط الجزائر مباشرة بإسبانيا، يعمل اليوم بمستويات قريبة من قدرته القصوى، في حين لا يتوفّر ترانسميد على هوامش توسّع تُذكر على المدى القصير. ويُقلّص هذا القيد المادّي قدرة الجزائر على رفع صادراتها بسرعة، رغم تصاعد الطلب الأوروبي منذ 2022.

ويُسلّط هذا الوضع الضوء على بُعد كثيرًا ما يُستخفّ به في الجيوسياسة الطاقيّة: القيد البنيوي التحتي. فحتّى حين تتوفّر الموارد، تتوقّف قابليّة تثمينها على القدرة على نقلها. وفي غياب بنى تحتيّة جديدة أو استثمارات معتبرة في توسيع القدرات القائمة، تظلّ هوامش مناورة المنتجين محدودة. وفي الحالة الجزائريّة، يقترن هذا القيد بنموّ الطلب الداخلي، ما يُعزّز التوتّرات بين الاستهلاك الداخلي والتصدير.

وأخيرًا، ينبغي وضع هذه الهندسة للبنى التحتيّة في سياق أوسع لإعادة تشكيل الممرّات الطاقيّة. فإغلاق أنبوب المغرب العربي–أوروبا سنة 2021، إثر التوتّرات بين الجزائر والمغرب، جسّد البُعد السياسي العالي لهذه البنى. كما أسهم في تعزيز مركزيّة ترانسميد وميدغاز، مُكثّفًا تبعيّة جنوب أوروبا لهذين المحورين تحديدًا.

هكذا تظهر البنى التحتيّة الغازيّة نواقل أساسيّة للقوّة الطاقيّة. فهي تُهيكل التشابكات، وتُحدّد هوامش مناورة الفاعلين، وتُكيّف التوازنات الجيوسياسيّة الإقليميّة. وفي السياق الأورومتوسّطي، تُسهم في جعل الجزائر فاعلًا محوريًّا، وتونس حلقة حرجة، وأوروبا فضاءً يعتمد على استقرار ممرّات تزوّده.

تظهر البنى التحتيّة الغازيّة نواقل أساسيّة للقوّة الطاقيّة. فهي تُهيكل التشابكات، وتُحدّد هوامش مناورة الفاعلين، وتُكيّف التوازنات الجيوسياسيّة الإقليميّة. في قلب الممرّ الأورومتوسّطي
Dataviz · 02

التشابك الثلاثي لترانسميد

ثلاثة فاعلين، ثلاثة مواقع، ثلاثة أشكال من التبعيّة — عدم تناظر جوهري.

الجزائر
0مليار م³
الإنتاج السنوي المقدَّر · المورّد الرئيسي
التحكّم في الكمّيّات
تونس
0٪
ريع العبور المقدَّر · أهمّيّة استراتيجيّة دون استقلاليّة كاملة
5–7 ٪ من الكمّيّات المنقولة
منتج
الجزائر
التحكّم في الكمّيّات المُصدَّرة وفي الشروط التعاقديّة. قدرة تصدير قريبة من التشبّع.
0مليار م³
إنتاج · حاسي الرمل
عبور
تونس
أهمّيّة استراتيجيّة دون استقلاليّة. ريع مرور، لكن لا تخزين ولا إعادة توزيع.
0٪
ريع · 5–7 ٪ من التدفّقات
منفذ
إيطاليا
قوّة شرائيّة هيكليّة. الزبون الأوروبي الأوّل للغاز الجزائري منذ 2022.
0مليار م³
واردات · 2025
المصادر · سوناطراك، إيني، أريرا إيطاليا، وزارة الطاقة والمناجم التونسيّة، تقديرات PNT 2026.
Dataviz · 03

القدرات والضغط على ممرّات الغاز

قراءة توليفيّة لأبرز محاور التصدير والعبور التي تُهيكل الفضاء الأورومتوسّطي حول الجزائر. تُمدّد المقادير البصريّة أدناه التحليلَ مُبرِزةً التشبّع النسبي للبنى التحتيّة المتوفّرة، والمركزيّة الدائمة لبعض المحاور الكبرى.

ميدغازالجزائر ← إسبانيا · تحت بحري
95٪ نسبة استخدام
ترانسميدالجزائر ← تونس ← إيطاليا
88٪ نسبة استخدام
أرزيو + سكيكدةقدرات الغاز المسال
72٪ نسبة استخدام
المغرب العربي–أوروباالجزائر ← المغرب ← إسبانيا
0مغلق
غالسيمشروع الجزائر ← إيطاليا
0غير منجز
العابر للصحراءنيجيريا ← النيجر ← الجزائر
5٪ نسبة تقدّم
تشبّع ميدغاز وترانسميد، إغلاق المغرب العربي–أوروبا، الدور التكميلي للغاز المسال، والطابع الافتراضي لبعض مشاريع الالتفاف أو التوسيع.

الجزء الثالث

أثر الغاز على الجزائر وتونس وأوروبا

«أثر الغاز»، أي مجمل التحوّلات الاقتصاديّة والطاقيّة والجيوسياسيّة التي يُحدثها إنتاج الغاز الطبيعي واستهلاكه ودورانه، لا ينتشر بصورة متجانسة في الفضاء الأورومتوسّطي.

«أثر الغاز»، أي مجمل التحوّلات الاقتصاديّة والطاقيّة والجيوسياسيّة التي يُحدثها إنتاج الغاز الطبيعي واستهلاكه ودورانه، لا ينتشر بصورة متجانسة في الفضاء الأورومتوسّطي. بل يُنتج، على العكس، آثارًا متمايزة تبعًا لموقع الفاعلين في السلسلة الطاقيّة — منتجون أو دول عبور أو مستهلكون — وتبعًا لبنياتهم الاقتصاديّة الداخليّة. وفي حالة الجزائر وتونس والاتّحاد الأوروبي، يُسهم في هيكلة مسارات متباينة لكن متشابكة بعمق، كاشفًا عن جغرافيا للقيد والسلطة.

الجزائر: قدرات قريبة من التشبّع في نموذج تحت ضغط

تحتلّ الجزائر موقعًا فريدًا في الاقتصاد الغازي الأورومتوسّطي، فهي مورّد استراتيجي وفاعل مُقيَّد بديناميكيّاته الداخليّة في آن. فإنتاجها من الغاز الطبيعي، المقدَّر بين 95 و105 مليارات م³ سنويًّا، يُدرجها ضمن أبرز المنتجين في العالم، غير أنّ هذه الطاقة الإنتاجيّة لا بدّ أن تُحلَّل في ضوء قيود بنيويّة تحدّ من قدرتها التصديريّة.

يكمن أوّل هذه القيود في النموّ السريع للاستهلاك الداخلي. فهو يستوعب اليوم ما بين 45 و55 مليار م³، أي قرابة نصف الإنتاج الوطني. ويُفسَّر هذا التطوّر بعوامل متضافرة عدّة. فمن جهة، يُغذّي النموّ الديموغرافي المتواصل والمستدام طلبًا متناميًا على الطاقة. ومن جهة أخرى، يُسهم التوسّع العمراني والارتفاع التدريجي لمستوى المعيشة في تنامي الاستخدامات الطاقيّة، ولا سيّما في القطاعَين السكني والثالث. وأخيرًا وأهمّ من ذلك كلّه، تستند بنية المنظومة الطاقيّة الجزائريّة ذاتها إلى تبعيّة شبه كاملة للغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، تُقدَّر بنحو 98 ٪ من المزيج الكهربائي.

وتُولّد هذه التبعيّة أثر مزاحمة داخليًّا: فكلّما ارتفع الاستهلاك الداخلي، انخفضت الكمّيّات المتاحة للتصدير ميكانيكيًّا. ويُقيّد هذا الظاهرة قدرة الجزائر على الاستجابة للطلب الأوروبي المتنامي منذ 2022، رغم سياق سعري ملائم. أي إنّ المركزيّة الاستراتيجيّة للجزائر تقترن بقيد بنيوي يحدّ من نطاقها.

وفضلًا عن ذلك، تبلغ بنى التصدير التحتيّة مستويات استخدام عالية. فأنبوبا الغاز ميدغاز وترانسميد يعملان بمعدّلات قريبة من قدرتهما القصوى، مع هوامش توسّع محدودة على المدى القصير. وتُتيح قدرات التسييل المتمركزة في أرزيو وسكيكدة مرونةً إضافيّة، غير أنّها تتأثّر بقيود تقنيّة وفترات صيانة تُقلّص نجاعتها التشغيليّة.

في هذا السياق، تُطرح مسألة رفع الإنتاج بحدّة. فالأهداف المُعلنة من سوناطراك تتغيّى إنتاجًا يتراوح بين 130 و140 مليار م³ في أفق 2030. غير أنّ بلوغ هذا الهدف يتوقّف على متغيّرات متعدّدة وغير مؤكّدة، أبرزها مستوى الاستثمار في حلقات المنبع، وجاذبيّة الإطار التنظيمي للشركاء الأجانب، والقدرة على تعبئة تكنولوجيّات متقدّمة.

ويبدو تطوير الغاز الصخري خيارًا استراتيجيًّا متوسّط المدى. فالجزائر تتوفّر على موارد ضخمة، تُعدّ من بين الأعلى في العالم من حيث القدرة الفنّيّة على الاستخراج. وقد أُبرمت شراكات بين سوناطراك وكبرى الشركات الدوليّة، إكسون موبيل وشيفرون، بهدف تطوير هذه الموارد. غير أنّه، فيما يتجاوز إعلانات الحكومة الجزائريّة، لن تُصبح مساهمة الغاز الصخري في إجمالي الكمّيّات المُصدَّرة ذات بال إلّا على المدى المتوسّط، أي بين 5 و10 سنوات، شرط تعزيز الروابط الدبلوماسيّة بين الجزائر العاصمة وواشنطن.

تونس: هشاشة طاقيّة بنيويّة ومتعدّدة الأبعاد

تُمثّل تونس حالة بليغة الدلالة على الآثار المتمايزة للغاز ضمن منظومة طاقيّة غير متناظرة. فهي، خلافًا للجزائر، ليست منتجًا كبيرًا ولا فاعلًا مهيمنًا، بل دولة شديدة الاعتماد على الواردات وهشّة بنيويًّا أمام تطوّرات السوق الإقليميّة.

وتقوم هذه الهشاشة أوّلًا على بنية المزيج الطاقي. فأكثر من 95 ٪ من الكهرباء التونسيّة تُنتَج من الغاز الطبيعي، ما يجعل منها إحدى أكثر المنظومات الكهربائيّة في العالم اعتمادًا على مصدر طاقي واحد. ويزداد هذا الاعتماد إشكاليّةً بكون الإنتاج الوطني للغاز في تراجع، بفعل النضوب التدريجي للحقول وضعف الاستثمار في الاستكشاف.

ونتيجة لذلك، تعتمد تونس بشكل متزايد على الواردات، أساسًا من الجزائر. وتُقدَّر هذه التبعيّة بين 60 و70 ٪ من إجمالي تزوّدها بالغاز. وتضع البلاد في وضعيّة تعرّض شديد للقرارات السياسيّة والتجاريّة للجزائر العاصمة، فضلًا عن تقلّبات الأسعار الدوليّة.

ويتجلّى أثر الغاز كذلك على المستوى الاقتصادي الكلّي. فالفاتورة الطاقيّة تُمثّل بين 6 و8 ٪ من الناتج الداخلي الخام التونسي، ما يُشكّل قيدًا كبيرًا على الماليّة العموميّة. وفي سياق هشاشة اقتصاديّة وتوتّرات ميزانيّة، تَحُدّ هذه التبعيّة الطاقيّة هوامش مناورة الدولة وتُضاعف هشاشتها أمام الصدمات الخارجيّة.

وفضلًا عن ذلك، تضطلع تونس بدور بلد عبور في المنظومة الطاقيّة الإقليميّة، عبر أنبوب الغاز ترانسميد. ويمنحها هذا الدور أهمّيّة استراتيجيّة تتباين مع هشاشتها الاقتصاديّة. فريع العبور، المقدَّر بنحو 5 إلى 7 ٪ من الكمّيّات المنقولة، يُتيح للبلاد وصولًا مميّزًا إلى جزء من الغاز الجزائري. غير أنّ هذه الآليّة لا تُحوّل تونس إلى فاعل مستقلّ. فالغاز المُحصّل يُوجَّه أساسًا للاستهلاك المحلّي، ولا يُتيح إعادة بيع تُذكر على الأسواق الإقليميّة.

ويُجسّد هذا الوضع شكلًا من التشابك غير المتناظر. فإذا كانت تونس تعتمد على الغاز الجزائري في تزوّدها الطاقي، فإنّ الجزائر تعتمد بدورها على التراب التونسي لعبور جزء من صادراتها نحو أوروبا. غير أنّ هذه التبعيّة مختلفة الطبيعة. فبالنسبة إلى تونس هي وجوديّة، أمّا بالنسبة إلى الجزائر فهي وظيفيّة. ويمنح هذا اللاتناظر الجزائرَ العاصمة ميزة استراتيجيّة في العلاقة الثنائيّة.

وأخيرًا، يتجلّى أثر الغاز في تونس كذلك في القطاع الكهربائي. فقد باتت البلاد مستوردًا صافيًا للكهرباء، بتدفّقات عابرة للحدود تُقدَّر بنحو 5 ٪ من الاستهلاك الوطني. ويُعزّز هذا التطوّر التبعيّة الطاقيّة، ويُبرز حدود المنظومة الراهنة.

إجمالًا، يمكن تأويل أثر الغاز في تونس بوصفه عامل هشاشة بنيويّة. فهو يكشف حدود نموذج طاقي ضعيف التنوّع، ويُبرز إلحاح الانتقال نحو مصادر أكثر استدامة وأقلّ اعتمادًا على الواردات.

بالنسبة إلى تونس هي وجوديّة، أمّا بالنسبة إلى الجزائر فهي وظيفيّة. ويمنح هذا اللاتناظر الجزائرَ العاصمة ميزة استراتيجيّة في العلاقة الثنائيّة. لاتناظر التشابك

أوروبا: إعادة تشكيل التبعيّات وجغرافيا طاقيّة جديدة

بالنسبة إلى الاتّحاد الأوروبي، يتجلّى أثر الغاز في إعادة تشكيل عميقة للتبعيّات الطاقيّة. فالإنتاج الداخلي، المقدَّر بنحو 30 إلى 35 مليار م³، لا يُغطّي سوى نسبة محدودة من إجمالي الاستهلاك الذي يبلغ نحو 330 مليار م³. ويُنتج هذا الوضع تبعيّةً دائمة على الواردات.

وقد شكّلت الحرب في أوكرانيا منعطفًا، إذ أحدثت تقليصًا سريعًا للتبعيّة للغاز الروسي. غير أنّ هذا التنويع لم يُترجَم بانخفاض إجمالي للتبعيّة، بل بإعادة تشكيلها. فقد توجّهت أوروبا نحو مورّدين جدد، ولا سيّما الولايات المتّحدة للغاز المسال، والجزائر للإمدادات عبر الأنابيب.

في هذا السياق، تحتلّ الجزائر موقعًا مركزيًّا، خصوصًا لدول جنوب أوروبا. فإيطاليا، التي رفعت بقوّة وارداتها من الغاز الجزائري منذ 2022، باتت أحد أبرز الشركاء الطاقيّين للجزائر العاصمة. وتعتمد إسبانيا إلى حدّ بعيد على الغاز المنقول عبر ميدغاز، في حين تُعزّز فرنسا اعتمادها على الغاز المسال الجزائري.

وتقترن إعادة تشكيل التدفّقات هذه بتحوّل في منطق الأمن الطاقي. فبينما كان التنويع يُتصوَّر تاريخيًّا تكثيرًا للمصادر، أضحى يُفكَّر فيه اليوم بمنطق مرونة الممرّات. أي إنّ الأمن الطاقي بات يعتمد بشكل متزايد على استقرار البنى التحتيّة والعلاقات السياسيّة التي تَسندها.

ويطرح هذا التطوّر تحدّيات كبيرة. فمن جهة، يُعرّض أوروبا للمخاطر السياسيّة والاقتصاديّة لبلدان التزويد والعبور. ومن جهة أخرى, يُعزّز البُعد الجيوسياسي للطاقة، إذ يجعل العلاقات الطاقيّة عنصرًا مركزيًّا في السياسات الخارجيّة.

وأخيرًا، ينبغي تحليل أثر الغاز في أوروبا في ضوء الانتقال الطاقي. فالتراجع في استهلاك الغاز المُلاحظ منذ 2022، المرتبط بسياسات النجاعة الطاقيّة وبتطوير الطاقات المتجدّدة، لا يُلغي التبعيّة البنيويّة على المدى القصير. فالغاز يظلّ عنصرًا محوريًّا في المزيج الطاقي الأوروبي، ولا سيّما لإنتاج الكهرباء وللصناعة.

الأمن الطاقي الأوروبي بات يستند اليوم إلى مرونة الممرّات أكثر منه إلى تكثير المصادر.


الجزائر
100مليار م³
الإنتاج الغازي السنوي المقدَّر
في وسط مجال 95–105
تونس
95٪
حصّة الغاز في إنتاج
الكهرباء التونسيّة
الاتّحاد الأوروبي
330مليار م³
الاستهلاك الغازي
الإجمالي التقريبي
إنتاج الاتّحاد
35مليار م³
الإنتاج الداخلي الأوروبي
الحدّ الأعلى للمجال
خاتمة

نحو تبعيّة متوسّطية جديدة

تُؤكّد أزمة 2026 الطاقيّة أنّها ليست قطيعة بقدر ما هي تسارع لديناميكيّات بنيويّة قائمة منذ مطلع العشرية الثانية من الألفيّة.

تُؤكّد أزمة 2026 الطاقيّة أنّها ليست قطيعة بقدر ما هي تسارع لديناميكيّات بنيويّة قائمة منذ مطلع العشرية الثانية من الألفيّة. وتُبرز تحوّلًا عميقًا في الجغرافيا الطاقيّة الأوروبيّة، الموسومة من الآن بإعادة توازن للتبعيّات وبإعادة تثمين للممرّات الإقليميّة على حساب المنطق المعولم بحتًا للغاز المسال. وفي هذا السياق الجديد، يفرض المتوسّط الأوسط نفسه فضاءً استراتيجيًّا من الدرجة الأولى، عند تقاطع رهانات الأمن الطاقي والاستقرار السياسي وإعادة التشكيل الجيوسياسي.

يُبيّن تحليل ممرّات الغاز أنّ البنى التحتيّة ليست مجرّد دعائم تقنيّة، بل هي بحقّ أدوات سلطة تُهيكل العلاقات بين المنتجين ودول العبور والمستهلكين. وتظهر الجزائر، بفضل قربها الجغرافي وتجذّرها التاريخي في الأسواق الأوروبيّة وسمعتها بالموثوقيّة، فاعلًا محوريًّا في إعادة التشكيل هذه. غير أنّ هذه المركزيّة تظلّ مؤطَّرة بقيود داخليّة كبيرة، يأتي في طليعتها النموّ المستدام للطلب الداخلي والتشبّع النسبي لقدرات التصدير. بهذا المعنى، تُجسّد الجزائر مورّدًا استراتيجيًّا تظلّ هوامش مناورته محدودة على المدى القصير، إلّا إذا أقدمت على تحوّلات بنيويّة في جهازها الإنتاجي.

في موازاة ذلك، تُجسّد تونس الهشاشات الخاصّة بدول العبور في منظومة طاقيّة غير متناظرة. فتبعيّتها البنيويّة للغاز، مقترنةً بهشاشة توازناتها الاقتصاديّة الكلّيّة، تجعل منها حلقة حرجة في الممرّ الأورومتوسّطي. وإذا كان دورها في عبور الغاز الجزائري يمنحها أهمّيّة استراتيجيّة فعليّة، فإنّ ذلك لا يُترجَم باستقلاليّة طاقيّة أو سياسيّة متزايدة. بل ينخرط، على العكس، في منطق تشابك غير متناظر، حيث تظلّ التبعيّة التونسيّة وجوديّة الطبيعة، في حين تظلّ التبعيّة الجزائريّة وظيفيّة جوهرًا. وفي هذا الإطار، يبدو تأمين تزوّد تونس مشروطًا بعوامل عدّة: استقرار التدفّقات الجزائريّة، وقدرة الجزائر العاصمة على الحفاظ على صادراتها رغم ضغط الطلب المحلّي، فضلًا عن الصلابة الماليّة التونسيّة الكفيلة بتحمّل فاتورتها الطاقيّة. وفي غياب رفع معتبر للإنتاج الجزائري، لا يمكن استبعاد خطر توتّر على تزوّد تونس، لا سيّما في فترات ذروة الطلب، ما يُعزّز هشاشة البلاد البنيويّة.

بالنسبة إلى الاتّحاد الأوروبي، تُترجم هذه التركيبة بزوغ تبعيّة متوسّطية جديدة. فالتنويع المنخرط فيه منذ 2022 أتاح خفض التعرّض للغاز الروسي، لكنّه لم يُلغِ التبعيّة البنيويّة على الواردات. بل أعاد نشرها، معزّزًا وزن مورّدين إقليميّين كالجزائر. وفي هذا السياق، بات الأمن الطاقي الأوروبي يستند اليوم إلى مرونة الممرّات أكثر منه إلى تكثير المصادر، أي إلى استقرار البنى التحتيّة والفضاءات السياسيّة التي تعبرها.

في أفق 2030، يُتوقَّع أن يظلّ المتوسّط الأوسط فضاءً مُهيكِلًا للأمن الطاقي الأوروبي، تُعزّز فيه الجزائر مركزيّتها، وتُؤكّد فيه تونس دورها حلقةً حرجة، وتظلّ فيه أوروبا رهينة استقرار ممرّات تزوّدها. وتفتح هذه التركيبة عدّة مسارات ممكنة:

أفق 2030

أربعة مسارات ممكنة

أربعة سيناريوهات لتطوّر الأمن الطاقي الأورومتوسّطي حول القدرات الجزائريّة والدور التونسي والاستقرار الإقليمي.

السيناريو 01

تثبيت التوازنات القائمة

سيُتيح استقرار نسبي للتوتّرات الدوليّة رفعًا معتدلًا للإنتاج الجزائري، مع إبقاء التدفّقات نحو أوروبا في حدود 50 مليار م³. وفي هذا الإطار، يمكن لتونس أن تُؤمّن تزوّدها شريطة تعاون طاقي معزَّز مع الجزائر العاصمة ودعم مالي خارجي، أوروبي خصوصًا، يُتيح تثبيت قدرتها على الاستيراد.

← تثبيت
السيناريو 02

توسيع الممرّات وإعادة التشكيل الإقليمي

إنجاز أنبوب الغاز العابر للصحراء، الرابط بين نيجيريا والجزائر عبر النيجر، حتى لو جزئيًّا، سيُحوّل بعمق موقع الجزائر العاصمة، التي ستغدو محورًا قارّيًّا يربط أفريقيا جنوب الصحراء بالأسواق الأوروبيّة. وقد تتجاوز عندئذٍ الكمّيّات المُصدَّرة 60 مليار م³، معزّزةً بشكل ملحوظ الوزن الدبلوماسي للجزائر. غير أنّ هذا السيناريو سيندرج في سياق منافسة محتدمة مع مشروع نيجيريا–المغرب، كاشفًا عن تنافس مهيكل للسيطرة على الممرّات الطاقيّة الأفريقيّة المستقبليّة.

← توسّع
السيناريو 03

توتّر داخلي وتقلّص الصادرات

قد يُؤدّي نموّ سريع للطلب المحلّي الجزائري، مقترنًا بتأخّرات في تطوير قدرات إنتاج جديدة، إلى تقييد دائم للكمّيّات المُصدَّرة. وفي هذه الفرضيّة، تتفاقم هشاشة تونس، في حين يُضطرّ الاتّحاد الأوروبي إلى تعزيز استراتيجيّات الإحلال، عبر الغاز المسال أو مورّدين آخرين تحديدًا.

← قيد
السيناريو 04

قطيعة إقليميّة

قد يُؤدّي تدهور السياق الأمني في المتوسّط أو في الساحل إلى إضعاف البنى التحتيّة القائمة، مُعرّضًا إيّاها لمخاطر اضطراب متصاعدة. وفي هذه الحالة، تغدو الممرّات الطاقيّة نقاطَ هشاشة استراتيجيّة، قابلة لإحداث انقطاعات ظرفيّة لكن دالّة في التدفّقات.

← صدمة منظوميّة

التداعيات الدبلوماسيّة لإعادة التشكيل هذه

في كلّ الأحوال، تُؤكّد رهانات الغد أنّ السؤال المركزي بالنسبة إلى الاتّحاد الأوروبي لم يعد يقتصر على التنويع، بل بات سؤال مرونة الممرّات. ويبدو تأمين البنى التحتيّة، والاستقرار السياسي للضفّة الجنوبيّة، وتعزيز التعاون الأورومتوسّطي شروطًا جوهريّة للأمن الطاقي.

  • دعم معزَّز لاستقرار تونس الاقتصادي والطاقي ؛
  • تعميق الشراكات الاستراتيجيّة مع الجزائر ؛
  • استثمارات متنامية في الترابطات والبنى التحتيّة الطاقيّة ؛
  • حماية وتأمين البنى التحتيّة الحرجة، ولا سيّما تحت بحريّة منها.

وبصورة أعمّ، يميل المتوسّط إلى أن يُصبح من جديد فضاءً استراتيجيًّا مركزيًّا، يضطلع فيه الغاز بدور عامل تعاون وناقل تنافس في آن. وبالنسبة إلى الجزائر، تُمثّل هذه التركيبة فرصة تاريخيّة لتثبيت دورها الإقليمي، إذ يفرض الغاز نفسه أداةَ قوّة دبلوماسيّة وتفاوض واستقرار.

في نهاية المطاف، تُذكّرنا أزمة 2026 بأنّ الطاقة تظلّ واقعةً جيوسياسيّةً عميقة. وتُبرز ضرورةَ أن يُفكّر الفاعلون الأوروبيّون والمتوسّطيّون على حدٍّ سواء في الأمن الطاقي لا بمصطلحات اقتصاديّة أو تقنيّة فحسب، بل بوصفه مكوّنًا مركزيًّا من السياسات الخارجيّة والأمنيّة، في صلب التوازنات الإقليميّة للعقد القادم.

ملحق

ملاحظات ومراجع

مراجع ببليوغرافيّة ومؤسّساتيّة مرتبطة بتحليل الممرّات الغازيّة الأورومتوسّطية.

  1. 01

    International Energy Agency (IEA), Gas Market Report Q2 2026, Paris : IEA, 2026 ؛ انظر أيضًا U.S. Energy Information Administration (EIA), The Role of the Strait of Hormuz in Global Energy Markets, Washington D.C. : EIA, 2023.

  2. 02

    International Energy Agency (IEA), Algeria Energy Profile, Paris : IEA, 2024 ؛ Oxford Institute for Energy Studies (OIES), Algeria's Gas Export Strategy and Its Reliability, Oxford : OIES, 2023.

  3. 03

    Daniel Yergin, The Prize: The Epic Quest for Oil, Money, and Power, New York : Free Press, 1991 ؛ International Energy Agency (IEA), Energy Policies of IEA Countries, Paris : IEA, طبعات مختلفة.

  4. 04

    Eni, TransMed Pipeline: History and Technical Overview, Rome : Eni, 2023 ؛ Sonatrach, Rapport annuel 2025, Alger : Sonatrach, 2025.

  5. 05

    International Energy Agency (IEA), Algeria Energy Profile, Paris : IEA, 2024 ؛ Oxford Institute for Energy Studies (OIES), Algeria's Gas Export Strategy, Oxford, 2023.

  6. 06

    Oxford Institute for Energy Studies (OIES), Algeria's Gas Exports and European Demand, Oxford, 2022 ؛ International Energy Agency (IEA), Gas Market Report 2023, Paris : IEA, 2023.

  7. 07

    International Energy Agency (IEA), Gas Market Report 2024, Paris : IEA, 2024 ؛ BP, Statistical Review of World Energy 2024, London : BP, 2024 ؛ انظر كذلك المعطيات الوطنيّة المجمّعة في Energy in Algeria, 2023.

  8. 08

    International Energy Agency (IEA), Gas Market Report 2024, Paris : IEA, 2024 ؛ BP, Statistical Review of World Energy 2024, London : BP, 2024.

  9. 09

    International Energy Agency (IEA), Global Gas Security Review 2023, Paris : IEA, 2023 ؛ International Energy Agency (IEA), Gas Market Report 2024, Paris : IEA, 2024.

  10. 10

    Sonatrach, Rapport annuel 2025, Alger : Sonatrach, 2025 ؛ ENI, TransMed Pipeline: Technical and Operational Overview, Rome : ENI, 2023.

  11. 11

    U.S. Energy Information Administration (EIA), Technically Recoverable Shale Oil and Shale Gas Resources: Algeria, Washington D.C. : EIA, 2015 ؛ International Energy Agency (IEA), Algeria Energy Outlook, Paris : IEA, 2024.

  12. 12

    U.S. Energy Information Administration (EIA), Technically Recoverable Shale Oil and Shale Gas Resources: Algeria, Washington D.C. : EIA, 2015 ؛ International Energy Agency (IEA), Algeria Energy Outlook, Paris : IEA, 2024.

  13. 13

    Société Tunisienne de l'Électricité et du Gaz (STEG), Bilan énergétique de la Tunisie 2025, Tunis : STEG, 2025 ؛ International Energy Agency (IEA), Tunisia Energy Profile, Paris : IEA, 2023.

  14. 14

    World Bank, Tunisia Energy Sector Assessment, Washington D.C. : World Bank, 2024 ؛ African Development Bank, Tunisia Economic Outlook 2024, Abidjan : AfDB, 2024.

  15. 15

    International Energy Agency (IEA), North Africa Energy Outlook, Paris : IEA, 2024 ؛ Oxford Institute for Energy Studies (OIES), Gas Trade in the Maghreb Region, Oxford, 2023.

  16. 16

    Oxford Institute for Energy Studies (OIES), The TransMed Pipeline and Italy's Gas Security, Oxford, 2023 ؛ STEG, Bilan énergétique 2025.

  17. 17

    ENTSO-E, Regional Adequacy Report and Cross-Border Electricity Flows, Brussels : ENTSO-E, 2025.

  18. 18

    Eurostat, Natural Gas Supply Statistics, Luxembourg : Publications Office of the European Union, 2026 ؛ International Energy Agency (IEA), Gas Market Report 2025, Paris : IEA, 2025.

  19. 19

    International Energy Agency (IEA), Gas Market Report 2023, Paris : IEA, 2023 ؛ European Commission, REPowerEU Plan, Brussels : European Commission, 2022.

  20. 20

    International Energy Agency (IEA), Italy Gas Market Analysis, Paris : IEA, 2025 ؛ ENI, Annual Report 2024, Rome : ENI, 2024 ؛ Naturgy, Annual Report 2024, Madrid : Naturgy, 2024.

Related posts

الشمس كرهينة: السيادة، اتفاقيات إنتاج الكهرباء والعجز الاستراتيجي

ثمن التبعية : تونس وصدمة الطاقة لعام 2026

الجزائر–المغرب: مركزيتان استراتيجيتان وهشاشتان